عبد اللطيف عباس شعبان
ضمن فعاليات الذكرى الرابعة لإحداث المكتبة الأهلية في قرية الجروية بمنطقة صافيتا، قدّم الدكتور سعيد عزيز أسبر، أستاذ الاقتصاد في كلية الاقتصاد بجامعة اللاذقية، محاضرة بعنوان: «الأسرة السورية واقتصادها.. من إدارة الأزمة إلى إدارة التعافي»، تناول فيها واقع الأسرة السورية في ظل التحولات الاقتصادية الراهنة وآليات الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء مقومات التعافي والاستقرار الاقتصادي.
بداية أشار الدكتور أسبر إلى أن المجتمع السوري يقف اليوم على أعتاب مرحلة مفصلية تتطلب رسم معالم «بوصلة التعافي» التي تساعد الأسرة على اتخاذ قرارات مالية أكثر حكمة، بما يضمن مستقبلاً أكثر أمناً واستقراراً. وأضاف أن بوادر الانفتاح الخارجي والتغيرات الهيكلية والمؤسسية التي تشهدها البلاد تطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية تحويل الأزمة المالية من مصدر للقلق إلى فرصة للإنتاج والابتكار.
وأوضح أن إدارة الأسرة لم تعد تقتصر على ضبط النفقات وتأمين الاحتياجات الأساسية بأقل التكاليف، بل أصبحت تتطلب اعتماد التخطيط الاستراتيجي للأسرة، والانتقال نحو الاستثمار الذكي، وتمكين الموارد البشرية داخل المنزل، وتفعيل دور المرأة والشباب في دعم الإنتاج المنزلي.
وأكد أن موازنة الأسرة السورية تحتاج اليوم إلى إعادة هيكلة تتناسب مع المتغيرات الاقتصادية والتشريعات الجديدة، الأمر الذي يتطلب رفع مستوى الوعي المالي، وتطوير مهارات إدارة المخاطر، وترسيخ ثقافة الاستثمار الآمن والمستدام، حتى وإن كان برؤوس أموال محدودة.
وبيّن أن تآكل القوة الشرائية ما يزال يشكل التحدي الأكبر أمام الأسر السورية، نتيجة التضخم المستمر وانخفاض قيمة العملة، الأمر الذي وسّع الفجوة بين الدخل وتكاليف المعيشة الأساسية، وأدى إلى ارتفاع أسعار السلع التموينية والوقود والطاقة، ما دفع كثيراً من الأسر إلى الاعتماد على مصادر دخل إضافية كالحوالات الخارجية أو السحب من المدخرات السابقة إن وجدت.
وأشار إلى أن الغلاء أجبر العديد من الأسر على تخصيص الجزء الأكبر من دخلها للغذاء، ما فرض عليها سياسات تقشفية شملت الاستغناء عن الكماليات وتقليص بعض النفقات الأساسية. ومن هنا تبرز أهمية إعداد ميزانية مرنة تتكيف مع تقلبات الأسعار، والاعتماد على المنتجات المحلية والموسمية، والاستفادة من إنتاج الحدائق المنزلية، إضافة إلى الفصل بين النفقات الأساسية والترفيهية، واعتماد التسوق الواعي القائم على التخطيط المسبق للمشتريات وتجنب الشراء العاطفي.
وتوقف المحاضر عند أهمية الاقتصاد المنزلي المنتج، مؤكداً أن الكثير من المنازل السورية تحولت إلى مشاريع صغيرة تسهم في تعزيز الصمود الاقتصادي وتحقيق قدر من الأمن الغذائي، من خلال تصنيع المأكولات المنزلية والألبان والمربيات والمخللات، إضافة إلى الحرف اليدوية كالحياكة والتطريز، بالاعتماد على رؤوس أموال ومدخرات بسيطة، مع القدرة على التكيف السريع مع احتياجات السوق المحلية.
وأضاف أن هذه المشاريع لا تسهم فقط في تخفيف الأعباء المالية عن الأسر، بل تؤسس أيضاً لشبكة أمان اجتماعي واقتصادي تدعم الاقتصاد الوطني وتسهم في تسريع عملية التعافي.
وفي محور تمكين الموارد البشرية، شدد الدكتور أسبر على ضرورة تعزيز دور المرأة كشريك أساسي في بناء مستقبل الأسرة، لافتاً إلى أن المشاريع النسائية الصغيرة والمتناهية الصغر في الريف والمدينة أصبحت رافداً مهماً للاقتصاد العائلي، وأن الإدارة المالية الناجحة تتطلب مشاركة حقيقية وتخطيطاً مشتركاً بين الزوجين.
كما دعا إلى استثمار الطاقات البشرية داخل الأسرة، من خلال توظيف مهارات أفرادها وأوقاتهم بما يخدم المصلحة المشتركة، وتعزيز ثقافة المسؤولية والعمل والإنتاج لدى الأبناء بما يتناسب مع أعمارهم وقدراتهم، إلى جانب غرس قيم القناعة وحسن التدبير وترشيد الاستهلاك.
وأكد أهمية تنويع مصادر الدخل، وإعادة ترتيب الأولويات بما يضمن تلبية الاحتياجات الأساسية، والبحث عن بدائل غذائية واستهلاكية أقل تكلفة وأكثر جدوى، مع اعتماد التسوق الذكي والاستفادة من العروض الحقيقية للمواد الأساسية، إضافة إلى ترشيد استهلاك الكهرباء والمياه والغاز، والاعتماد قدر الإمكان على الجهود الذاتية للأسرة في إنجاز بعض الخدمات.
وتناول المحاضر مفهوم «الاقتصاد التضامني» داخل الأسرة والمجتمع، معتبراً أن التعاون والتكافل يشكلان خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات المعيشية، إلى جانب الاهتمام بالوقاية الصحية للحد من تكاليف العلاج، وتطوير المهارات المهنية والتقنية بما يزيد من فرص العمل ويحسن القدرة على التكيف مع المتغيرات الاقتصادية.
وفي ختام المحاضرة، شدد الدكتور أسبر على أهمية الادخار للطوارئ ولو بمبالغ بسيطة، والاستفادة من برامج تمويل المشاريع الصغيرة والقروض التنموية التي تقدمها المصارف ومؤسسات التمويل الأصغر، شريطة توظيفها في مشاريع إنتاجية وعدم استهلاكها في النفقات الشخصية. كما دعا إلى المشاركة في الجمعيات الادخارية التعاونية باعتبارها وسيلة تمويل مجتمعية فعالة، مع تجنب الاقتراض لشراء الكماليات أو السلع سريعة الاستهلاك التي تفقد قيمتها مع مرور الوقت





(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
