آخر الأخبار
الرئيسية » شكاوى وردود » لحوم خارج المسالخ في حلب.. أسعار أقل ومخاطر تتجاوز الصحة العامة

لحوم خارج المسالخ في حلب.. أسعار أقل ومخاطر تتجاوز الصحة العامة

حسان كنجو

تشهد أسواق مدينة حلب اتساعاً في ظاهرة بيع اللحوم خارج المسالخ النظامية، في ظل موجات ارتفاع متتالية طالت أسعار المواد الغذائية، ولا سيما اللحوم والفروج، ما دفع شريحة من المواطنين إلى البحث عن بدائل أقل كلفة، حتى وإن كانت خارج الأطر القانونية والرقابية المعتمدة.

وبين من ينظر إلى هذه الظاهرة بوصفها وسيلة لتخفيف العبء المعيشي، ومن يحذّر من تداعياتها الصحية والاقتصادية، يتصاعد الجدل حول حدود الحاجة وأولويات السلامة العامة، في سياق تتداخل فيه اعتبارات السوق مع معطيات الإنتاج والرقابة وآليات التسعير.

فارق الأسعار يوسّع الظاهرة

كغيرها من المواد الغذائية والتموينية، شهدت أسعار اللحوم، لا سيما الفروج، ارتفاعاً ملحوظاً منذ آذار الماضي، ما أثار استياء شعبياً، ترافق مع حملة مقاطعة أسهمت إلى حدٍّ كبير في خفض الأسعار نسبياً، لكنها بقيت مرتفعة مقارنة بالقدرة الشرائية للأسر، ودفع هذا الواقع شريحة من المستهلكين إلى البحث عن بدائل أقل من سعر السوق، بغضّ النظر عن جودة المنتج أو انعكاساته الصحية، عبر اللجوء إلى شراء لحوم مذبوحة بشكل غير قانوني.

كما أن ارتفاع الأسعار وعزوف المواطنين عن الشراء دفع شريحة من الباعة إلى بيع اللحوم “الحر” عبر ذبح الدجاج أو الخراف خارج المسالخ أو الأماكن المخصصة، وهو ما وجد فيه المواطنون فرصة لشراء اللحوم بسعر أقل، بعيداً عمّا وصفوه بـ”جشع التجار”، رغم أن ذلك مخالف قانونياً.

وبحسب رصد أجرته صحيفة “الثورة السورية”، اعتبرت شريحة من السكان، أن حصر بيع اللحوم عبر المسالخ حصراً “يشكّل تضييقاً إضافياً وزيادة في الأعباء المعيشية على المواطن”، ورأت هذه الشريحة أن الجانب الصحي في هذا الإجراء “مجرد تحصيل حاصل”، مشيرة إلى أن هذا النمط من البيع أسهم في خفض سعر اللحوم بنسبة تقارب الثلث.

واعتبر أسامة علبي، أن الحاجة “تكسر حاجز المخاوف”، وأن “سلم الأولويات تجاوز الاعتبارات الصحية”، موضحاً أن ما يهم الناس حالياً هو الحصول على وجبة دسمة، مضيفاً أن الحديث عن أمراض قد تتفشى نتيجة تناول اللحوم المذبوحة خارج المسالخ هو “إشاعات” يتم تداولها لمنع المواطن من شرائها، على حد تعبيره.

ويوافقه رمزي حشيشو، الذي رأى أن الذبح خارج المسلخ لا ينبغي اعتباره مخالفة، وأن من يبيعون هذا النوع من اللحوم “يستحقون الشكر”، لأنهم – على حد تعبيره – “حققوا حلم” كثير من العائلات في تناول اللحم، بعد أن كان أقصى ما يمكنهم فعله هو النظر إليه خلف الزجاج في المحلات.

وأضاف: “سعر كيلوغرام لحم الخاروف اليوم في السوق يبلغ 2000 ليرة جديدة، في حين نحصل عليه من خارج المسالخ بسعر لا يتجاوز 1100 ليرة جديدة، ومن هنا يمكن تفسير سبب إقبال الناس عليه، أما بالنسبة للمخاطر الصحية التي يتم الحديث عنها فالحذر لا يغني عن القدر”، على حد تعبيره.

اختصار سلاسل التوريد

بعيداً عن ما قد يظهر أنه في مصلحة المواطن أو يُنظر إليه كتخفيف من وطأة ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية، يرى زياد المصطفى، صاحب محل لبيع اللحوم في حي بستان القصر، أن الدافع الأساسي وراء هذه الظاهرة يرتبط بالسعي إلى تحقيق أرباح أعلى، موضحاً أن البعد الأخلاقي الظاهر لا يعكس بالضرورة الأهداف الفعلية، إذ يتم اللجوء إلى البيع خارج المسالخ في الغالب بهدف تقليل التكاليف المرتبطة بعمليات الذبح والتنظيف.

وأضاف: “تتم عملية بيع اللحوم عبر سلسلة من الإجراءات، حيث يقوم التجار بشراء الطيور أو الخراف من المربين، ثم الانتقال إلى المسالخ المخصصة لدفع تكلفة الذبح والسلخ والتنظيف، إلى جانب أجور لجان الكشف الصحي والبيطري، ومن ثم نقل اللحوم عبر البرادات إلى المحال التجارية ليتم بيعها لاحقاً للمستهلك”.

