آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » التأسيس التشريعي لبناء سورية الجديدة :الحاجة ماسة الآن لإصدار قانونين “الأحزاب السياسية والانتخابات العامة”

التأسيس التشريعي لبناء سورية الجديدة :الحاجة ماسة الآن لإصدار قانونين “الأحزاب السياسية والانتخابات العامة”

بقلم:القاضي المتقاعد حسين حمادة

 

مدير المركز السوري للدراسات القانونية

 

بما أن سورية تعيش مرحلة انتقالية، وهي بطبيعتها مرحلة استثنائية ومؤقتة، فإن الوظيفة الدستورية للقيادة الانتقالية تنحصر في مهمتين رئيسيتين لا ثالث لهما:
أولًا: إدارة شؤون الدولة والمحافظة على وحدة البلاد وتأمين الأمن والاستقرار وضمان استمرار عمل المؤسسات العامة للدولة خلال المرحلة الانتقالية ….
ثانيًا: تهيئة الأسس الدستورية والقانونية لقيام الدولة الدائمة، من خلال إعداد البيئة التشريعية والمؤسسية اللازمة، بما يضمن انتقال السلطة إلى مؤسسات منتخبة انتخابًا حرًا ونزيهًا، وفق دستور دائم يقرره الشعب.

(( وبذلك تكون السلطة الانتقالية قد أنجزت رسالتها، لتبدأ بعدها مرحلة الدولة الدائمة التي تتولى فيها المؤسسات المنتخبة إدارة الشأن العام ))

لقد كنت سابقاً أرى أن سورية في هذه المرحلة الانتقالية بحاجة إلى حزمة كبيرة من القوانين في مقدمتها القوانين الخمسة التالية :
1 – قانون مجلس النواب
2 – قانون العزل السياسي
3 – قانون العدالة الانتقالية
4 – قانون الأحزاب السياسية
5 – قانون الانتخابات العامة
إلا أنني، وبعد إعادة قراءة متأنية للمشهد السوري، بدأت أميل – وقد أكون مخطئاً – إلى الاكتفاء بهذه المرحلة بإصدار قانوني الأحزاب والانتخابات فقط باعتبار ان المرحلة الانتقالية هي جسر تعبر من خلاله الدولة من واقع استثنائي إلى نظام دستوري مستقر، وتستمد فيه السلطة الانتقالية مشروعيتها من الضرورة التي أنشئت من أجلها ، فهي ليست سلطة تأسيسية أصلية تمثل الشعب تمثيلًا كاملًا، وإنما سلطة انتقالية مؤقتة تمارس اختصاصات استثنائية بالقدر اللازم لإعادة بناء الحياة الدستورية

لهذا فإن القيادة الانتقالية إذا انشغلت ببناء نفوذها السياسي الطويل الأمد، من خلال تكريس الولاءات، أو هندسة المشهد السياسي بما يضمن استمرارها، فإن ذلك يُبدد الجهود ويُؤخرتحقيق الغاية الأساسية من المرحلة الانتقالية ، لأن السلطة الانتقالية ليست مفوضة بتقرير مستقبل الأجيال، وإنما هي مؤتمنة على تهيئة الظروف التي تمكّن الشعب من اختيار مستقبله بحرية.

فالأصل يقتضي ألا تمتد صلاحية القيادة الانتقالية إلى فرض خيارات سياسية أو دستورية طويلة الأمد، فهذه الخيارات يجب أن تكون ثمرة إرادة شعبية حرة تعبّر عنها مؤسسات منتخبة تتمتع بشرعية كاملة

من هنا ، ارى أن المهمة ” التشريعية ” لمجلس الشعب الانتقالي ينبغي أن تقتصر على إصدار التشريعات التي تهيئ حياة سياسية سليمة وتُمكّن الشعب من اختيار ممثليه بحرية ونزاهة وهي فقط القانونين المذكورين

والسؤال المحوري : لماذا ينبغي تأجيل بقية التشريعات؟ ولماذا يجب الاكتفاء بإصدار قانوني الأحزاب والانتخابات

