سيرين المصطفى
تُعدّ فترة الامتحانات محطة أساسية في العام الدراسي للطلاب، إذ تهدف إلى تقييم مستوى التحصيل الدراسي لديهم وقياس مدى استيعابهم للمواد التعليمية. وتتطلب هذه المرحلة قدراً من التركيز والانضباط، إلى جانب التحضير الجيد وتنظيم الوقت، بما يساعد الطالب على التعامل مع الاختبارات بشكل متوازن. كما يُعدّ الحفاظ على الاستقرار النفسي والاهتمام بالصحة العامة من العوامل التي تؤثر في القدرة على التركيز أثناء أداء الاختبارات وتنفيذ المهام المطلوبة.
إلا أن بعض الطلاب قد ينخرطون في سلوكيات غير سليمة خلال هذه الفترة، تنعكس سلباً على حالتهم النفسية، وتؤثر في تحصيلهم الدراسي، وتمتد آثارها إلى صحتهم الجسدية، كما تضعف قدرتهم على تنظيم عملية التحضير للامتحانات والتعامل مع متطلباتها.
سلوكيات طلابية تؤثر على أداء الامتحانات
قال محمد عساف، مدرس اللغة الإنجليزية في ثانوية معصران للبنين، إن المعايشة اليومية مع الطلاب تكشف عن مجموعة من السلوكيات التي قد تؤثر سلباً على نتائجهم الدراسية، مشيراً إلى أن أبرزها الإهمال الصحي المتمثل في السهر المفرط والاعتماد على المنبهات، ما ينعكس على شكل تشتت ذهني داخل القاعة الامتحانية.
وأضاف في تصريح لصحيفة الثورة السورية أن من بين الممارسات أيضاً المراجعة الجماعية المتوترة قبيل دخول الامتحان بدقائق، وهو ما يؤدي إلى خلط المعلومات وارتفاع مستوى القلق، لافتاً إلى أن بعض الطلاب يلجؤون إلى المراجعة المفرطة بعد انتهاء الامتحان، الأمر الذي يستنزف طاقاتهم النفسية ويؤثر على استعدادهم للمادة التالية.
وبيّن عساف أن هذه السلوكيات تمثل عوائق حقيقية أمام الأداء الجيد، موضحاً أن التوتر المفرط قد يؤدي إلى ما يُعرف بـ”انغلاق الذاكرة”، حيث يعجز الطالب عن استحضار معلومات يعرفها مسبقاً. وأكد أن الضغط النفسي المستمر يضعف القدرة على التركيز والصحة العامة، ما يحوّل الامتحان من فرصة لإثبات المستوى الدراسي إلى عبء إضافي يرهق الطالب وعائلته.
من جانبه، قال إسماعيل إسماعيل، الموجه المدرسي في ثانوية تلمنس للبنين في إدلب، في حديث لصحيفة الثورة السورية، إنه لاحظ من خلال عمله في المجال التربوي وجود عدد من السلوكيات الخاطئة لدى الطلاب خلال الفترة الامتحانية، مشيراً إلى أن أبرزها ضعف التركيز أثناء قراءة الأسئلة.
وأضاف أن الاستفسار من بعض الطلاب حول أسباب ذلك أظهر أن السهر المفرط ليلاً، واعتماد معظمهم على الدراسة في ساعات الليل فقط، ينعكس سلباً على مستوى التركيز داخل القاعة الامتحانية. وأوضح أن بعض الطلاب يلجؤون أيضاً إلى الإجابة السريعة دون التروي أو التفكير الكافي في مضمون السؤال، وهو ما يؤثر سلباً على مستوى الدرجات والتقييم النهائي.
واستذكر موقفاً لطالب داخل القاعة الامتحانية، مبيناً أنه كان يشعر بخوف شديد من انتهاء الوقت رغم أنه في بداية الامتحان، ما استدعى تدخل المراقبين لتهدئته وإبلاغه بأن الوقت كافٍ للإجابة عن الأسئلة ومراجعتها أكثر من مرة.
وروت نوال الحسن، 45 عاماً، لصحيفة الثورة السورية، تجربتها مع ابنها خلال فترة تقديمه لامتحانات الشهادة الثانوية الفرع العلمي، مشيرةً إلى أنه كان يراجع ورقة الامتحان بعد الخروج من القاعة بشكل مبالغ فيه، مع تدقيق شديد في أدق تفاصيل إجاباته. وأضافت أنه في إحدى المرات اكتشف وجود أخطاء في بعض إجاباته، ما انعكس سلباً على حالته النفسية وتسبب له بتوتر شديد أثّر لاحقاً على أدائه في مادة أخرى.
