د. محمد الحوراني
مع دخول مشروع “سوفا 53” مرحلته الأخيرة من التنفيذ، تُنْهي قُوّاتُ الاحتلال الإسرائيليّ الصِّفةَ الهندسية البحتة للمشروع في عامه الرابع، وتُحوّلُهُ أحدَ أهـمِّ “الأحزمة الآمنة” في إستراتيجيتها الدفاعية التي بدأت العمل عليها بعد السابع من أكتوبر 2023، وتزيدُ تَوسُّعَها فيها على نحوٍ كبير على الأراضي السورية بعد 8-12-2024. و”سوفا”بالعبرية تعني العاصفة أما الرقم “53” المقترن بها فهو الرقم العائد للكتيبة المدرعة “53” والملقبة ب “سوفا” وتتبع للواء “188- باراك” في جيش الاحتلال الإسرائيلي، وهذه الكتيبة هي صاحبة الدور الأهم في إقامة هذا المشروع كما أن وحداتها الهندسية هي التي تقوم بمعظم أعمال شق الطرقات وإقامة التحصينات وحفر الخنادق العسكرية داخل الأراضي السورية، وهي الوحدات العسكرية نفسها التي تقوم بأعمال مشابهة على الجبهة اللبنانية، كما أنها هي التي تنفذ مشروع ” الشرق الجديد” في سورية وهو المشروع الذي يشمل حفر قنوات وإقامة سواتر ترابية بهدف عرقلة دخول ما تصفه إسرائيل بالقوات المعادية، ويهدف هذا المشروع حسب المزاعم الإسرائيلية إلى تحصين مناطق الحدود الإسرائيلية السورية كاملة من خلال حفر خنادق بعمق وعرض 4 أمتار وجبال من السواتر الترابية العالية، وبالتالي فإن التقاطع كبير بين المشروعين كما أن هذين المشروعين متكاملان تماما لجهة تأمين المناطق الحدودية ورسم خطوط جديدة لهذه المنطقة وهي حدود لن ترسم بنقاط المراقبة أو الأسلاك المكهربة والشائكة وإنما ستكون مرسومة بالنار والقتل هذه المرة.
ولعل ما أقدمت عليه قوات الاحتلال من البدء بالمرحلة الأخطر من مشروع خط “سوفا 53” يُعدُّ إيذاناً حقيقياً بقرع نواقيس الخطر بقوة على رؤوس الجميع، ولا سيما مع تصعيد الاحتلال توغُّلاته وانتهاكاته للأراضي السورية، خاصة بعد سقوط النظام السابق في 8-12-2024، وهو ما قد يفضي سياسياً إلى تغيير قواعد التفاوض وأسس التعامل مع ترتيبات اتفاق عام 1974، وفرض وقائع جديدة على الأرض، وهي وقائع مُغلَّفة بغلاف الوهم والحجج الواهية والخوف المزعوم من تشكيل مخاطر على جنود الاحتلال ومستوطنيه، تماماً كما حدث حينَ تبرير حوادث إطلاق النار على المواطنين السوريين الأبرياء في القنيطرة خصوصاً والجنوب السوري عموماً، ولم تكن حوادث إطلاق النار التي تنهضُ بها قوات الاحتلال الإسرائيلي على مواطنين سوريين في الجنوب السوري إلّا رغبة في القتل والترهيب للمواطن الذي أمضى حياته في تلك الأرض قبل أن تستبيحها قوات الاحتلال، وتقيم فيها الحواجز والنقاط العسكرية، وعلى الرغم من الادّعاءات الصهيونية بأن هؤلاء الأشخاص شكّلُوا تهديداً لها في المنطقة، لكنَّ الوقائع والتحقيقات أثبتت أنهم كانوا عُزّلاً، ولا يحملون أيَّ نوع من أنواع الأسلحة.