قد تبدو الحاجة ملحة لإصدار قوانين تتعلق بالعدالة الانتقالية، أو السلطة القضائية، أو الإدارة المحلية، او بالعزل السياسي أو غيرها من التشريعات الكبرى ، ولا خلاف في أهمية هذه القوانين، إلا أن الأهم من ذلك هو الجهة التي ينبغي أن تتولى إصدارها ،
فالقوانين التي ترسم السياسات الدائمة للدولة ينبغي أن تصدر عن مجلس شعب منتخب يتمتع بشرعية شعبية كاملة، لأن آثارها ستمتد إلى أجيال متعاقبة، ومن ثم فلا يجوز أن تكون وليدة مرحلة انتقالية مؤقتة
اما القوانين التي تؤسس لحياة سياسية سليمة وتنظم المجتمع وفق أطر تنظيمية تمكنه من ممارسة حقه في تسير شؤونه وتقرير مصيره عبر ممثليه المنتخبين منه بحرية ونزاهة فهي ينظمها مجلس شعب مؤقت

ويضاف إلى ذلك أسباب أخرى منها :
1 – مجلس الشعب الانتقالي لم يستمد شرعيته من انتخابات عامة حرة، وإنما من مقتضيات المرحلة الانتقالية، ولذلك فإن مشروعية أعماله يجب أن تُفسَّر تفسيرًا ضيقًا ينسجم مع الغاية التي أُنشئ من أجلها، وهي إدارة الانتقال نحو حياة سياسية سليمة تمكن الشعب من ممارسة حقه في ادارة شؤون البلد وممارسة حق تقرير مصيره عبر ممثليه المنتخبين
2 – ثمة تشريعات تُعد شرطاً لازماً لقيام الحياة السياسية لأنها تنظم الآلية التي يمارس الشعب من خلالها سيادته، وهذه يمكن وصفها بالتشريعات التأسيسية وعلى رأسها قانوني الاحزاب والانتخابات فهي تصدر عن سلطة تأسيسية مؤقتة .
وفي المقابل، توجد تشريعات تتعلق بالسياسات العامة، وتنظيم السلطات، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة، والإصلاحات الكبرى، وهي تشريعات ذات طبيعة دائمة ينبغي أن تصدر عن سلطة تشريعية منتخبة تمثل الإرادة الشعبية.
3 – إصدار قوانين مصيرية، قد يُفسَّر على أنه فرض لخيارات طويلة الأمد على الأجيال القادمة، بينما الأصل أن تترك هذه القضايا للمجلس المنتخب الذي يمثل الإرادة الشعبية.
4 – وظيفة المرحلة الانتقالية هي إدارة الانتقال، لا هندسة المستقبل السياسي للدولة، فالسلطة الانتقالية مؤتمنة على فتح الطريق أمام الديمقراطية، لا على رسم جميع تفاصيلها.

لذلك، فإن أفضل ما يمكن أن يقدمه مجلس الشعب في المرحلة الانتقاليةعلى الصعيد “التشريعي ” هو الاكتفاء بإصدار هذين القانونين الذين يؤسسان لدولة ديمقراطية حقيقية، ثم يُترك للشعب السوري، من خلال ممثليه المنتخبين في انتخابات حرة ونزيهة، حق تقرير بقية الخيارات التشريعية والسياسية التي سترسم مستقبل البلاد.

2 – لماذا قانون الأحزاب؟
لأن الأحزاب السياسية هي الأداة الدستورية التي تُترجم حق المواطنين في المشاركة بالحياة العامة.
ففي غياب الأحزاب، تتحول الانتخابات إلى منافسة بين أفراد، أو بين أصحاب النفوذ والمال، أو بين الانتماءات الطائفية والعشائرية والمناطقية، بدلاً من أن تكون تنافسًا بين برامج وطنية ورؤى سياسية.
ومن ثم، فإن قانون الأحزاب لا ينظم حقًا سياسيًا فحسب، وإنما يؤسس للحياة السياسية بأكملها، ويُعيد توجيه الولاء العام من العصبيات التقليدية إلى التنافس الديمقراطي على خدمة الوطن.