وأوضحت أن حالته النفسية تدهورت بشكل كبير، ما دفعه في نهاية المطاف إلى الانسحاب من امتحانات البكالوريا وعدم إكمالها، نتيجة اعتقاده بأن العلامات التي فقدها قد لا تؤهله للقبول في التخصص الذي يرغب به، وهو الطب، لافتةً إلى أنها تحاول حالياً توجيه أبنائها الآخرين وتقديم النصح لهم لتجنب هذا السلوك.
وأشار الطالب خالد الحسين، طالب الصف الحادي عشر العلمي، في حديث لصحيفة الثورة السورية، إلى أن بعض الطلاب يلجؤون بعد الخروج من الامتحان إلى مراجعة ورقة الإجابة مع أصدقائهم بهدف الاطمئنان إلى طريقة الحل والتأكد من عدم وجود أخطاء، إضافة إلى محاولة الاستفادة من النقاش في مراجعة ما تم تقديمه داخل القاعة.
وتابع أن بعض الطلاب يضطرون إلى السهر لفترات طويلة من أجل إنهاء دراسة جميع الدروس المطلوبة، لافتاً إلى أنهم قد يشعرون أحياناً بنسيان بعض المعلومات أثناء الامتحان، ما يزيد من مستوى التوتر لديهم. وأكد أن هذه المرحلة تتسم بقدر كبير من القلق والخوف، خاصة لدى الطلاب الساعين للحصول على علامات مرتفعة أو الذين يواجهون ضغطاً من الأسرة، إلى جانب صعوبة بعض المناهج التي تتطلب تركيزاً ومتابعة دقيقة.
ونوّه محمد عساف إلى حرصهم على تهيئة الطلاب نفسياً قبل فترة الامتحانات من خلال جلسات توعوية وتوضيح طبيعة الأسئلة بهدف تخفيف رهبة الامتحان. وأوضح أنه يتم أثناء الامتحان التعامل مع الطلاب بهدوء وتقديم الدعم المعنوي للمتوترين، مع توجيههم لالتقاط أنفاسهم والبدء بالأسئلة السهلة لتعزيز ثقتهم بأنفسهم.
وأردف أن التوازن النفسي يعد عنصراً أساسياً لنجاح الطالب، مشدداً على أهمية تنظيم الوقت، والاهتمام بالنوم والتغذية الصحية، والتعامل مع الامتحان كوسيلة لقياس المهارات وليس حكماً على القيمة الشخصية، داعياً الطلاب إلى الثقة بقدراتهم وجعل كل اختبار خطوة في مسيرتهم التعليمية.
وذكر إسماعيل إسماعيل أنه يتم العمل على تهدئة الطلاب الذين يظهر عليهم التوتر أثناء الامتحان من خلال طمأنتهم بأن الوقت المتاح كافٍ لإنهاء المادة الامتحانية، مضيفاً أنه يتم تنظيم جلسات دعم نفسي تتضمن تقديم إرشادات امتحانية، مثل قراءة الأسئلة بشكل متسلسل والإجابة عنها بالتدرج، ما ينعكس إيجاباً على سلوك الطالب داخل القاعة الامتحانية وأدائه العام.
انعكاسات السلوكيات الامتحانية على الحالة النفسية
وذكرت رهف قرنفل، أخصائية نفسية، عدداً من الممارسات الأخرى التي قد يقوم بها بعض الطلاب خلال فترة الامتحانات، من بينها الدراسة في أماكن غير مخصصة للتحضير مثل السرير، وما يترتب على ذلك من تراجع في مستوى التركيز والاستيعاب نتيجة ارتباط المكان بالراحة.
كما أشارت في تصريح لصحيفة الثورة السورية إلى أن الدراسة المتواصلة لفترات طويلة دون فواصل كافية تؤدي إلى الإرهاق الذهني وتراجع القدرة على التركيز مع مرور الوقت، لافتةً إلى أن الانشغال بمواقع التواصل الاجتماعي خلال فترة التحضير بحجة تخفيف الضغط يساهم في تشتيت الانتباه ويؤثر سلباً على عمق المذاكرة وجودتها.
ونوّهت قرنفل إلى أن السلوكيات الخاطئة خلال فترة الامتحانات لا تنعكس فقط على مستوى التحصيل، وإنما تمتد لتؤثر على الاستقرار النفسي والذهني للطالب، موضحةً أن من أبرز آثارها ما يُعرف بتشويه الهوية، حيث يتحول الامتحان من أداة لقياس القدرات إلى مصدر تهديد لتقدير الذات وربطه بالعلامة فقط.