وتابع: “في كل مرحلة من هذه المراحل يتم احتساب أرباح محددة، حيث يتقاضى مربو المواشي أرباحهم، ثم يتقاضى المسلخ أجره، ويضيف التاجر هامش ربحه، ثم يضع صاحب المحل سعراً جديداً يتناسب مع تكاليفه”، مشيراً إلى أنه في حال البيع خارج المسالخ يتم اختصار أجور المسلخ وبعض الحلقات الوسيطة، ما يؤدي إلى فارق سعري كبير وربحية أعلى للبائع، مع اعتماد أسلوب “العروض” لجذب الزبائن، دون اعتبار كافٍ لأي مخاطر صحية محتملة، وهو ما يجعل ما يبدو تخفيفاً عن المواطن في ظاهره وسيلة لتحقيق أرباح أكبر في جوهره.

خلل في توازنات السوق

رغم الملاحقة المستمرة من قبل مديريات التجارة الداخلية، يبقى ضبط اللحوم غير النظامية أمراً بالغ الصعوبة، لا سيما لحوم الدجاج التي لا تحمل أختاماً رسمية ولا يمكن تتبعها إلا عبر الفواتير، إذ يمكن لأي شخص شراء الدجاج وذبحه في أي مكان ثم طرحه في الأسواق بسعر أقل من السعر السائد، وفقاً للخبير الاقتصادي مهران لبابيدي.

وقال لبابيدي لصحيفة “الثورة السورية” إن مخالفة تسلسل أنظمة البيع قد تؤدي إلى خلل في توازنات السوق، حيث يظهر باعة يطرحون كميات كبيرة يومياً مقابل آخرين يعتمدون على شراء اللحوم من المسالخ وبيعها بكميات أقل، وهو ما ينعكس أيضاً على سوق اللحوم الحمراء، إذ لم تعد الدمغة عامل ضبط فعال، ويتم بيع لحم الخروف خارج المسلخ في حالات كثيرة بشكل سري أو عبر “توصية”، بحيث يتم البيع للأقارب الذين ينقلون بدورهم الخبر إلى آخرين، ما يؤدي إلى اتساع دائرة الزبائن خلال فترة قصيرة، في ظل الفارق السعري الذي يشكل عامل جذب أساسي للمستهلك غير القادر على شراء اللحم بسعره النظامي.

زحول الانعكاسات الصحية لهذه الظاهرة، حذّرت طبيبة التغذية غصون عبد الحميد، من مخاطر كبيرة قد تنجم عن تناول لحوم مجهولة المصدر أو غير خاضعة للرقابة الصحية، لافتة إلى أن تحول هذه الممارسة إلى نمط عام يمكن أن يساهم في انتشار أوبئة واسعة، وليس مجرد حالات فردية محدودة.

وأضافت عبد الحميد لصحيفة “الثورة السورية”: “الذبح العشوائي يسهم في نقل الأمراض المعدية وتلوث اللحوم نتيجة غياب البيئة النظيفة، كما يؤدي تلوثها إلى تسارع نمو أنواع من البكتيريا المسببة للتسمم، مثل السالمونيلا والليستيريا والمكورات العنقودية والجمرة الخبيثة والسل البقري، إضافة إلى أن التخلص غير الآمن من مخلفات الذبح في الشوارع أو في أماكن غير مخصصة يساهم في انتشار الحشرات والقوارض والروائح الكريهة”.

رقابة مستمرة

وفي سياق الحديث عن دور الرقابة، أكدت مديرية التجارة الداخلية وحماية المستهلك في حلب لصحيفة “الثورة السورية” استمرارها في مكافحة ظاهرة اللحوم غير النظامية وتنظيم الضبوط بحق المخالفين، موضحة أن بعض المخالفين يلجؤون إلى الذبح خارج المسالخ لتجنب الرسوم أو الالتزام بالشروط القانونية، لا سيما الفحوصات البيطرية وضمان صلاحية اللحوم للاستهلاك البشري.

وأكد مدير المكتب الإعلامي في المديرية بلال الأخرس، أن أبرز أسباب تنظيم الضبوط بحق المخالفين تعود إلى غياب الرقابة البيطرية وعدم مطابقة الشروط الصحية، لافتاً إلى أن محافظة حلب تضم تسعة مسالخ موزعة داخل المدينة وريفها الشرقي والشمالي.

وبين ضغوط المعيشة التي تدفع كثيراً من الأسر للبحث عن خيارات أقل كلفة، والتحذيرات الصحية المتزايدة من مخاطر الذبح العشوائي، تبدو ظاهرة بيع اللحوم خارج المسالخ مرشحة للاستمرار ما لم تُعالج جذورها الاقتصادية والرقابية بالتوازي.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مياه طرطوس تنهي تسرب المياه في حي القصور باستبدال خط مهترئ

    أنهت الشركة العامة لمياه الشرب والصرف الصحي مشكلة تسريب المياه في حي القصور بمدينة طرطوس، بعد استبدال وصلة بواري معدنية مهترئة بأخرى من ...