آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » البعثات الدبلوماسية السورية.. تغيير جوهري يحمي المغترب ويعزز الثقة

البعثات الدبلوماسية السورية.. تغيير جوهري يحمي المغترب ويعزز الثقة

أسماء الفريح

تعد السفارات والقنصليات بمثابة الممثل الرسمي للدولة في الخارج، وهي تعمل، إضافة إلى إدارة العلاقات السياسية والدبلوماسية، على تقديم الخدمات المباشرة لمواطنيها، وحماية ورعاية مصالحهم، وتوفير المعلومات اللازمة لهم حول الخدمات المتنوعة في الدولة المعتمدة لديها. ويشكل امتداد مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها إلى خارج حدودها حقا ثابتا لها، استنادا إلى العديد من نصوص القانون الدولي والقضاء الدولي.

والتزاما بخدمة المواطنين السوريين في الخارج، وتسهيل أمورهم ومعاملاتهم الرسمية في الدول التي يقيمون فيها، عملت وزارة الخارجية والمغتربين على التوجيه باتخاذ العديد من الإجراءات في هذا الإطار، مثل إلغاء عدد من الرسوم، واستمرار تصديق جميع الوثائق والشهادات الدراسية للطلاب السوريين في الخارج مجانا عبر البعثات القنصلية، لتبسيط إجراءاتهم الرسمية، وتسهيل عودة الأطفال المولودين في الخارج، وبالتالي مساعدة العائلات الراغبة بالعودة إلى سوريا، وغيرها الكثير.

ولا شك أن مثل هذه الإجراءات، من تحسين الخدمات المقدمة، وتيسير أمور المغتربين، وضمان سلامتهم وغيرها، تعمل على إعادة تفعيل الدور الأساسي المناط بعمل هذه البعثات الدبلوماسية، بعد أن حولها النظام المخلوع إلى غايات أخرى بعيدة كل البعد عن وظائفها التي وجدت من أجلها، والمتعارف عليها وفقا للقوانين الدولية، ولا سيما اتفاقية فيينا للعلاقات الدبلوماسية لعام 1961.

ووفق تقارير صحفية، فإن السفارات السورية زمن نظام بشار الأسد المخلوع تحولت من فضاءات دبلوماسية إلى أدوات قمع ورقابة عابرة للحدود، استخدمت لإسكات المعارضين وملاحقة اللاجئين والسيطرة على الجاليات، بما يتناقض مع الغاية التي وجدت من أجلها.

وذكرت التقارير أنها وثقت، مع عدد من المنظمات الحقوقية الدولية والسورية، كيف قامت السفارات السورية في عهد النظام المخلوع بدور مركزي في منظومة الانتهاكات، سواء عبر ابتزاز المراجعين بالمعاملات القنصلية، أو مراقبة الناشطين السياسيين، أو تسليم بيانات حساسة للأجهزة الأمنية، إلى جانب تسهيل عمليات تهديد واعتقال، وحتى التصفية في بعض الحالات.

وأضافت أن القمع خارج الحدود لم يكن ممارسة استثنائية أو فردية، بل سياسة ممنهجة اعتمد عليها النظام لعقود، ولا سيما بعد عام 2011 مع اتساع رقعة اللجوء والنزوح، حيث حول السفارات السورية إلى أدوات أمنية مرتبطة مباشرة بأجهزة المخابرات، في انتهاك صارخ لاتفاقية فيينا ومبادئ القانون الدولي.

وأشارت إلى أن هذا الاستخدام المنحرف للمؤسسات الدبلوماسية ساهم في تقويض الثقة بالسلك الدبلوماسي السوري، إلى جانب إلحاقه أضرارا مباشرة بحقوق آلاف اللاجئين والمهجرين.

تحول منهجي

أكد مدير الإدارة القنصلية في وزارة الخارجية والمغتربين، محمد يعقوب العمر، عقب افتتاح القنصلية العامة للجمهورية العربية السورية في جدة، أن البعثات الدبلوماسية السورية أصبحت اليوم ملاذا آمنا لكل السوريين خارج البلاد، وذلك في إطار خطة لإعادة هيكلة العمل القنصلي والدبلوماسي بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة، ويحفظ كرامة المواطنين أثناء حصولهم على الخدمات.