وأضافت أن هذه الممارسات قد تخلق ما يشبه “دوامة الذنب” والشعور بالتقصير المستمر، ما يرهق الطاقة الذهنية ويؤدي أحياناً إلى حالة من العجز عن البدء أو الإنجاز، مشيرةً إلى أن تجاوز حدود التحمل النفسي قد يسبب حالة من النفور الذهني وفقدان الدافعية تجاه الدراسة.
وأوضحت أن الضغط المتكرر قد يضعف الثقة بالنفس ويولّد ما يشبه القناعة بالفشل، إلى جانب تقلبات وجدانية تشمل القلق الزائد أو العزلة أو نوبات التوتر، لافتةً إلى أن ذلك قد ينعكس أيضاً على الوظائف الحيوية للطالب، مثل اضطرابات النوم والصداع والتشنجات، نتيجة ما يُعرف بالأعراض الجسدية المرتبطة بالضغط النفسي.
وبيّنت أن هذه الحالة تؤثر بشكل مباشر على الأداء داخل الامتحان، من خلال تشتت الانتباه، وبطء معالجة المعلومات، وصعوبة استرجاعها تحت الضغط، إضافة إلى الوقوع في أخطاء بسيطة نتيجة التوتر وسوء إدارة الوقت داخل ورقة الامتحان، ما ينعكس سلباً على جودة الإجابات النهائية.
وقالت قرنفل إن ضبط السلوك خلال فترة الامتحانات يتطلب مجموعة من الإجراءات التي تساعد على تحقيق التوازن النفسي وتقليل التوتر، موضحةً أن تنظيم الروتين اليومي من حيث النوم والاستيقاظ والمذاكرة يسهم في منح الطالب شعوراً بالاستقرار والسيطرة على وقته، ما ينعكس إيجاباً على مستوى القلق.
وتابعت أن تقليل المشتتات الرقمية، خصوصاً إبعاد الهاتف عن مكان الدراسة، يحدّ من التشويش الذهني ويرفع من جودة التركيز، في حين أن البدء بدراسة المهام الصعبة لفترات قصيرة، حتى لو كانت لخمس دقائق فقط، قد يساعد في تجاوز حاجز التردد وتخفيف الضغط النفسي المرتبط بالمادة.
وبيّنت أن من المهم تعزيز الفصل بين قيمة الطالب ونتائجه الأكاديمية، بما يخفف من “قلق المصير” المرتبط بالعلامات، إضافة إلى ضرورة تفريغ التوتر من خلال تمارين التنفس أو الحركة الخفيفة مثل المشي، لتجنب تراكم الشحنات العصبية.
ولفتت إلى أن تقسيم المواد إلى أهداف صغيرة وواقعية يساعد الطالب على تحقيق إنجازات متتابعة، ما يعزز ثقته بنفسه ويقلل من الإحباط، ويمنحه دافعاً أفضل للاستمرار في التحضير بشكل متوازن.
وأكدت أن التعامل الصحيح مع فترة الامتحانات لا يعتمد فقط على زيادة ساعات الدراسة، وإنما على إدارة الجهد النفسي والذهني بشكل متوازن، موضحةً أن منح الدماغ فترات راحة قصيرة ومنتظمة يساعد على رفع القدرة على الاستيعاب والتركيز.
وأردفت أن من المهم تجنّب السعي وراء الكمال المفرط أو لوم الذات على ما لم يتم إنجازه، والتركيز على تثبيت المعلومات المتاحة حالياً، لافتةً إلى أن كتابة المخاوف والأفكار المقلقة على الورق قد يساعد في تفريغ الضغط الذهني وتقليل التوتر.
وبيّنت أن النظرة إلى الامتحان يجب أن تبقى ضمن إطارها الطبيعي كأداة لقياس المعرفة في وقت محدد، وليس حكماً على قيمة الطالب أو قدراته بشكل عام، مشددةً على أهمية هذا التمييز في تخفيف القلق المصاحب للاختبارات.
وفيما يتعلق بدور الأهالي، أوضحت في ختام حديثها أن المطلوب منهم توفير بيئة داعمة قائمة على الاحتواء والاستماع بدلاً من الضغط والتوجيه المستمر، مع الحفاظ على هدوء الأجواء المنزلية وتجنب نقل القلق إلى الأبناء، إضافة إلى منحهم مساحة كافية من الثقة والمسؤولية خلال فترة التحضير.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
