آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » كيف صنع لي كوان يو “المعجزة السنغافورية”؟تجربتها تحمل دروساً يمكن الاستفادة منها في إعادة بناء الدول الخارجة من الصراعات، ومنها سوريا

كيف صنع لي كوان يو “المعجزة السنغافورية”؟تجربتها تحمل دروساً يمكن الاستفادة منها في إعادة بناء الدول الخارجة من الصراعات، ومنها سوريا

بقلم:المهندس مكرم عبيد

 

 

 

من دولة فقيرة تفتقر إلى الموارد الطبيعية، إلى واحدة من أكثر دول العالم ازدهارًا وتنافسية.. كيف حققت سنغافورة هذه القفزة التاريخية؟ وهل تحمل تجربتها دروسًا يمكن الاستفادة منها في إعادة بناء الدول الخارجة من الصراعات، ومنها سوريا؟

في عام 1965، خرجت سنغافورة من الاتحاد الماليزي وهي دولة صغيرة لا تتجاوز مساحتها بضع مئات من الكيلومترات المربعة، بلا نفط أو غاز أو معادن، وتعاني من انقسامات عرقية ودينية، ونسب مرتفعة من الفقر والبطالة والفساد.

لكن خلال أقل من ثلاثين عامًا، تحولت إلى مركز مالي وتجاري عالمي، وإحدى أكثر الدول كفاءة في الإدارة والتعليم وسيادة القانون.

ورغم اختلاف الظروف التاريخية والسياسية بين سنغافورة وسوريا، فإن التجربة السنغافورية تقدم مجموعة من المبادئ العامة التي تستحق الدراسة، لا بوصفها نموذجًا جاهزًا للاستنساخ، وإنما باعتبارها تجربة ناجحة في بناء الدولة والمؤسسات.

أولاً: المواطنة قبل الهويات الفرعية

أدرك لي كوان يو أن الدولة لا يمكن أن تستقر إذا بقي المجتمع أسير الانقسامات العرقية أو الدينية.

لذلك، اعتمد مفهوم المواطنة المتساوية، وأقر أربع لغات رسمية، وجعل اللغة الإنجليزية لغة الإدارة والتعليم، باعتبارها لغة محايدة تربط جميع المكونات وتفتح أبواب الاقتصاد العالمي.

كما سنت الدولة قوانين صارمة تجرّم التحريض الطائفي والعرقي، وطبقت سياسة الإسكان المختلط، بحيث يعيش المواطنون من مختلف المكونات في الأحياء نفسها، بما يعزز الاندماج الاجتماعي ويمنع نشوء مناطق مغلقة على أساس الانتماء.

ثانياً: الكفاءة لا الولاء

كان لي كوان يو يؤمن بأن الدولة لا تُدار بالمحسوبيات، بل بالكفاءات.

ولهذا اعتمد مبدأ الجدارة (Meritocracy) أساسًا للتوظيف والترقية في القطاع العام، وألغى التعيينات القائمة على الولاءات السياسية أو العائلية أو العسكرية.

وفي الوقت نفسه، منح كبار المسؤولين والقضاة رواتب تنافس القطاع الخاص، بهدف استقطاب أفضل الكفاءات وتقليص دوافع الفساد.

ثالثاً: حرب بلا هوادة على الفساد

أنشأت سنغافورة مكتبًا مستقلاً لمكافحة الفساد يتمتع بصلاحيات واسعة للتحقيق مع أي مسؤول، مهما كان منصبه.

ولم يكن تطبيق القانون انتقائيًا، بل شمل الجميع دون استثناء، وهو ما رسخ ثقة المواطنين والمستثمرين بمؤسسات الدولة.

رابعاً: سيادة القانون أساس التنمية

أدركت القيادة السنغافورية أن المستثمر لا يبحث فقط عن الإعفاءات الضريبية، بل عن قضاء مستقل وعادل وسريع.

لذلك، أصبح القضاء أحد أعمدة الدولة الحديثة، وأُخضعت جميع المؤسسات، بما فيها الحكومة، لسلطة القانون، الأمر الذي جعل سنغافورة من أكثر دول العالم استقرارًا وجاذبية للاستثمار.