3 – لماذا قانون الانتخابات؟
إذا كان قانون الأحزاب يُنشئ الحياة السياسية، فإن قانون الانتخابات يمنحها الشرعية الدستورية.
فهو القانون الذي يحدد كيفية انتقال السلطة، ويضمن المساواة بين المواطنين في ممارسة حقوقهم السياسية، ويكفل نزاهة الاقتراع، ويمنح المؤسسات المنتخبة مشروعيتها المستمدة من الإرادة الشعبية.
وبدون قانون انتخابات عادل، لا يمكن الحديث عن مجلس نيابي يمثل الشعب تمثيلًا حقيقيًا، ولا عن ادارة محلية او رئاسة وحكومة تستند إلى أغلبية سياسية، ولا عن تداول سلمي للسلطة.
و قانون الانتخابات ليس مجرد تنظيم لإجراءات الاقتراع، بل هو القانون الذي يحدد الكيفية التي تُمارس بها سيادة الشعب.

فالعلاقة التكاملية بين القانونين تجعلها متلازمين في تحقيق غاية مشتركة
• قانون الأحزاب، من دون قانون انتخابات عادل، يبقى عاجزًا عن تحويل البرامج السياسية إلى تمثيل نيابي.
• وقانون الانتخابات، من دون وجود أحزاب وطنية، يتحول إلى منافسة بين الأفراد والعصبيات التقليدية.

والقانونين يشكلان معًا الأساس القانوني الذي تقوم عليه الحياة السياسية ويُعد كل منهما مكملًا للآخر، ولا يغني أحدهما عن الثاني.

أما الأسس والمبادئ والشروط التي يجب أن تتوافر في هذين القانونين حتى يحققا الغاية المرجوة منهما فهي عديدة نذكر بعضا منها على النحو التالي :

أولاً – في قانون الأحزاب السياسية
1 – المبادئ والأهداف :
• الحفاظ على وحدة سوريا وسلامة أراضيها واستقلال قرارها الوطني
• احترام سيادة القانون وحقوق الإنسان والحريات العامة والإعلان العالمي لحقوق الإنسان والاتفاقيات الدولية ذات الصلة.
• الالتزام بمبادئ الديمقراطية والتداول السلمي للسلطة
• حظر إنشاء أي حزب يتبنى أو يدعو إلى العنف أو الإرهاب أو تشكيل تنظيمات أو أجنحة مسلحة.
• حظر قيام الأحزاب على أساس طائفي أو مذهبي أو عرقي أو ديني أو مناطقي أو قبلي، أو التحريض على الكراهية أو التمييز بين المواطنين
• الالتزام بالشفافية المالية والإفصاح الدوري عن مصادر التمويل وأوجه الإنفاق، مع حظر تلقي أي تمويل أو دعم أو توجيه من دولة أو جهة أو منظمة أجنبية.
• عدم التبعية التنظيمية أو السياسية لأي حزب أو جهة أجنبية.
• خضوع جميع الأحزاب لرقابة القضاء وحده، بحيث لا يجوز حل أي حزب أو تعليق نشاطه أو تقييد عمله إلا بحكم قضائي نهائي.
• وجود مقر رئيسي معلن داخل سورية، مع جواز افتتاح فروع خارجها.
• حظر تلقي التمويل أو التوجيه من أي جهة أجنبية.

2 – شروط الأعضاء المؤسسين
• ألا يقل عدد المؤسسين عن (100) عضو.
• أن ينتموا إلى خمس محافظات سورية على الأقل.
• ألا تقل نسبة النساء بينهم عن (10%).

3 – شروط العضوية
يشترط في عضو الحزب:
• أن يكون سوري الجنسية ومتمتعًا بحقوقه المدنية والسياسية.
• ألا يكون قد صدر بحقه حكم مبرم بجناية أو بجنحة شائنة، ما لم يُرد إليه اعتباره.

4 – يمنع من تأسيس الأحزاب أو الانضمام إليها أثناء الخدمة:
• أفراد قوى الجيش والقوات المسلحة.
• أفراد قوى الأمن الداخلي والمؤسسات الامنية
• القضاة.

