آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » حارس الذاكرة والزنزلخت: حامد الشماميس حكاية شعبية عابرة للأجيال ..هجر عقله وسكن رصيف الحرية

حارس الذاكرة والزنزلخت: حامد الشماميس حكاية شعبية عابرة للأجيال ..هجر عقله وسكن رصيف الحرية

بقلم: علي نفنوف

 

 

تُعلّمنا اللغة أن لغياب العقل أسماءً شتى فقد يتيه المرء بين أن يكون “مجنوناً” أو “معتوهاً” أو “مخبولاً” أو “موسوساً”، وقد تأخذه الحياة ليكون “مأبوناً” أو “مولهاً” أو “مدفوعاً” أو “مبهوتاً”، أو حتى “مخَبَّطاً”، “أخرق”، “أبله”، كما أسمته العامة “مجنزناً” أو “مهبولاً”. لكن. هل فكرت يوماً ان هذا الذي تتحدث عنه قد يكون فيلسوفا او فناناً الم نسمع ان للفنون جنون.. إذاً لا أجد في هذه الألقاب ما يفي بحقيقة رجلٍ استقر في وجداني وذاكرة مدينتي؛ رجلٌ غاب عن عقولنا وحضر في قلوبنا. دعوني أروِ لكم اليوم حكاية ذلك الاستثناء الذي لم تكسره الأوصاف، حكاية الراحل الباقي
حامد الشماميس:

***
لا يذكر أبناء جيل الستينيات والسبعينيات البحر أو شجر الزنزلخت دون أن يلوح في أفق الذاكرة طيف رجل فارع الطول، ذي بنية خارقة وهيبة ملحوظة، يلتحف معطفاً رصاصياً صيفاً وشتاءً، ويضع عقالين فوق كوفيته، متوكئاً على عصاه الغليظة. إنه حامد الشماميس؛ الرجل الذي هجر عقله وسكن رصيف الحرية

**حين يكسر الوله قلوب الرجال

تضرب جذور حامد (المولود أواخر القرن التاسع عشر حوالي عام 1896) في قرية الشماميس بريف صافيتا. هناك، بدأت الملحمة الإنسانية التي غيرت مجرى حياته؛ حيث وقع في حب فتاة من قريته تدعى “ماريا”. ولأنه كان فقيراً معدماً، استغل أهل الفتاة قوته الجسدية الخارقة في أعمال الفلاحة الشاقة لسنوات تحت وعد تزويجها له. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي سفن العشاق؛ إذ أُخلف الوعد وزُفت ماريا لآخر مقتدر.
في ليلة الزفاف، انكسر داخل حامد شيء لا يمكن ترميمه؛ فثار كالمجنون يحاول هدم البيوت للوصول إلى محبوبته، مما دفع الأهالي لتهريبها وإشعال النيران حول المنزل لإخافته. هجر حامد قريته والناس والماضي، وسار هائماً على وجهه نحو الغرب، حيث تنتهي اليابسة ويبدأ هدير البحر، مستقراً في أزقة طرطوس القديمة وخرائبها حتى وفاته في مطلع ثمانينيات القرن الماضي
ورغم أن الذاكرة الجمعية تنحاز لقصة الحب العذري، فإن رواية بديلة يتناقلها العارفون تمنح “جنونه” بعداً اجتماعياً؛ إذ يُقال إنه تعرض لظلم مفرط وتعذيب على يد أحد إقطاعيي المنطقة، فاختار “الجنون” كشكل من أشكال التمرد العاري والرفض لقوانين مجتمع مجحف، مفضلاً رصيف الشارع الحر على ذل الانصياع.

** فلسفة الموج ونظام الزنزلخت

في شوارع طرطوس، لم يكن حامد مشرداً عابراً، بل غدا جزءاً من الهوية البصرية للمدينة، وارتبط اسمه بـ شجر الزنزلخت ارتباطاً روحياً غريباً ومقدساً. في مواسم الحنين أو حين يُذكر اسم “ماريا” أمامه، كان يتسلق تلك الأشجار بقوة مرعبة ويحطم بعض أغصانها صامتاً، معتقداً في عوالم لاهوته الخاص أن محبوبته تختبئ بين الأوراق.
وما إن تهدأ العاصفة، حتى يتحول الجبار إلى طفل وادع؛ يجلس مطأطأ الرأس تحت الشجرة، يلتقط حبات الزنزلخت الصغيرة المتساقطة برقة بالغة ويمسح عليها كأنها دموع محبوبته. ولم يكن يجمعها عبثاً، بل كان يرتبها في صفوف هندسية دقيقة على الأرصفة كأنه يكتب رسائل سرية أو يعد أيام عمره الضائعة. ويل وويل لمن يتجرأ من العابثين أو الأطفال على بعثرة نظامه الروحي الصغير، فحينها يثور ثورة عارمة دفاعاً عن ممتلكاته العاطفية.
تزخر الذاكرة الطرطوسية بنوادر تعكس ذكاءً فطرياً حاداً كان يتمتع به حامد؛ ففي إحدى المرات، وقف يتأمل البحر ملياً، فاقترب منه شبان متهكمون وسألوه: “يا حامد.. كم موجة جاية وكم موجة رايحة؟”. نظر إليهم بوقار ولم يبتسم، .. تمتم بعمق: “الموج اللي جاي أكتر من اللي رايح”، لتتحول عبارته العفوية إلى مثل شعبي يتداوله الساحل السوري حتى اليوم رمزاً للتجدد والتفاؤل بالآتي.
وفي نادرة أخرى تعكس براءته وزهده، كان يستريح في البراري عند مزارع أحبه، وكان حامد يرتدي عقالين فوق رأسه بشكل مستمر. وإذ أضاع المزارع عقاله أثناء العمل، طلب من حامد أن يبيعه أو يعطيه واحداً منهما لستر رأسه، فرفض حامد بعفوية مطلقة قائلاً: “روح روح.. بس يصير عندي تنين تانين بشتريلك”، معتبراً هيئته الثنائية خطاً أحمر لا يقبل التجزئة.
حتى الحروب والسياسة لم تسلم من حضوره؛ إذ يُروى أن بنيته الضخمة واعتزاله وجولاته المستمرة في كل زاوية وخرابة من المدينة دون حاجة لأحد، جعلت بعض كبار السن يروجون في عقود مضت لإشاعة طريفة تفيد بأن حامد ليس مجنوناً على الإطلاق، بل هو “جاسوس مزروع” يدعي الخبل لجمع معلومات دقيقة! لكن براءته المطلقة ونظامه مع الزنزلخت كانا دائماً يدحضان هذه الظنون.

** حامد في مرآة الأدب والفن

ارتقت شخصية الشماميس من الهامش الاجتماعي لتصبح ملهماً ثقافياً، وشُبهت في بعض الدراسات الأدبية بشخصية “أحدب نوتردام” لـ فيكتور هوغو، من حيث القوة البدنية المفرطة والمشاعر الإنسانية النقية والوفاء الاستثنائي.
في الأدب، خلّد الأديب السوري علي ديبة صراعه النفسي وعوالمه الداخلية في قصة شهيرة بعنوان “نبوءة حامد الشماميس”. وفي الشعر، رثاه الشاعر حامد منصور بقصيدة مطولة ومؤثرة بعنوان “تحية للشماميس”، صور فيها رحيل هذا الرجل كخسارة لجزء من روح طرطوس العتيقة. أما الفن التشكيلي، فقد التقط ملامحه الحزينة والعميقة الرسام علي هولا في لوحة تجسد هيئته الشعبية وعينيه اللتين تختزلان عتاباً خفياً للمجتمع ورسمه مرات عدة الفنان عدنان أيوب حتى أصبحت لوحته في صافيتا مادة اساسية للتوثيق ونقلها عنه فنانون كثر. ولم تتوقف الأصداء هنا؛ إذ كان الفنان الكوميدي الراحل عصام سليمان (بهلول) يعكف قبل وفاته على إعداد مسلسل تلفزيوني درامي ضخم يروي سيرة حامد، حاملاً حلم تجسيد هذه الشخصية ليعيد إليها اعتبارها الإنساني والدرامي، إلا أن الموت حال دون إتمام المشروع.
رحل حامد الشماميس بجسده، لكنه بقي حكاية شعبية عابرة للأجيال يرويها الآباء للأبناء كلما مروا بجانب شجرة زنزلخت في الساحل السوري، لتذكرهم بأن العقل قد يغادر إنساناً، لكن الوفاء الحقيقي
لا يرحل

 

 

 

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

إطلاق دليل موسم الرياض السابع 2027 متضمناً ‌‏فعاليات رياضية وفنية وثقافية

    أطلق رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للترفيه في المملكة ‌‏العربية السعودية تركي بن عبد المحسن آل الشيخ، دليل ‌‏النسخة السابعة من موسم الرياض ...