آخر الأخبار
الرئيسية » الأخبار المحلية » تفويض جديد لمعالجة مخالفات البناء في سوريا.. هل يكفي لتسوية الملفات ومحاسبة المسؤولين؟ننتظر آليات تنفيذ واضحة ومتكاملة

تفويض جديد لمعالجة مخالفات البناء في سوريا.. هل يكفي لتسوية الملفات ومحاسبة المسؤولين؟ننتظر آليات تنفيذ واضحة ومتكاملة

طرطوس: أخبار سوريا الوطن

 

 

في خطوة تهدف إلى تسريع معالجة ملفات مخالفات البناء في سوريا، أصدرت الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، بالتنسيق مع وزارة الإدارة المحلية والبيئة، قراراً بتفويض أجهزة الرقابة الداخلية في الوزارة والمحافظات ومديريات الخدمات الفنية والوحدات الإدارية، بمهام معالجة هذه الملفات وتدقيقها والتحقيق فيها وتحديد المسؤوليات المترتبة عليها، مع منح الوزير والمحافظين صلاحية اعتماد نتائج التحقيقات وإحالتها إلى القضاء المختص وفق الأصول القانونية.

ويأتي القرار، الذي حمل الرقم /14883/ وصدر بموجب كتاب مؤرخ في 12 تشرين الأول 2026، في إطار توجه لتقليص انتقال الملفات بين الجهات المركزية والمحلية، وتسريع البت فيها، وتفعيل دور الوحدات الإدارية في معالجة المخالفات ضمن نطاق اختصاصها. ويشمل التفويض مخالفات البناء بمختلف أنواعها، والمسؤوليات المترتبة عليها، سواء تعلقت بمالكي العقارات أم المتعهدين أم الدارسين والمشرفين، أو أي جهة أو شخص تثبت مسؤوليته عن المخالفة.

ما الذي يتضمنه قرار التفتيش؟

لا يقتصر القرار على نقل مهمة متابعة الملفات إلى الجهات المحلية، بل يضع إطاراً إجرائياً لمعالجتها، يقوم على ثلاثة محاور رئيسية:

المعالجة والتدقيق والتحقيق: تكليف أجهزة الرقابة الداخلية في الوزارة والمحافظات ومديريات الخدمات الفنية والوحدات الإدارية بدراسة ملفات المخالفات والتحقيق في وقائعها وتوصيفها وتحديد المسؤوليات الناجمة عنها.
تحديد المسؤوليات ومحاسبة المتورطين: توسيع نطاق المساءلة ليشمل المالك والمتعهد والدارس والمشرف، وكل من تثبت مسؤوليته عن ارتكاب المخالفة أو المساهمة فيها، بدلاً من حصر المسؤولية بطرف واحد.
اعتماد النتائج والإحالة إلى القضاء: منح وزير الإدارة المحلية والبيئة والمحافظين صلاحية اعتماد نتائج المعالجات والتحقيقات وفق الأصول، وإحالة الملفات إلى القضاء المختص عند الاقتضاء.
غير أن القرار يتضمن استثناءً مهماً؛ إذ يتعين في الحالات التي تنطوي على جرائم جزائية منصوص عليها في قانون العقوبات العام أو قانون العقوبات الاقتصادية إرسال التقارير والوثائق المتعلقة بها إلى الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش، لدراستها واعتمادها أصولاً. وهذا يعني أن التفويض لا يلغي دور الهيئة في هذه الحالات، ولا يحول دون سلوك المسار القانوني الخاص بها.

عنجراني: التفويض لا يعني تسوية المخالفات

وزير الإدارة المحلية والبيئة محمد عنجراني اكد أن الخطوة تأتي في سياق تعزيز اللامركزية الإدارية والخدمية، وتمكين الوحدات الإدارية من أداء مهامها بصلاحيات أوضح، بما يحد من انتقال الملفات بين الجهات المحلية والمركزية، ويخفف أعباء المراجعات وفترات الانتظار على المواطنين.