خامساً: الإنسان هو الثروة الحقيقية

في غياب الموارد الطبيعية، استثمرت سنغافورة في رأس المال البشري.

فأُعيد بناء النظام التعليمي بالكامل، مع التركيز على العلوم والهندسة والرياضيات والتكنولوجيا واللغة الإنجليزية، وربط التعليم مباشرة باحتياجات الاقتصاد العالمي.

وبمرور الوقت، أصبحت الجامعات السنغافورية من بين الأفضل عالميًا، وتحول التعليم إلى المحرك الرئيسي للنمو الاقتصادي.

سادساً: اقتصاد منفتح ومؤسسات كفوءة

اعتمدت الحكومة سياسة اقتصادية تقوم على:
• تبسيط إجراءات تأسيس الشركات.
• خفض الضرائب على الاستثمار.
• تطوير البنية التحتية.
• إنشاء واحد من أكبر الموانئ التجارية في العالم.
• بناء مطار شانغي، الذي أصبح نموذجًا عالميًا في الكفاءة والخدمات.

هذه السياسات جعلت سنغافورة مركزًا إقليميًا للشركات العالمية.

سابعاً: سياسة خارجية براغماتية

رغم موقعها الجغرافي الحساس، تجنبت سنغافورة الدخول في الصراعات الإقليمية والمحاور الأيديولوجية.

واعتمدت سياسة خارجية متوازنة تقوم على بناء المصالح مع الجميع، بالتوازي مع إنشاء جيش محترف قادر على حماية الدولة وردع أي تهديد.

معلومات سريعة عن سنغافورة

التركيبة العرقية:
• الصينيون: نحو 74%.
• الملايو: نحو 14%.
• الهنود: نحو 9%.
• أعراق أخرى: نحو 3%.

التركيبة الدينية:
• البوذية: 31.1%.
• اللادينيون: 20%.
• المسيحية: 18.9%.
• الإسلام: 15.6%.
• الطاوية والديانات الصينية التقليدية: 8.8%.
• الهندوسية: 5%.
• ديانات أخرى: 0.6%.

أبرز أدوات إدارة التنوع:
• قانون الحفاظ على الانسجام الديني.
• سياسة الدمج العرقي في الإسكان الحكومي، التي تضمن الاختلاط اليومي بين مختلف المكونات السكانية وتحد من نشوء الأجواء المنغلقة عرقيًا أو دينيًا

ماذا يمكن أن تستفيد سوريا من هذه التجربة؟

صحيح انه لا يمكن نقل التجربة السنغافورية بحذافيرها إلى أي دولة أخرى، فلكل مجتمع ظروفه وتاريخه وتحدياته الخاصة..لكن التجربة تقدم مجموعة من المبادئ التي تبدو صالحة في كل زمان ومكان، أبرزها:
• بناء دولة المواطنة والمؤسسات.
• ترسيخ سيادة القانون واستقلال القضاء.
• مكافحة الفساد بصورة مؤسسية.
• اعتماد الكفاءة معيارًا للتعيين والترقية.
• الاستثمار في التعليم ورأس المال البشري.
• توفير بيئة مستقرة وجاذبة للاستثمار.
• تبني سياسة خارجية واقعية تخدم المصالح الوطنية.

خلاصة

لم تصنع سنغافورة نهضتها بالشعارات أو بالموارد الطبيعية، بل بالإدارة الرشيدة، والمؤسسات القوية، واحترام القانون، والاستثمار في الإنسان.

وربما يكون الدرس الأهم في التجربة السنغافورية أن بناء الدولة يبدأ من بناء المؤسسات، وأن التنمية المستدامة لا تتحقق إلا عندما يصبح القانون فوق الجميع، والكفاءة فوق الولاءات، والمصلحة الوطنية فوق الانقسامات الضيقة

 

 

 

(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

التأسيس التشريعي لبناء سورية الجديدة :الحاجة ماسة الآن لإصدار قانونين “الأحزاب السياسية والانتخابات العامة”

بقلم:القاضي المتقاعد حسين حمادة   مدير المركز السوري للدراسات القانونية   بما أن سورية تعيش مرحلة انتقالية، وهي بطبيعتها مرحلة استثنائية ومؤقتة، فإن الوظيفة الدستورية ...