وقال العمر، في لقاء متلفز يوم الجمعة الثامن من أيار الجاري، إن تفعيل القنصليات بعد تحرير سوريا خفف من معاناة السوريين في دول الاغتراب، مذكرا بأن الحصول على موعد لمراجعة القنصليات السورية خلال فترة النظام المخلوع كان يشكل معاناة كبيرة للمغتربين، إضافة إلى حالة الخوف التي سببتها ملاحقة المراجعين داخل القنصليات السابقة.

وفي دلالة على التطور الكبير الذي شهده العمل القنصلي منذ التحرير، بين العمر أن هذا العمل يجري عبر مسارين متوازيين داخل سوريا وخارجها، مع متابعة يومية من فرق الإدارة القنصلية لأداء البعثات ومعالجة المشكلات بشكل مباشر ومستمر، إضافة إلى إتاحة قنوات رقمية جديدة تمكن المواطنين من تقديم الشكاوى والطلبات بسهولة.

وكشف العمر عن تصديق وزارة الخارجية نحو خمسة ملايين معاملة قنصلية منذ بداية التحرير وحتى الآن، مشددا على أن افتتاح القنصليات الجديدة شجع أعدادا كبيرة من السوريين على إعادة تنظيم وثائقهم الرسمية واستكمال معاملاتهم القنصلية، مشيرا إلى أن القنصلية الجديدة في جدة ستقدم خدماتها لنحو مليون سوري في المنطقة الغربية من المملكة العربية السعودية، على أن تنجز نحو ألف معاملة يوميا وبشكل تدريجي بعد استكمال جاهزية الكوادر الفنية والإدارية.

وأواخر عام 2025، أعلن العمر بدء تطبيق نظام إلكتروني جديد في بعثات بيروت والدوحة وبرلين وبروكسل وأثينا، ضمن خطة شاملة لرقمنة الخدمات وتعميمها على جميع البعثات السورية حول العالم، موضحا أن هذا النظام يستخدم من قبل البعثات الدبلوماسية السورية لإدخال البيانات المتعلقة بكل المعاملات القنصلية الواردة إليها، كما يسمح بمتابعة سير العمل لحظة بلحظة من قبل الإدارة المركزية في دمشق.

وأضاف أن هذا النظام وفر قفزة نوعية في سرعة الأداء، وخاصة أنه اختصر زمن إدخال بيانات المعاملة الواحدة من ربع ساعة إلى أقل من دقيقتين فقط، بعد ربطه بشكل تقني مباشر مع نظام تطبيق “MOFA SY”، ما أسهم في اختصار الوقت والجهد على المواطن والموظف في آن واحد، وحقق انسيابية عالية في معالجة الطلبات المقدمة.

ويقول إيهاب بدوي، وهو مستشار في السياسة العامة والحوكمة، ومغترب في ألمانيا منذ عام 2013، إن التحول المنهجي في أداء البعثات الدبلوماسية والقنصليات السورية في الخارج يعد أكثر من مجرد تحسين في الإجراءات الإدارية؛ إنه يمثل، من منظور الحوكمة وإدارة مؤسسات الدولة، قطيعة ضرورية مع ممارسات الماضي، وتأسيسا لنهج حديث يعتمد على “دبلوماسية المواطن”.

وأضاف بدوي، في حديث خاص لصحيفة “الثورة السورية”، أنه في السابق كانت النظرة الأمنية البحتة تسيطر على عمل هذه المؤسسات، مما حولها إلى مساحات تولد الخوف والتوجس لدى المراجعين. أما اليوم، فإن التوجه نحو جعل هذه البعثات ملاذات آمنة يعكس نضجا مؤسسيا وإدراكا استراتيجيا في صياغة السياسات العامة، حيث تدرك الدولة أن كرامة المواطن وحمايته هما محور عمل مؤسساتها.

وأكد أن توفير بيئة خالية من الملاحقة أو الابتزاز، وتقديم خدمات تتسم بالكفاءة والشفافية، خطوات أساسية تعيد تعريف دور القنصليات لتصبح بيوتا وطنية جامعة ومظلات رعاية حقيقية تدعم المغترب وتصون حقوقه وتغذي ارتباطه العضوي بوطنه الأم.

