آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » من إدارة النشاط إلى صناعة الأثر: نحو رؤية جديدة للشؤون الاجتماعية والعمل

من إدارة النشاط إلى صناعة الأثر: نحو رؤية جديدة للشؤون الاجتماعية والعمل

 

بقلم: محمد صلاح الدين أبو عيسى

باحث في اقتصاديات التنمية والإدارة المؤسسية

 

في زمن أصبحت فيه المنصات الرقمية جزءًا أساسيًا من العمل المؤسسي، لم يعد السؤال الأهم: كم فعالية أُقيمت؟ وكم خبرًا نُشر؟ وكم صورة ظهرت؟

 

السؤال الأهم هو: ماذا تغيّر فعلًا في حياة الناس؟

 

في مجال الشؤون الاجتماعية والعمل، تكتسب هذه المسألة أهمية مضاعفة؛ لأن هذا القطاع يتعامل مباشرة مع الإنسان، ومع فرصته في العمل، وقدرته على تأمين دخل كريم، وحقه في الحماية الاجتماعية، وإمكانية انتقاله من دائرة الاحتياج إلى دائرة الإنتاج والاستقلال.

 

لا شك أن التواصل الإلكتروني أصبح أداة ضرورية للتعريف بالخدمات، والوصول إلى المواطنين، وتعزيز الشفافية. لكن التحدي يبدأ عندما يتحول النشاط الإعلامي من وسيلة لتوثيق العمل إلى غاية بحد ذاته، أو عندما يصبح الإعلان عن البرنامج أكثر حضورًا من قياس أثره.

 

فالخبر يوثّق النشاط، أما المؤشر فيثبت الأثر.

 

ومن هنا، فإن تطوير العمل في مجال الشؤون الاجتماعية والعمل يتطلب انتقالًا واضحًا من إدارة النشاط إلى إدارة النتائج.

 

من التدريب إلى فرصة العمل

يُعد التدريب المهني أحد الأمثلة الأكثر وضوحًا على أهمية هذا التحول. فالتحدي الحقيقي لا يكمن في تنظيم دورة تدريبية أو تخريج عشرات المتدربين، وإنما في معرفة ما إذا كان التدريب قد قاد إلى فرصة اقتصادية حقيقية.

وهنا يمكن التفكير في إنشاء «مسار وطني للفرصة» يربط الباحث عن العمل بأصحاب العمل، ومؤسسات التدريب، والجهات الداعمة، ضمن منظومة واحدة.

 

يبدأ المسار بتسجيل مهارات الباحث عن العمل وخبراته، ثم إجراء تقييم مهني مبسط يحدد الفجوة بين قدراته ومتطلبات الوظائف المتاحة. وإذا ظهرت فجوة في المهارات، يُوجَّه إلى تدريب محدد يرتبط باحتياجات فعلية في سوق العمل.

 

لكن نقطة القياس الأساسية تأتي بعد ذلك.

 

فلا ينبغي أن تنتهي العملية عند الحصول على شهادة، بل عند الوصول إلى فرصة عمل، ثم متابعة المستفيد بعد ثلاثة وستة واثني عشر شهرًا، لقياس استمراره في العمل، وتطور دخله، ومدى استفادة صاحب العمل من المهارات التي اكتسبها.

 

وبذلك ننتقل من نموذج:

 

دورة ← شهادة ← صورة ← خبر

 

إلى نموذج أكثر ارتباطًا بالنتائج:

 

تقييم ← تدريب موجّه ← فرصة عمل ← متابعة ← أثر اقتصادي.

 

البيانات أولًا… ثم القرار

 

لا يمكن بناء سياسات حديثة لسوق العمل من دون بيانات حديثة وموثوقة.

نحتاج إلى معرفة التخصصات المطلوبة، والمهارات المتوافرة، والفجوات المهنية، واحتياجات أصحاب العمل، والفروق بين المناطق والفئات العمرية والمستويات التعليمية.