وشدد الوزير على أن التفويض لا يعني تسوية المخالفات أو الإعفاء من المسؤولية، وإنما يهدف إلى تسريع معالجتها وتحديد المسؤوليات ومساءلة كل من أسهم في ارتكابها.

وتكتسب هذه النقطة أهمية خاصة، لأن معالجة الملف إدارياً لا تعني بالضرورة إزالة المخالفة أو تصحيح الوضع القانوني للعقار، كما أن انتهاء التحقيق لا يعني تلقائياً انتهاء المسؤولية القانونية المترتبة على المخالفين.

هل تكفي الصلاحيات الجديدة لمعالجة ملف مخالفات البناء؟

من حيث المبدأ، يشكل القرار خطوة إيجابية على صعيد تنظيم العمل الرقابي وتقليص التعقيدات الإدارية، ولا سيما في الملفات التي ظلت تتنقل بين الجهات المعنية دون حسم. فإسناد التحقيق إلى الجهات الأقرب إلى موقع المخالفة، ومنح المسؤولين المحليين صلاحية اعتماد النتائج، يمكن أن يختصر الوقت ويحدد الجهة المسؤولة عن متابعة كل ملف.

لكن السؤال الأهم لا يتعلق فقط بمن يحقق في المخالفات أو بمن يعتمد النتائج، بل بما سيترتب على التحقيق من إجراءات فعلية، ومدى قدرة الآلية الجديدة على إنهاء المخالفات ومنع تكرارها ومحاسبة المسؤولين عنها.

وفي هذا السياق، لا يمكن اعتبار التفويض وحده حلاً نهائياً للملف، بل هو إطار إداري ورقابي يحتاج إلى آليات تنفيذ واضحة ومتكاملة، وفي مقدمتها:

أولاً، وضع جدول زمني لحسم الملفات: تحديد مهل واضحة لتدقيق المخالفات والتحقيق فيها واعتماد نتائجها، مع ترتيب الأولويات بحسب خطورة المخالفة وأثرها في السلامة العامة والمخططات التنظيمية.

ثانياً، إعداد قاعدة بيانات موحدة للمخالفات: حصر الملفات القائمة وتصنيفها بحسب نوع المخالفة وموقعها وتاريخها والجهات المسؤولة عنها، وتحديد ما أُنجز منها وما لا يزال قيد التحقيق أو الإحالة القضائية، بما يمنع ضياع الملفات أو تكرار معالجتها.

ثالثاً، التمييز بين أنواع المخالفات: التعامل مع كل حالة وفق طبيعتها وأحكام القوانين النافذة، مع إعطاء الأولوية للمخالفات التي تهدد السلامة الإنشائية أو تعتدي على الأملاك العامة أو تخالف المخططات التنظيمية، وعدم الخلط بين المخالفات القابلة للمعالجة القانونية وتلك التي تستوجب إجراءات أشد.

رابعاً، ضمان استقلالية التحقيق وشفافيته: وضع ضوابط تمنع تضارب المصالح، خصوصاً عندما تكون المخالفة مرتبطة بمسؤولين محليين أو بجهات لها صلة مباشرة بإجراءات الترخيص والرقابة، مع توثيق الأدلة الفنية والإدارية وإتاحة مراجعة النتائج وفق الأصول.

خامساً، ربط التحقيق بالإجراء التنفيذي: يجب ألا تنتهي المعالجة عند إعداد التقرير أو اعتماد النتيجة، بل ينبغي أن تتبعها الإجراءات القانونية اللازمة، سواء تعلق الأمر بالإحالة إلى القضاء، أو إزالة المخالفة حيث يوجب القانون ذلك، أو تصحيح الوضع وفق الأحكام النافذة، أو استرداد الحقوق العامة، بحسب طبيعة كل حالة.

