بقلم:القاضي المتقاعد حسين حمادة
مدير المركز السوري للدراسات القانونية
أكثر ما يحزن في الثورات ليس أن يسقط بعض الناس من الطريق، فهذا أمر يحدث في كل ثورة، وإنما أن يتغير الطريق نفسه داخل نفوس بعض الذين ساروا فيه.
في البداية، كان الكلام كبيراً ونبيلاً:
حرية… كرامة… عدالة… دولة قانون… وطن يتساوى فيه الجميع.
كان الثائر يخرج وهو يعرف ما يريد، حتى لو لم يكن يعرف كيف سيصل إليه.
لم يكن يبحث عن كرسي، ولا عن منصب، ولا عن حماية خاصة، ولا عن نفوذ يؤمّن له مستقبله.
كان يريد وطناً يحمي كرامته، لا سلطة تحميه من الوطن.
ثم سقط النظام، وبدأ امتحان من نوع آخر.
شيئاً فشيئاً، تحول السؤال عند بعض الثوار من:
كيف نبني الدولة التي حلمنا بها؟
إلى:
أين موقعي في الدولة الجديدة؟
ومن:
كيف نحمي الثورة وأهدافها؟
إلى:
كيف أحمي نفسي ومصالحي وموقعي؟
وهنا تبدأ المأساة.
فالثائر الذي خرج بالأمس مطالباً بدولة لا يخاف فيها المواطن من السلطة، قد يجد نفسه اليوم يبحث عن موقع داخل السلطة كي لا يخاف على نفسه.
والذي كان يرفض أن يكون القرب من الحاكم طريقاً إلى الحقوق، قد يجد أن قربه من الحاكم هو الضمانة الوحيدة لمستقبله.
لكن هناك خطراً آخر لا يقل خطورة عن ذلك كله: “النفاق الاجتماعي ”
فحين تبدأ مرحلة توزيع المواقع والمصالح، يظهر حول السلطة جيش آخر لا يحمل سلاحاً، وإنما يحمل المديح.
يصفق للقرار قبل أن يعرف مضمونه، ويمدح المسؤول قبل أن يعرف عمله، ويبرر الخطأ قبل أن يفكر في عواقبه، ويحوّل النقد إلى خيانة، والاعتراض إلى عداء، والصمت إلى حكمة.
وهكذا لا تعود السلطة تسمع الحقيقة، بل تسمع صدى نفسها
والأخطر أن النفاق لا يفسد المسؤول وحده؛ بل يفسد المجتمع من حوله.
فالمسؤول الذي يحيط به الصادقون يمكن أن يصحح أخطاءه، أما المسؤول الذي يحيط به المنافقون فقد يصدق يوماً أنه لا يخطئ.
وعندما يصبح قول الحقيقة مخاطرة، ومدح السلطة استثماراً، يبدأ المجتمع نفسه بفقدان مناعته الأخلاقية.
لا أقول هذا شماتة بأحد ، بل أقوله بحزن ، لأنني أعرف أن سنوات الثورة والاقتلاع والخوف صنعت لدى كثيرين هواجس حقيقية: الخوف على النفس، والخوف على الأسرة، والخوف من المستقبل، والخوف من أن تضيع سنوات التضحيات بلا ثمن.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الأمان الشخصي بديلاً عن الأمان الوطني، ويصبح المنصب وسيلة لاستعادة الكرامة التي كان يفترض أن تستعيدها الدولة لجميع مواطنيها.
وأشد ما يؤلم أن بعض من حملوا ذات يوم شعار:
” الشعب يريد الحرية والكرامة”
قد يجدون أنفسهم اليوم منشغلين أكثر بسؤال:
” كيف أضمن قوت عيالي وموقعي وكرامتي؟”
وهذا سؤال إنساني لا ألوم أحداً عليه.
لكن السؤال الأكبر يبقى:
ماذا عن كرامة ملايين الناس؟
فالثورة التي كانت حلماً عاماً لا ينبغي أن تنتهي إلى مصالح فردية، ولا إلى مجتمع من المصفقين والمبررين.
وإذا كان الثائر قد ضحّى بالأمس من أجل وطن يحفظ كرامته، فلا ينبغي أن يصبح اليوم محتاجاً إلى منصب كي يحافظ على كرامته، ولا إلى النفاق كي يحافظ على موقعه.
فالسلطة التي لا تسمع إلا المديح، قد لا تحتاج إلى أعداء؛ يكفيها أن يحيط بها المنافقون.
والثائر الحقيقي لا يُختبر فقط عندما يواجه السلطة… بل عندما يصبح قريباً منها.
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