5 – يطبق العزل السياسي على كل من:
• أنكر جرائم النظام البائد.
• تولى مناصب قيادية أو مسؤوليات عليا في النظام السابق
• تعاون مع الأجهزة الأمنية.
• شغل منصبًا في المؤسسات المرتبطة بأسرة الأسد أو كان شريكًا في أعمالها التجارية.
• شارك في أعمال القتل أو الاعتقال أو التعذيب او التغييب
• استولى على المال العام أو الخاص أو ألحق به الضرر.
• استخدم الخطاب الطائفي أو دعا إلى تقسيم سورية.

6 – يستثنى من العزل السياسي من ترك موقعه في الدولة طوعًا قبل عشر سنوات من عام 2025 شرط انه :
• لم يرتكب أي جريمة بحق الشعب السوري.
• أعلن ندمه بصورة علنية وأبدى استعداده للتعاون مع مؤسسات العدالة الانتقالية وصرح انه جاهز لتقديم ما لديه من شهادات أو معلومات موثوقة بشأن جرائم النظام السابق.

8 – شروط اضافية لازمة
على الحزب المشكل ان يوضح بالاضافة إلى أدبياته السياسية والتنظيمية مايلي :
• بيان برنامجه في الإصلاح السياسي والاقتصادي والاجتماعي
• بيان شكل النظام السياسي الذي يسعى إلى تحقيقه
• بيان شكل السلطة التشريعية المقبلة الذي يهدف إلى تحقيقها ( مؤلفة من مجلس واحد أو مجلسين، ومهام كل منها وعدد أعضاء كل مجلس …الخ )

ثانيًا: قانون الانتخابات العامة
يمثل قانون الانتخابات حجر الأساس في منح الشرعية للمؤسسات المنتخبة، وضمان نزاهة العملية الانتخابية، وتحقيق تكافؤ الفرص بين جميع المرشحين،وضمان مشاركة السوريين في الداخل والخارج بالحياة السياسية، وترسيخ ثقافة الديمقراطية والمساءلة والمواطنة ،

1 – يهدف هذا القانون إلى :
• تنظيم انتخاب رئيس الجمهورية.
• تنظيم انتخاب أعضاء مجلس الشعب.
• تنظيم انتخاب أعضاء مجالس الإدارة المحلية ومجالس النقابات.
• تنظيم إجراءات الاستفتاء الشعبي.

2 – مراعاة المبادئ الأساسية التالية :
• اعتماد الدوائر الانتخابية المصغرة، بحيث لا يزيد عدد سكان الدائرة على (100,000) نسمة.
• الأخذ بنظام التمثيل النسبي المزدوج للقوائم الحزبية والمستقلين واعتماد الدوائر الانتخابية المصغرة
• ضمان حد أدنى لتمثيل المرأة والشباب والفئات الاجتماعية المختلفة.
• الإشراف القضائي الكامل على جميع مراحل العملية الانتخابية ومنح القضاء الولاية الكاملة في فض المنازعات والطعون الانتخابية وإعلان النتائج
• تنظيم تمويل الحملات الانتخابية وضمان شفافيتها.
• إجراء انتخابات عامة، مباشرة، حرة، سرية، متساوية، وشخصية دون وكالة.
• حرمان أفراد القوات المسلحة والأجهزة الأمنية والقضاة من التصويت أثناء الخدمة، مع تنظيم حقهم في الترشح وفق القانون.
• تنقية السجل الانتخابي بعد إجراء إحصاء سكاني شامل، واستبعاد من حصل على الجنسية السورية بطرق احتيالية بعد 15 آذار 2011.

(اخبار سوريا الوطن-الكاتب)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جمعية سورية للعلوم السياسية… مطلبٌ عمره 54 عاماً

    أ.د. جورج جبور رئيس الجمعية السورية للعلوم السياسية (قيد التأسيس)   استمعت إلى محاضرة قيّمة عن سورية للدكتور عمر شحرور عصر امس في ...