نحو الانخراط البناء

دعا السيد الرئيس أحمد الشرع، خلال اجتماع موسع عقده مع أبناء الجالية السورية في العاصمة الأميركية واشنطن في تشرين الثاني 2025، الحاضرين إلى إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الحكومة السورية، والتفاعل الإيجابي مع البرامج الوطنية التي أطلقتها الدولة من خلال وزارة الخارجية والمغتربين، وإلى المزيد من الالتزام والمسؤولية تجاه الوطن.

وأكد الرئيس الشرع أهمية ارتباط السوريين في الخارج بوطنهم سوريا، ودورهم في نقل الصورة الحقيقية عنها والدفاع عن قضاياها العادلة، منوها في الوقت ذاته بجهودهم ومبادراتهم التي تعبر عن انتمائهم العميق واعتزازهم بوطنهم.

من جانبه، أكد وزير الخارجية والمغتربين أسعد الشيباني أن الحكومة تولي المغتربين جل الاهتمام وتفتح أبواب التواصل معهم، مقدما الشكر للجالية على مساهمتها ودورها في دعم الوطن من الخارج.

وخلال جلسة حوارية عقدها وفد من وزارة الخارجية والمغتربين مع عدد من أبناء الجالية السورية في العاصمة الألمانية برلين في تشرين الأول 2025، أوضح مدير إدارة شؤون المغتربين في الوزارة، محمد عبد السلام، أن هدف الزيارة هو الاطلاع على واقع العمل في السفارة السورية، والخدمات المقدمة لأبناء الجالية وسبل تطويرها، إلى جانب وضع خطة إصلاح شاملة تسهم في تلبية احتياجات المواطنين السوريين المقيمين في ألمانيا.

وقال عبد السلام إن اهتمام وزارة الخارجية بتطوير الخدمات القنصلية وتفعيل التواصل مع المغتربين يأتي في إطار سياسة الحكومة الرامية إلى رعاية شؤون المواطنين السوريين في الخارج، والاستفادة من خبراتهم في مرحلة إعادة البناء والتنمية.

وأشار إلى أن مثل هذه اللقاءات تشكل خطوة أولى نحو تأسيس نواة تنظيمية للجالية السورية في ألمانيا وأوروبا، وتسهم في تعزيز الروابط الوطنية وتفعيل الدور المجتمعي للمغتربين في دعم وطنهم الأم.

ويؤكد بدوي أن الانعكاسات الاستراتيجية لهذا التحول تمتد عميقا في الوجدان السوري، وتؤسس لمرحلة حاسمة من ترميم العقد الاجتماعي بين الدولة ومواطنيها في الشتات.

ويتابع أنه في علم السياسات العامة، تعد استعادة الثقة من أعقد وأهم مراحل التعافي الوطني؛ فعندما يكسر المواطن حاجز الخوف النفسي ويلمس أن مؤسسات بلده تسعى إلى خدمته بصدق وتوفر له الأمان، تتبدد التراكمات الثقيلة من العزلة والغربة.

ويشدد على أن هذا التغيير ليس ترفا، بل هو ضرورة ملحة لتشجيع الانخراط الإيجابي والفعال للسوريين في الخارج، فهو يمهد الطريق لتحويل كتلة الاغتراب من طاقات مستبعدة أو مهمشة إلى شركاء حقيقيين وفاعلين في عمليات بناء السلام، ودعم التنمية المستدامة، وصياغة مستقبل البلاد، مما يسهم في تعزيز تماسك الهوية الوطنية العابرة للحدود الجغرافية.

ويقول بدوي: هنا تبرز الأهمية القصوى لهذا الانفتاح المؤسسي في استقطاب الطاقات الشابة والكفاءات السورية المنتشرة حول العالم، مضيفا أن الشباب السوري في دول الاغتراب يمتلك إمكانات علمية ومهنية هائلة، وهو بحاجة إلى قنوات آمنة وموثوقة للتواصل مع وطنه.