 

وعندما تصبح هذه المعلومات متاحة بصورة منظمة، يمكن أن تتغير طريقة اتخاذ القرار.

 

فبدلًا من أن نسأل: ما التدريب الذي يمكن أن نقدمه؟

 

نبدأ بالسؤال: ما المهارات التي يحتاج إليها السوق؟

 

وبدلًا من أن نقيس نجاح البرنامج بعدد المستفيدين، نسأل: كم مستفيدًا انتقل من البرنامج إلى العمل؟ وكم منهم استمر فيه؟

 

هذا التحول في طريقة التفكير يمكن أن يجعل الموارد المحدودة أكثر كفاءة، ويحد من تكرار البرامج التي لا تستجيب للحاجة الفعلية.

 

الحماية الاجتماعية ليست مجرد استجابة

 

الأمر نفسه ينطبق على الشأن الاجتماعي.

فالحماية الاجتماعية الفاعلة لا تقوم فقط على تقديم المساعدة عند وقوع الحاجة، وإنما تبدأ من معرفة من يحتاج، ولماذا يحتاج، وما الذي يمكن أن يساعده على تجاوز أسباب الاحتياج، عندما يكون ذلك ممكنًا.

 

وهنا تصبح قواعد البيانات الدقيقة، ومعايير الاستهداف الواضحة، وربط الدعم بالتأهيل والتمكين الاقتصادي، عند ملاءمته، عناصر أساسية في بناء سياسة اجتماعية أكثر فاعلية واستدامة.

 

كما أن توسيع الشراكة مع القطاع الخاص، والمنظمات غير الحكومية، والمؤسسات الأكاديمية، يمكن أن يحول العمل الاجتماعي من تدخلات منفصلة إلى منظومة أكثر تكاملًا.

 

من الصورة إلى المؤشر

 

لا مشكلة في أن تُنشر صورة لفعالية، أو خبر عن برنامج، أو قصة نجاح.

المشكلة تبدأ عندما تصبح الصورة هي الدليل الوحيد على النجاح.

 

المؤسسات الحديثة تستطيع أن تقول للمجتمع بوضوح: كم شخصًا استفاد؟ كم شخصًا حصل على عمل؟ كم منهم استمر في عمله؟ ما المهارات التي يحتاج إليها السوق؟ وما الذي تغير بعد ستة أشهر أو سنة؟

 

هذه ليست أرقامًا باردة؛ إنها طريقة لاحترام المواطن والموارد والجهد المؤسسي.

 

فالشفافية الحقيقية لا تعني أن نخبر الناس فقط بما فعلناه، بل أن نخبرهم أيضًا بما نتج عن ذلك.

 

وفي النهاية، لا تحتاج الشؤون الاجتماعية والعمل إلى المزيد من الأنشطة لمجرد زيادة عددها، بقدر حاجتها إلى مسارات واضحة تقود الإنسان من الحاجة إلى الفرصة، ومن التدريب إلى العمل، ومن الدعم إلى الاستقلال، متى كان ذلك ممكنًا.

 

الإعلام الإلكتروني مهم، لكنه يجب أن يكون مرآةً للعمل لا بديلًا عنه.

 

فأفضل ما يمكن أن تنشره مؤسسة تعمل في مجال الشؤون الاجتماعية والعمل ليس صورةً عن فرصة صنعتها، بل إنسانًا استطاع أن يصنع بها مستقبله.

 

وهنا تحديدًا ينتقل العمل المؤسسي من إدارة النشاط إلى صناعة الأثر.

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الدمج أم الفصل؟ كيف تتشكل خريطة الحكومة السورية المقبلة؟

بقلم:هفاف مقدسي     تضع المراحل الانتقالية، المسكونة بشغف التغيير بعد سقوط الأنظمة الشمولية، الإدارة العامة أمام اختبارٍ مفصلي يتجاوز الرغبة في التبسيط الإداري إلى ...