سادساً، تعزيز الرقابة على أداء الجهات المفوضة: من خلال تقارير دورية تبين عدد الملفات المحسومة، والملفات المحالة إلى القضاء، والمسؤوليات التي جرى تحديدها، والإجراءات التنفيذية المتخذة، مع مساءلة الجهات التي تتأخر في إنجاز المهام أو تتقاعس عن تنفيذ القرارات.

المرسوم التشريعي رقم 40 لعام 2012 والجداول الفنية

يكتسب القرار أهمية إضافية في ضوء ما أعلنته وزارة الإدارة المحلية والبيئة عن إنجاز اللجنة المكلفة بمراجعة المرسوم التشريعي رقم 40 لعام 2012 المتعلق بمعالجة مخالفات البناء، الجداول الفنية الخاصة بتصنيف المخالفات ومعايير التعامل معها، في تموز الماضي.

وبحسب ما أوردته وكالة سانا، جرى اعتماد هذه الجداول بهدف تعزيز السلامة الإنشائية، وصون المخططات التنظيمية، والحد من التوسع العمراني العشوائي، وتطوير أدوات الرقابة العمرانية في الوحدات الإدارية.

ومن شأن الجمع بين التفويض الإداري والمعايير الفنية الموحدة أن يتيح معالجة أكثر اتساقاً للملفات، شرط أن تكون هذه المعايير واضحة وقابلة للتطبيق، وأن تلتزم الجهات المحلية بها عند توصيف المخالفة وتحديد الإجراء القانوني المناسب.

لكن يبقى من الضروري التحقق من مدى تكامل هذه الجداول مع الإجراءات التنفيذية والضمانات القانونية، وكيفية تطبيقها على المخالفات القديمة والمتراكمة، وما إذا كانت تعالج اختلاف الحالات من حيث تاريخ المخالفة وطبيعتها وآثارها وحقوق الأطراف المتضررة.

الخلاصة: خطوة ضرورية وليست حلاً نهائياً

يمنح قرار الهيئة المركزية للرقابة والتفتيش الجهات المحلية صلاحيات أوسع للتحقيق في مخالفات البناء وتحديد المسؤوليات واعتماد النتائج وإحالة الملفات إلى القضاء، وهو ما يمكن أن يسهم في تسريع الإجراءات وتخفيف الأعباء الإدارية.

إلا أن كفاية القرار لا يمكن الحكم عليها من نصه وحده، ولا من الصلاحيات التي منحها، بل من النتائج التي سيحققها على الأرض. فنجاحه يتطلب حصر الملفات، وتحديد مهل زمنية لمعالجتها، وتوحيد المعايير الفنية، وضمان نزاهة التحقيق، وتنفيذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين، ومتابعة مدى الالتزام بالنتائج المعتمدة.

وبناءً عليه، يمكن اعتبار القرار خطوة مهمة في تنظيم معالجة الملف، لكنه لا يكفي بمفرده لضمان إغلاقه بصورة شاملة. فالمعالجة الحقيقية لا تتحقق بمجرد تسريع التحقيقات أو نقل الصلاحيات، وإنما بإنهاء المخالفات وفق القانون، ومحاسبة كل من تثبت مسؤوليته، وحماية السلامة العامة والحقوق، ومنع تكرار المخالفات مستقبلاً.

ويبقى الاختبار الفعلي أمام الجهات المعنية هو تحويل التفويض من إجراء إداري إلى نتائج قابلة للقياس، تظهر في عدد الملفات المحسومة، والإجراءات المنفذة، والمسؤوليات التي جرى تحديدها، ومدى استعادة الانضباط إلى قطاع البناء والتنظيم العمراني.

 

 

 

 

 

(اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مرسوم بتعيين باسل عبد العزيز عبد الحنان وزيراً ‏للصناعة ‏والتجارة الداخلية وحماية المستهلك

‏   أصدر الرئيس أحمد الشرع المرسوم رقم 189 لعام ‌‏2026 ‏القاضي بتعيين المهندس ‏باسل عبد العزيز عبد ‏الحنان وزيراً ‏للصناعة والتجارة الداخلية وحماية المستهلك.‏ ...