آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » تاريخ مشبع بالعنف..!

تاريخ مشبع بالعنف..!

 

 

علي عبود

 

قبل ظاهرة دونالد ترامب غير المسبوقة، نادراً ما كانت وسائل الإعلام والباحثون يتطرقون إلى العنف في أمريكا. وكان لافتاً أن يحذّر عدد من المحللين والمؤرخين الأمريكيين من وصول ترامب إلى البيت الأبيض عام 2017، مؤكدين أن ترامب سيؤسس للحرب الأهلية الأمريكية الثانية!

 

ولم يكن «المحذّرون» يبالغون؛ فحجم العنف في أمريكا لم يزدد فقط، بل تطور إلى قيام أنصار ترامب عام 2021 باقتحام مبنى الكابيتول بذريعة تزوير الانتخابات، لمنعه من مغادرة البيت الأبيض بعد خسارته الانتخابات.

 

ولم يكن ترامب «يمزح» عندما خاطب الأمريكيين خلال حملته الرئاسية عام 2024 قائلاً، في ما فُهم منه: إما أن أكون رئيساً أو تكون الحرب الأهلية!

 

ومع أن هوليوود أنتجت عدة أفلام عن حرب أهلية خيالية خلال العقود الماضية، كان آخرها في عام 2024، فإن الأمريكيين لم يأخذوا هذه الفكرة على محمل الجد إلا بعد انتشار ظاهرة “الترامبية”التي تستند إلى قاعدة صلبة لا تقل عن خمسين مليون أمريكي من البيض المحافظين والمتعصبين، بحسب توصيف عدد من الباحثين.

 

لفتنا مؤخراً مقال نشره موقع “ذا كونفرسيشن”للأستاذ في جامعة تورينو، المؤرخ ماورتيتسيو فالسانيـا، تناول فيه جذور العنف السياسي في التاريخ الأمريكي واستمراريته منذ الثورة الأمريكية وصولاً إلى العصر الحديث. وتناقض هذه الرؤية تصريحات مسؤولين أمريكيين من الحزبين الجمهوري والديمقراطي، يرون أن جذور العنف اجتماعية أو عرقية بالدرجة الأولى، وليست سياسية.

 

ولعل السؤال الذي حاول كثير من المحللين والباحثين داخل أمريكا وخارجها الإجابة عنه هو: هل العنف في أمريكا متجذر في تاريخها السياسي، أم أنه ظاهرة طارئة فرضتها الخلافات الحادة بين الحزبين الجمهوري والديمقراطي؟

 

وقد برز هذا السؤال مجدداً بعد حادثة اغتيال أحد الناشطين المحافظين بالرصاص أثناء مشاركته في فعالية عامة، إذ كرر معلقون وإعلاميون العبارة التقليدية: “هذه ليست شخصيتنا كأمريكيين”وكأن حوادث القتل السياسي أو العنصري تقع للمرة الأولى في الولايات المتحدة!

 

وجاء في مقالة فالسانيـا: “باعتباري مؤرخاً، أرى أن النظر إلى هذا العنف باعتباره حلقات منفصلة أمر خاطئ؛ لأنه يعكس نمطاً متكرراً. فقد صبغت السياسة الأمريكية عنفها بصبغة شخصية، وتكرر الاعتقاد بأن التقدم التاريخي يعتمد على إسكات الخصم أو تدميره، حين يتحول إلى عدو لدود”.

 

ومن هنا يمكن الاستنتاج أن المزاعم القائلة إن حوادث العنف السياسي لا تمثل هوية الأمريكيين، تتجاهل حقيقة أن الولايات المتحدة نشأت وتطورت في ظل تاريخ طويل من العنف السياسي.

 

أليس مستغرباً أن ينسى، أو يتناسى، بعض المعلقين في وسائل الإعلام الأمريكية، عند تناولهم جرائم العنف السياسي، حوادث مروعة شهدتها البلاد، وفي مقدمتها اغتيال الرئيس جون كينيدي بالرصاص في 22 تشرين الثاني 1963، إضافة إلى العديد من حوادث الاغتيال والعنف التي استهدفت شخصيات سياسية ومسؤولين محليين على امتداد العقود الماضية؟

 

وتكشف الوقائع أن تاريخ العنف السياسي في أمريكا متجذر ويمتد لأكثر من 250 عاماً، شهدت خلالها البلاد أحداثاً عنيفة متأصلة في الممارسة السياسية، بما في ذلك المبارزات بين قادة سياسيين في العقود الأولى للجمهورية، مثل المبارزة الشهيرة بين آرون بور وألكسندر هاملتون، وصولاً إلى الحروب والصراعات الداخلية، وفي مقدمتها الحرب الأهلية الأمريكية بين عامي 1861 و1865.

 

نعم، ليس تفصيلاً أن يلوّح ترامب بإمكانية اندلاع حرب أهلية جديدة، فالعوامل التي قد تؤدي إلى مثل هذا الاحتمال لا تزال حاضرة في نظر كثير من المراقبين. فالعنف السياسي، وفق هذا المنظور، ليس مجرد «حلقات» منفصلة، بل ظاهرة متجذرة في التاريخ الأمريكي منذ بدايات الجمهورية، حين كانت المبارزات بالمسدسات وسيلة شائعة لحسم الخلافات السياسية، قبل أن تتحول لاحقاً إلى جزء من الثقافة السياسية في بعض المراحل.

 

الخلاصة:

 

يؤكد كثير من الأكاديميين الأمريكيين أن العنف السياسي في الولايات المتحدة ليس مجرد حوادث متفرقة، بل ممارسة رافقت تاريخ البلاد على مدى أكثر من 250 عاماً. وقد تجلى هذا العنف بأشكال متعددة، شملت الحروب الأهلية، والمبارزات المسلحة، والعنف العنصري، وعنف الشرطة، واقتحام الكابيتول، وغيرها من الأحداث التي ارتبطت، بدرجات متفاوتة، بأهداف وخلفيات سياسية.

 

ويرى بعض الباحثين أن المقولة المنسوبة إلى الرئيس أبراهام لينكولن ما تزال تحمل دلالة عميقة حتى اليوم:”لن تُدمَّر أمريكا من الخارج أبداً، ولكن إذا فقدنا حرياتنا وانهارت جمهوريتنا، فسيكون ذلك لأننا دمرنا أنفسنا بأيدينا”

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الهوية الجامعة أقوى من أي انعزال تنظيمي

بقلم: المهندس مكرم عبيد     تكمن قوة المسيحيين، تاريخيًا، في تنوعهم العابر للقارات، وفي إسهاماتهم العميقة في الاقتصاد والاجتماع والسياسة والعلوم والآداب والفلسفة، وسائر ...