هذا الكذبُ الصهيوني المفضوح بأنّ قَتْلَ هؤلاء كان بسبب ما يُشكِّلُونَهُ من تهديد للصهاينة، هو الحجة عينها التي اعتمد عليها الصهاينة في تبرير ما يقومون به في مشروع “سوفا 53″، أو العاصفة الكبرى، وهو المشروع الذي بدأ الاحتلال الإسرائيلي بتنفيذه في منتصف عام 2022 داخل المنطقة العازلة في الجانب السوريّ بمحاذاة خطّ فكّ الاشتباك المُقام بموجب اتّفاقيّة عام 1974، أمّا اليوم فإنّ وتيرةَ العمل في المشروع ازدادت على نحوٍ كبير، كما تُـوُسِّعَ فيه وقُضِمَ مزيد من الأراضي المتاخمة للخط الممتد على طول أكثر من 70 كيلومتراً من أطراف بلدة حضر وفي اتجاه القرى في جباتا الخشب والحميدية في ريف القنيطرة الشمالي، وكذلك القحطانية ورويحنة وبئر عجم وبريقة في الريف الأوسط، والعشة في جنوب المحافظة، وصولاً إلى منطقة حوض اليرموك في الريف الغربيّ لمحافظة درعا.
ومع تزايُد التغلغلات الإسرائيلية والاعتداءات على مناطق واسعة من الجغرافية السورية، خاصة في الجنوب، أطلقت إسرائيل مرحلة هي الأخطر في حلقات هذا المشروع، وتزامنت هذه المرحلةُ مع مزيد من من التوغلات الإسرائيلية في مطلع تشرين الأول 2026 مع الاقتحامات لقريتي صيدا وعابدين في الريف الغربي لدرعا يوم السبت 3-10-2026، وسيقوم هذا المشروع، الذي يزعم الإسرائيليون أنّ الهدف منه حماية الأراضي المحتلة من أيّ تهديد يمكن أن تتعرّضَ له من الجانب السوري، على شقّ طريق عرضه ثمانية أمتار، ومُحصّن بسواتر ترابية عالية ارتفاعها خمسة أمتار، ومُزوَّد بنقاط مراقبة وخنادق على طول مساره الممتد في المنطقة العازلة بمحاذاة الجولان المحتل، كما أن إسرائيل ستستفيد في مشروعها هذا من آلاف الدونمات التي سيطرت عليها في قرى جباتا والحميدية والحرية، وهو ما سيُشكّلُ خطراً كبيراً على الغطاء النباتيّ وعلى الثروة الحيوانيّة وعلى مختلف الموارد التي تُشكّلُ الموردَ الأساسيَّ وشبه الوحيد للسكان في تلك المناطق، كما أن هذا المشروع الاستحلاليّ العدوانيّ سيحرم الرعاة من رعاية قطعانهم ومواشيهم، في سياسة تهدف إلى إكراه الأهالي على مغادرة مناطقهم وترك قُراهم، إضافةً إلى الخطر الكبير الذي سيُهدِّدُ حياتهم بسبب وجودهم في تلك المناطق، وما يستتبع هذا من تغيير ديموغرافي وإفراغ لتلك المناطق والقرى من طاقاتها الشبابية والإنتاجية نتيجة عمليات الحفر والتجريف والتهجير والإتلاف لمساحات تُقدَّرُ بأكثر من 12 ألف دونم من الأراضي الأكثر خصوبة في المنطقة، مع كلّ ما يعنيه هذا من مخاطر كبيرة وجديدة لهذا الشكل الجديد من الاحتلال.
