آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » حين كتب “مندلشتام” عن الترجمة قبل قرن… كأنه يكتب عنا اليوم

حين كتب “مندلشتام” عن الترجمة قبل قرن… كأنه يكتب عنا اليوم

كتب: د. إبراهيم استنبولي

 

 

في الثلاثين من أيلول من كل عام، يحتفل العالم باليوم العالمي للترجمة. وهي مناسبة لا تستحق، في رأيي، أن تمرّ كاحتفال بروتوكولي آخر، أو أن تختصر في عبارات المديح للمترجمين الذين يصلون بين اللغات والثقافات، ثم نعود بعدها إلى تجاهلهم.

فالترجمة ليست مجرد نقل كلمات من لغة إلى أخرى، وليست عملًا تقنيًا محايدًا كما قد يتوهم البعض. إنها، في جوهرها، فعل ثقافي بامتياز، ونافذة نطل منها على العالم، وفي الوقت نفسه مرآة تكشف مستوى حياتنا الثقافية ومؤسساتنا المعرفية.

ولعل أجمل ما يمكن أن نحتفي به في هذا اليوم هو أن نقرأ.

لذلك اخترت أن أشارك القارئ العربي مقتطفًا من كتاب “ضجيج الزمن” للشاعر الروسي الكبير أوسيب مندلشتام، الشاعر الذي ظُلم في حياته وبعد مماته، وحوصر إبداعه طويلًا، ولم يكن من السهل أن تجد أشعاره طريقها إلى النشر والتداول في الحقبة السوفيتية.

ومندلشتام، لمن لا يعرفه، واحد من كبار شعراء روسيا في القرن العشرين. غير أن حضوره في الثقافة العربية ما يزال محدودًا، بل إن كثيرًا من القراء العرب قد لا يكونون قد صادفوا اسمه أصلًا.

أما كتاب “ضجيج الزمن” فهو عمل نثري استثنائي، وقد صدر بالعربية عن دار أمل الجديدة في دمشق قبل نحو عام ونيف، في ترجمة عربية هي الأولى لهذا الكتاب، بحسب ما هو متداول عن الإصدار.

لكن ما استوقفني في الكتاب ليس فقط قيمة مندلشتام الأدبية، ولا غرابة الظروف التي أحاطت بحياته وإبداعه، بل فقرة كتبها قبل نحو قرن، يتحدث فيها عن واقع الترجمة والنشر والمترجمين.

اقرأوا هذه الكلمات:

“إنَّ نوعية الترجمة وجودتها في بلد محدَّد هي مؤشر مباشر على المستوى الثقافي فيه. فهي مؤشر مهم مثلها مثل استخدام الصابون أو نسبة محو الأمية. وجودة الترجمة عندنا تبعث على اليأس بالمعنى الحرفي والدقيق للكلمة.»
ثم يواصل مندلشتام حديثه عن دور النشر، وعن تدني أجور المترجمين، وعن تجاهل حقوقهم، وعن الخبراء والمختصين الذين وجدوا أنفسهم في وضع بالغ الصعوبة، رغم أنهم يعملون في ما يسميه «الجبهة الثقافية”.
وهنا، يصعب على القارئ العربي المعاصر ألا يتوقف قليلًا.

فهل كتب مندلشتام هذه الكلمات قبل مئة عام تقريبًا عن واقع ثقافي يشبه، إلى حد مقلق، بعض ما نراه اليوم في عالمنا العربي؟

هل تغيّر الزمن فعلًا؟

لقد تغيرت التكنولوجيا، وتبدلت وسائل النشر، واختفت المطابع القديمة وحلّت محلها المنصات الإلكترونية، وأصبح الكتاب متاحًا بضغطة زر. لكن السؤال الأهم يبقى: هل تغيّر تقديرنا للترجمة والمترجم؟

في كثير من الأحيان، يبدو أن الإجابة ليست مطمئنة.

نحن نريد أن نقرأ دوستويفسكي وتولستوي وبوشكين، وماركيز وموراكامي وأورويل وبروست، ونريد أن نقرأ الفلسفة والعلوم الإنسانية والأدب العالمي كله بلغتنا العربية. لكننا ننسى أن وراء كل كتاب مترجم إنسانًا بذل وقتًا وجهدًا وخبرة، وأن الترجمة الأدبية الرفيعة ليست قاموسًا إلكترونيًا ولا عملية استبدال كلمات بكلمات.

المترجم الجيد لا ينقل اللغة فقط؛ إنه ينقل روح النص وسياقه وإيقاعه وظلاله الثقافية.

ولهذا فإن قضية الترجمة ليست قضية المترجم وحده. إنها قضية القارئ والناشر والمؤسسة الثقافية والجامعة والدولة، وقبل ذلك كله قضية المجتمع الذي يريد أن يكون جزءًا من العالم معرفيًا وثقافيًا، لا مجرد مستهلك لما ينتجه الآخرون.

والأخطر من ضعف الترجمة هو أن نعتاد عليه.

حين يصبح الكتاب الرديء الترجمة مقبولًا، وحين لا يجد المترجم المتقن ما يكفيه من التقدير أو المقابل المادي، وحين تتعامل بعض المؤسسات مع الترجمة باعتبارها تكلفة ينبغي تخفيضها بدل أن تكون استثمارًا ثقافيًا، فإن الخسارة لا تقع على المترجم وحده؛ بل تقع على القارئ وعلى اللغة وعلى الثقافة بأكملها.

ولذلك تبدو عبارة مندلشتام، بعد كل هذه السنوات، أكثر من مجرد شهادة على عصر مضى.

إنها سؤال مفتوح أمامنا:

ما الذي فعلناه بالترجمة منذ أن كتب مندلشتام هذه الكلمات؟

وما الذي فعلناه بالمترجم؟

ربما يكون من المفارقات أن نحتفل بـ”اليوم العالمي للترجمة” فيما لا يزال كثير من المترجمين يخوضون معركة قديمة جدًا: كيف يحافظون على جودة عملهم في بيئة لا تمنح هذه الجودة دائمًا ما تستحقه من تقدير؟

ولعل مندلشتام، الذي عاش هو نفسه مأساة القمع والتعتيم على الإبداع، كان يدرك أن الثقافة لا تموت فقط عندما تُمنع الكتب من الصدور، بل يمكن أن تضعف أيضًا عندما تفقد المؤسسات احترامها لمن يصنعون المعرفة وينقلونها.

لهذا أجد في إعادة قراءة “ضجيج الزمن” اليوم مناسبة تتجاوز الاحتفال بالترجمة.

إنها مناسبة لنسأل أنفسنا عن علاقتنا بالكتاب، وعن علاقتنا باللغات الأخرى، وعن علاقتنا بلغتنا العربية نفسها.

فاللغة التي تستقبل آداب العالم بترجمات رصينة، وتمنح المترجم مكانته، وتعتني بالكتاب، هي لغة حية وقادرة على الحوار مع العصر.

أما إذا أردنا أن نعرف شيئًا عن حال ثقافتنا، فقد لا نحتاج إلى مؤشرات وإحصاءات كثيرة.

يكفي أحيانًا أن نفتح كتابًا مترجمًا.

والأغرب أن كاتبًا روسيًا رحل قبل عقود طويلة قدّم لنا، من بين سطور كتابه، مرآة لا تزال تبدو قريبة منا إلى درجة مقلقة.

كأن مندلشتام لم يكن يتحدث عن بلاده قبل قرن، بل كان يكتب رسالة إلى بعض بلداننا اليوم

 

 

 

 

 

 

(اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

المفكرة الثقافية في سوريا ليوم الثلاثاء الـ 29 من أيلول 2026

  المفكرة 2 1 المفكرة الثقافية في سوريا ليوم الثلاثاء الـ 29 من أيلول 2026 دمشق: 1 – دورة في “حكايات أساسيات الإعراب والنحو التطبيقي ...