ويبين أنه عندما تتحول القنصليات إلى منصات داعمة ومرحبة، فإنها تفتح الباب واسعا أمام هذه القيادات الشابة للمساهمة بخبراتها في مسارات التعافي الوطني، وتفعيل دورها في عمليات السلام والتطوير المجتمعي، وهو ما ينعكس إيجابا على صورة سوريا ومكانتها، ويضمن عدم خسارة هذه العقول لصالح مجتمعات أخرى، بل استثمارها كجسر تواصل حضاري وتنموي.

حماية السوريين أينما وجدوا

لم تدخر الدولة السورية جهدا في حماية مواطنيها في الخارج وتأمين عودتهم سالمين إلى أرض الوطن، حيث أمنت أواخر العام الماضي إجلاء عشرات المواطنين السوريين العالقين في السودان جراء الأوضاع الصعبة هناك، بالتنسيق مع منظمات دولية قادرة على المساعدة.

ووصلت إلى مطار دمشق الدولي في تشرين الأول 2025 طائرة قادمة من ليبيا، تقل عددا من المواطنين السوريين ممن تم تأمين عودتهم بالتنسيق مع وزارة الخارجية والمغتربين، بعد أن زار وفد تقني من الوزارة العاصمة الليبية طرابلس بهدف تصحيح أوضاع الجالية السورية هناك، وتقديم الخدمات الممكنة لهم، ولا سيما تمديد جوازات السفر، ومنح تذكرة مرور لمن لا يملك وثائق السفر لتسهيل عودتهم.

وبين عدد من العائدين أنهم واجهوا ظروفا صعبة خلال فترة وجودهم خارج البلاد منعتهم من توفير إجراءات العودة بسهولة، وهو ما عالجته وزارة الخارجية بتنظيم إجراءاتهم القانونية واللوجستية وتأمين وصولهم إلى أرض الوطن.

كما وصل الشاب السوري محمد عنقا إلى مطار دمشق الدولي في كانون الثاني الماضي قادما من العراق، بعد تبرئته من التهم المنسوبة إليه، وذلك تتويجا لجهود الحكومة السورية ومتابعتها المستمرة للقضية بالتنسيق مع الحكومة العراقية، ما أسهم في إنهاء ملفه وعودته سالما إلى الوطن.

وأكد المقدم عبد الرحمن الدباغ، من جهاز الاستخبارات، في تصريح، أن مؤسسات الدولة تعمل بتوجيه مباشر من الرئيس الشرع على حماية حقوق وحريات كل مواطن سوري أينما وجد، وعلى ترسيخ مكانته وقيمته، فالمواطن السوري ليس مجرد رقم، بل له ثقل داخل سوريا وخارجها.

ويؤكد إيهاب بدوي: “على الصعيد العملي والميداني، وبصفتي باحثا ومغتربا يتفاعل عن كثب مع شريحة واسعة من الجالية السورية والمنظمات المدنية في ألمانيا، يمكنني القول إننا نلمس تغيرا جوهريا في ديناميكية العلاقة مع الممثليات الدبلوماسية”.

ويضيف: “لقد تحولت مراجعة القنصلية من هاجس نفسي ومحطة للقلق والمشقة الإدارية، إلى إجراء يحترم كرامة المراجع ووقته، ويتعاطى مع احتياجاته بمسؤولية عالية. وهناك مساحة ملموسة من الاستماع والتجاوب تعكس احتراما لقيمة المواطن السوري”.

ويتابع أن هذا التطور شجع الكثيرين، ولا سيما الأجيال الشابة والناشطين في المجتمع المدني السوري في ألمانيا، على إعادة ترتيب علاقتهم مع مؤسسات بلدهم الأم بثقة وطمأنينة.

ويشدد على أن هذا التحول يمثل خطوة بالغة الأهمية نحو بناء سياسات اغترابية ناجحة، تعول على الكفاءات السورية في الخارج لتكون رافدا أساسيا في بناء دولة القانون والمؤسسات.

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

غرفة تجارة حلب ومجلس المدينة يبحثان تطوير عمل شركة أسواق حلب محدودة المسؤولية

  عقد رئيس غرفة تجارة حلب، محمد سعيد شيخ الكار، برفقة عضوي مجلس الإدارة مصطفى بارودي وزكريا خوجة، لقاءً في مجلس مدينة حلب مع رئيس ...