آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » بيوت الأجداد ملاذ الطفولة ومخزن الحكايات العتيقة

بيوت الأجداد ملاذ الطفولة ومخزن الحكايات العتيقة

 

فادية مجد

تظلّ بيوت الأجداد في ذاكرة الأحفاد أيقونة دافئة عصية على النسيان، وحصناً روحياً تختبئ فيه أرقّ تفاصيل الطفولة وشغف البدايات. ومع كل نفحة حنين تعود بنا إلى الزمن الجميل، تتسلل إلى المسامع أنغام السيدة فيروز وهي تهمس بشوق عارم: «ستي يا ستي اشتقتلك يا ستي»، لترتسم في المخيلة صور الأمكنة العتيقة التي شهدت على بساطة العيش وعمق الروابط الأسرية، حيث يتداخل عبق الياسمين والحبق وريحة الخبز الساخن مع صدى ضحكات السنين.

عبق المكان وذكرياته
وفي هذا السياق، عبّرت الشاعرة رفاه حبيب بشغف وحنين عن تأثرها بمقولة «للأماكن رائحة»، مشيرة إلى أن لكل بقعة احتضنت طفولتها عبقاً ساحراً يسكن وجدانها ولا يغيب عن ذاكرتها أبداً.

وأوضحت حبيب أن الروائح الريفية الأصيلة تعيدها فوراً إلى دفء بيت جدها الترابي، مستحضرة بعين الحب والامتنان أثر يدي جدها وهما تتعاركان بشغف مع «المعرجلينة» فوق نبات «السِعد» لغزل كراسي القش، في طقس تراثي يحمل نبض الصبر والأصالة. مشيرة إلى أنها كانت تشارك جدها بدحل نبات السعد وتسوية السطح الترابي تحضيراً للشتاء، مؤكدة تعلقها الجارف بملامح استراحته على الحصيرة بين أصايص الحبق والمليسة.

دفء اللقاء وحاكورة الجدة
من جهتها، أفادت الموظفة فدوى أحمد بفيض من الحنين والتعلق الوجداني بذاكرة الأيام التي قضتها في بيت جدها في الريف، مشيرة إلى أن شوق العائلة المتواصل أثناء إقامتها بدمشق كان يعجل دوماً بالعودة إلى أحضان الجذور.

وأوضحت أحمد أن نبضات قلبها كانت تتسارع شغفاً كلما اقتربت أمتاراً قليلة من الدار، لتكتمل فرحتها بخروج الجدة بمريولها الريفي المنقّش، ويلحق بها الجد والأخوال والخالات بفيض من الدفء والترحاب.

وتحدثت أحمد عن «الحاكورة» ومحيط البيت الذي تحول على يدي الجدة إلى بستان غنّاء يفوح برائحة الحبق والورد، ولم تنس جلسات العائلة تحت شجرة الكينا المعمرة حول كؤوس «المتة»، ورائحة «خبز الصاج» الساخن الذي كانت تقدمه جدتها مع اللبنة البلدية.

كما استعادت مهابة بيت جدها المبني من الحجر البازلتي الصلب وجلسات الشتاء عند «الصوبيا» مع زيت الزيتون وكلمات الجد الدافئة: «كول زيت وعارك الحيط».

حنية أبوية ودفء الموقد الطيني
وأفاد المتقاعد حسن حمدان ببالغ التأثر بحنوّ والده ودلال والدته، مستحضراً ذكريات الأدوات التراثية والمقلي العتيق الذي كانت أمه تعدّ فيه أشهى الأطباق، حيث كانت تلك الأكلات البسيطة تحمل نكهة ساحرة لا تُنسى.

واسترجع حمدان ذكرياته وكيف كانت والدته تجمع الأحفاد بحبّ لتطعمهم «أقراص بحليب»، في حين كان والده يجهّز لهم ثمار التين والصبر بفيض من الرعاية والحنان الأبوي. مشيراً إلى أنه لا يزال يحرص على زيارة بيت والديه برفقة أبنائه، مؤكداً أن الدار ورغم أنها فقدت «بهجتها» وحركتها بعد رحيل أصحابها، إلا أن ريحهم الطيب وحسّهم الدافئ لا يزالان يوقدان الذكريات العطرة لأطيب الناس وأكرمهم.

ملاذ نفسي وتوازن روحي للأجيال
من جهتها، أوضحت المرشدة النفسية شاديا أحمد أن التعلق الوجداني الشديد ببيوت الأجداد لا يمثل مجرد استرجاع عاطفي لعصر مضى، بل هو آلية دفاعية ونفسية يبحث من خلالها الإنسان المعاصر عن الاستقرار والأمان الروحي، وسط ضغوط الحياة وتسارعها.

وأكدت أحمد أن الروائح العطرية للمكان والصور البصرية الدقيقة المنطبعة في الذهن أثناء مرحلة الطفولة المبكرة تشكل الركيزة الأساسية للهوية العاطفية للنفس البشرية، مبينة أن التفاصيل اليومية البسيطة كالالتفاف حول الصوبية، ومشاركة الخبز الساخن، وجلسات الدار العتيق تخلق في وجدان الأفراد مخزوناً عاطفياً ومناعة نفسية متجذرة، تمنحهم الشعور بالأمان والانتماء مهما طال بهم العمر أو تبدلت الظروف.

 

 

 

 

 

 

 

(اخبار سوريا الوطن-الحرية)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الزواج من الذكاء الاصطناعي… شريك حياتك المقبل ليس إنساناً!

  تطرح فرضية الزواج من الذكاء الاصطناعي تساؤلات حيال مستقبل العلاقات الإنسانية، مع تزايد ارتباط بعض الأشخاص عاطفياً بمساعدين افتراضيين. ورغم أن هذه الفكرة لا ...