بقلم:مالك صقور
قال لي: إن نظرة سريعة إلى الواقع الراهن تجعل المرء مشدوهًا، ويسيطر عليه السأم والاشمئزاز والعجز أيضًا.
وتابع يقول: انظر إلى خريطة العالم، واستمع إلى الأخبار: ما زال الروس يضربون بقوة إخوتهم في أوكرانيا، وما زال الأوكرانيون يردون الصاع صاعين للروس. وانظر إلى السودان! هل تستطيع أن تعرف أو تفهم لماذا كل هذا الحقد بين أبناء البلد الواحد؟ الدين واحد، واللغة واحدة، والقومية واحدة، واللون واحد، ومع ذلك لا يجدون لحظة للتفاهم، لأن المحرضين وأصحاب المصلحة أقوى من هؤلاء الضحايا من الطرفين.
أما عن غزة، فحدّث ولا حرج… والنار الآن في الضفة الغربية. والسعودية واليمن من جديد، وتصعيد أمريكا لحربها على إيران قد احتل مواقع الأخبار، وسرق الأضواء. وما عاد المتلقي يصدق الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي! بالله عليك، لمصلحة من كل هذا؟ ومن المستفيد؟
قلت له: اسمع يا صاحبي… حين يغيب العقل، تتكلم المدافع، ويشتعل البارود، وتنتصر الغريزة. إلا أن الضحية هو الإنسان. وما تراه اليوم من عنف ومعارك، وقصف متبادل، ودمار وخراب، وضحايا بريئة، وتهجير وجوع وفقر وتشريد وخوف… ليس قدرًا، بل هو نتيجة لغياب العقل والحكمة والوعي، وهيمنة القوة، وسيطرة الغريزة.
يا صاحبي، لم تعد رائحة البارود تأتي من جهة واحدة، أو من جبهة واحدة، لقد صارت تسكن الهواء الذي نتنفسه، ويبدو أن “الإنسان” قد أتقن صناعة الموت أكثر مما أتقن صناعة الحياة.
وتذكّر معي، لقد نفق هولاكو وجنكيز خان وتيمور لنك، ومات هتلر ورحل ستالين، وقبلهم وبعدهم آلاف الطغاة الذين ظنوا أن الاستبداد والقوة والبطش يصنع الخلود، لكنهم لم يعرفوا أنهم مضوا إلى مزبلة التاريخ، التي تذكّر دائمًا بالخراب والدمار والويلات.
فهل ينظر صانعو الحروب إلى وجوههم في مرآة التاريخ؟! وهل يعرفون أن هولاكو لم يحمل إمبراطوريته إلى القبر، وأن جنكيز خان لم يحمل معه إلى قبره شيئًا، وأن هتلر انتحر في مخبئه، وستالين قضى كما غيره؟ فما الذي يجعل الحكام المعاصرين، مشعلي الحروب، يظنون أو يعتقدون أن مصيرهم سيكون مختلفًا، وأن النار التي أشعلوها لن يحترقوا بها؟! لأن البطر والعنجهية قد أعمت هؤلاء، وقد نسوا أو تناسوا أن العمر أقصر من الحقد والكراهية، وأن الموت القادم، الذي لا بد منه، لن يفرق بين منتصر ومهزوم، ولا بين غالب ومغلوب، ولا بين غني وفقير.
سيمضي الجميع، قادةً وبيادق، وربما تتغير الحدود، وتسقط إمبراطوريات وأنظمة، لكن صرخة طفل مات أهله تحت الأنقاض، ودمعة أم ثكلى مفجوعة، وقبر طفل مجهول، تبقى أفصح وأقوى من كل خطابات المنتصرين وبياناتهم.
وما أكثر العبر، وأقل الاعتبار
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