من جهة أُخرى قد يشكل تثبيت هذه الوقائع على الأرض ورقة ضغط على دمشق في أي مفاوضات مقبلة حول الترتيبات الأمنية والعلاقة بين البلدين، في ظل إدراك إسرائيل أن دمشق في مرحلتها الانتقالية، لا تملك القدرة العسكرية على الدخول في مواجهة مفتوحة معها، بعد الضربات التي استهدفت بعد سقوط الأسد معظم القدرات والمنشآت العسكرية السورية، بالإضافة إلى إعلانها أكثرَ من مرّة عدم نيّتِها نقل الحرب إلى خارج الحدود والسعي لتعزيز الاستقرار والسلام، كل ذلك مع حالة الهشاشة الأمنية التي تعيشها البلاد، تدفع الكيان لاستغلال الوضع والدفع بمشروع “سوفا 53” مع مشروع الشرق الجديد الذي تحدّثت عنه صحيفةُ يديعوت أحرونوت في آب 2026، واصفةً إيّاهُ بمشروع التحصينات الإسرائيلية داخل الجولان، ومُؤكِّدَةً في الوقت عينه أنّ جيشَ الاحتلال الإسرائيلي أنجزَ 80% من أعمال حفر الخنادق ضمن المشروع على طول المنطقة العازلة من مجدل شمس، حتى حوض اليرموك في الريف الغربي لمحافظة درعا في الجنوب السوريّ.
ويرى كثير من المتابعين والعارفين بتفاصيل مشروع الشرق الجديد أنّ المشهد الجديد المصاحب للسياج هو نظامٌ من الخنادق العميقة المُحصّنة والمُصمّمة لعرقلة دخول القُوّات المعادية للاحتلال سيراً على الأقدام وتأخيره، وسيضم الشريط الأمني نحو 10 نقاط كبيرة للتفتيش، كما سَتُسَيَّرُ دوريات في كثير من المناطق والقرى المفتوحة المحيطة بالمكان، وبناءً على ما تقدّم فإنّ “خط ألفا” و”خط برافو”، اللذين استُحْدِثا بموجب اتّفاق فضّ الاشتباك الذي جعلَ المنطقة الفاصلة بين الخطَّينِ خاضعةً لترتيبات عسكرية خاصة، وتحت إشرافات أممية، أصبحا في مهبّ الريح، ولا سيما أن أجزاءً من مشروع “سوفا 53” أقيمت داخل المنطقة، وهو ما يجب أن يكون دافعاً إضافياً للحكومة السورية لتسجيل احتجاجها وتكثيف تحرُّكاتها في المحافل العربية والدولية وتأكيد تَمسُّكها بسيادتها ومطالبتها الاحتلالَ الإسرائيليّ بالانسحاب من الأراضي التي احتلّها والعودة إلى الاتفاقيات السابقة.
إنّ ما تريده إسرائيل اليوم من الإسراع في تنفيذ مشروع “سوفا 53” ومشروع “الشرق الجديد” لا يقتصر على كونه مشروعاً للحماية يمتدُّ من جبل الشيخ وعين التينة شمالاً، مُروراً ببريقة وتلّ عكاشة وصيدا الجولان، وليس انتهاءً بكودنا، وإنما هو أكبر وأخطر من ذلك بكثير، حيث يُخشى أن يكون هذا المشروع بدايةً لانتشار إسرائيلي طويل الأمد في مناطق جديدة ومُتعدّدة في الجنوب السوريّ، وهي مناطق من شأنها أن تُسهِمَ بمزيد من التوسُّع والاحتلال والسيطرة على الثروات التي يريدها نتنياهو قبل انتخاباته بما يُسهِمُ في تعزيز حضوره الانتخابيّ بعد أن تكونَ مشاريعُه في الجنوب السوريّ حقّقتْ مزيداً من الأمان لجنوده ومستوطنيه، ولا سيما بعد المزايا الإستراتيجية الكبيرة التي حقّقَها الاسرائيليون عَقِبَ سيطرتهم على جبل الشيخ بما يعنيه من أولوية قصوى لجيش الاحتلال، ولا سيّما مع ما يتيحه من إمكانِ مُراقبةِ الجولان من الجانبين، إضافةً إلى إشرافه على دمشق ومراقبته لطريق دمشق بيروت وإشرافه على مناطق واسعة من لبنان وغيرها من الدول المحيطة، ولهذا فلا غرابة أن يُعلِنَ بنيامين نتنياهو وإسرائيل كاتس أنّ بقاءَ قُوّات الاحتلال في هذه المنطقة سيبقى إلى أجل غير مُسمّى.
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن

