قراءة: علي نفنوف
تدور أحداث رواية “نحن والحمير في المنعطف الخطير” للكاتب اليمني محمد مصطفى العمراني في قرية جبلية نائية، حيث يضطر الأهالي والأطفال يومياً لسلوك طريق وعر وشديد الخطورة يطل على هاوية سحيقة، بهدف جلب مياه الشرب من عين ماء في أسفل الجبل. على مدار عقود، يتكرر المشهد المأساوي ذاته: سقوط أطفال وحمير وموتهم في ذلك “المنعطف الخطير”. وعندما يجتمع وجهاء القرية لمناقشة الكارثة، يطرح الكاتب —الذي نجا من سقوط مميت في طفولته هناك— سؤالاً بديهياً: “لماذا لا تسلكون طريقاً آخر أكثر أماناً؟”، فيأتيه الرد الصادم من الوجهاء: “نحن نمشي وراء الحمير، وهي من تسلك بنا ذلك الطريق!”.
من هذا المشهد البسيط، ينطلق المؤلف ليعبر من السطح الحكائي إلى مختبر سيكولوجي عميق، يستنطق فيه أغوار النفس البشرية وهي تواجه الخوف، والروتين، والعدم.
يمثل أهالي القرية في أعماقهم النفسية نمطاً إنسانياً يعاني مما يسمى في الفلسفة الوجودية بـ “قلق الحرية”. إن اختيار طريق جديد، حتى لو كان آمناً، يتطلب تفكيراً، ومجازفة، وتحمل مسؤولية القرار؛ لذلك تلجأ نفوسهم لا شعورياً إلى آلية دفاعية تُعرف في علم النفس بـ “الامتثال الطوعي للواقع”.
• لقد تبلدت المشاعر لدى الأبطال تجاه الكارثة؛ فالطفل الذي يسقط أو الحمار الذي يهوي لم يعد صدمة تثير التمرد، بل تحول في وعيهم الباطن إلى “ضريبة حتمية” للبقاء. النفس هنا تحمي نفسها من الجنون عبر إنكار وجود حل، وتفضيل الرعب المألوف على المجهول المخيف.
عندما يُسأل الوجهاء عن سبب اتباعهم للحمير، تظهر عوالمهم النفسية المشروخة. إنهم يعيشون صراعاً باطنياً حاداً بين قناع السلطة والحقيقة
• الاعتراف بأنهم يتبعون خطوات الحمار لم يكن مجرد غباء، بل كان لحظة “مكاشفة نفسية” صادمة تنصلوا فيها من عبء القيادة. لقد أسقطوا عجزهم الذاتي على الحيوان ليحموا كبرياءهم من الاعتراف بالتقصير. النفس هنا تختار بذكاء أن تبدو “مغلوبة على أمرها تابعة للغريزة” بدلاً من أن تبدو “مقصّرة ومتواطئة ضد نفسها”.
الراوي (الطفل الناجي):
تمثل شخصية الراوي —الذي سقط طفلاً في المنعطف ونجا جسدياً— بؤرة الوعي الحاد والمغترب داخل القصة.
• يعيش الراوي بعقدة نفسية تدفعه طوال حياته للبحث عن تفسير منطقي للمأساة وسفك الدماء المجاني. إنه الشخص الوحيد الذي لم يتلوث “بالعمى النفسي الجماعي”.
• عندما يطرح سؤاله البديهي حول تغيير الطريق، يصطدم بجدار نفسي سميك بناه المجتمع حول ذاته. في تلك اللحظة، يتحول وعي الراوي من مجرد طفل نجا من الموت الجسدي، إلى إنسان يعاني من اغتراب وجودي قاتل؛ لأنه يرى الهاوية بوضوح بينما يغمض الآخرون أعينهم ويمضون نحوها بسلام زائف.
في هذا العمل، لا يمكن فصل الحمار عن سايكولوجيا الأبطال البشر؛ إنه ليس كائناً خارجياً، بل هو تجسيد مادي للجانب الغريزي والرغبة في الثبات داخل نفس كل بطل من أهالي القرية. لقد تماهت الشخصيات مع هذا الكائن حتى صار يسير في أزقة أرواحهم، يرسم لهم حدود حركتهم، ويمنحهم العذر النفسي الكامل للبقاء في “منطقة الراحة الوعرة”، دون الحاجة للاستيقاظ وتغيير المصير.
إن فلسفة القصة النفسية تكمن في إظهار كيف يمكن للإنسان أن يصنع سجنه الخاص داخل عقله أولاً، ثم يسير فيه بملء إرادته. الأبطال في المنعطف الخطير لا يسيرون وراء الحمير لأنهم مجبرون، بل لأن التخلي عن الوعي هو الوسيلة النفسية الوحيدة المتاحة لهم لتحمل مشقة الحياة على حافة الوادي السحيق.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

