بقلم:
المهندس محمود محمد صقر
وقفتُ أمام حضاراتٍ سبقت، أتتبع الخيط الرفيع الذي بدأ منه سقوطها. ولم يكن سؤالي: متى سقطت؟ بل: متى بدأ فيها ما انتهى إلى السقوط؟
سألتُ سبأ:
أكان سدُّك العظيم أولَ ما سقط، أم آخرَه؟
قالت:
لم يكن السدُّ أولَ ما سقط، بل آخرَه. فقد سبق سقوطَ الحجارة سقوطُ الفكرة، وسبق انهيارَ البناء انهيارُ المعنى.
فسكتُّ، وعلمتُ…
أن الحضارة تموت في المعنى قبل أن تموت في المبنى.
سألتُ مصر:
أكان ما ورثتِه سببَ بقائك، أم سببَ غفلتك؟
قالت:
لم أُهزم يوم شحَّت مواردي، بل يوم أسرفتُ في استهلاك ما ورثتُ.
قلتُ:
أَوَيُستهلَك المجد؟
قالت:
إذا عاش الأبناء على ما بناه الآباء، ولم يبنوا ما يعيش عليه الأبناء.
فسكتُّ، وعلمتُ…
أن الحضارة ليست رصيدًا يُستهلك، بل مشروعًا يُستأنف مع كل جيل.
سألتُ آشور:
أكان بطشُك سرَّ قوتك، أم بدايةَ سقوطك؟
قالت:
لم أمت يوم حملتُ السيف، بل يوم عجزتُ عن رؤية غيره.
قلتُ:
وكيف يموت قومٌ بسيفٍ انتصروا به؟
قالت:
لأن الوسائل إذا تحولت إلى غايات، بدأت الحضارة تأكل نفسها.
فسكتُّ، وعلمتُ…
أن الوسائل خُلقت لتُستعمل، لا لتُعبد؛ فإذا صارت غايةً، بدأت نهايةُ الحضارة.
سألتُ اليونان:
أكان عقلكِ سرَّ عظمتك، أم بدايةَ سقوطك؟
قالت:
لم يُهلكني العقل، بل اليوم الذي ظنَّ أنه يكفي وحده.
قلتُ:
أويضلُّ العقل؟
قالت:
إذا انفصل عن الحكمة، صار يعرف كيف يفعل، وينسى لماذا يفعل.
فسكتُّ، وعلمتُ…
أن العقل يبني الوسائل، والحكمة تختار الغايات؛ فإذا سبق العقلُ الحكمةَ، سبق السقوطُ العمران.
سألتُ روما:
أكانت قوتُكِ في اتساع سلطانك، أم في اتساع رسالتك؟
قالت:
لم أضعف يوم اتسعت حدودي، بل يوم ضاقت غايتي حتى لم أعد أرى في الأرض إلا ما أملكه.
قلتُ:
أويُسقط الحضارةَ اتساعُها؟
قالت:
لا، وإنما يسقطها أن يصبح التوسع غايةً بعد أن كان وسيلة.
فسكتُّ، وعلمتُ…
أن الحضارة لا تُقاس بما تملكه، بل بما تمنحه؛ فإذا صار الامتلاك رسالتها، بدأت خسارتها لما تملك.
سألتُ الحضارة الإسلامية:
أكان دينُكِ سرَّ نهضتك، أم بدايةَ سقوطك؟
قالت:
لم يكن الدينُ يومًا سببَ سقوطي، بل اليوم الذي جعلتُه وسيلةً لما ليس منه.
قلتُ:
وكيف تُستعمل الهدايةُ لغير الهداية؟
قالت:
حين صار الناسُ يتنازعون بالدين أكثر مما يتزكَّون به، ويطلبون به السلطان أكثر مما يطلبون به الحق.
فسكتُّ، وعلمتُ…
أن الرسالات تُحيي الحضارات، ولكن الحضارات قد تُميت أثر الرسالات حين تجعلها خادمةً لأهوائها.
ودمتم بألف خيرٍ وصحة.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
