آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (3) (((((( فقهُ القرار ))))))

باحثٌ عن تاريخِ ما بقي حيًّا (3) (((((( فقهُ القرار ))))))

بقلم: متعلِّم مع قارئه

 

المهندس محمود محمد صقر

 

كيف تنهض الحضارات من جديد؟

كيف تبدأ نهضة أمة؟

أبثروةٍ تكتشفها؟

أبمدينةٍ تبنيها؟

أم بفكرةٍ تعرف كيف تتحول إلى قرار؟

لقد اعتدنا أن ننظر إلى الحضارة بعد اكتمالها، فنحسب أن العمران هو البداية، مع أنه آخر ما يُبنى.

أما البداية الحقيقية، فهي القرار.

وليس كل قرارٍ يصنع حضارة، بل القرار الذي يولد من منهج، ويُوزن بالمآلات.

فالحضارات لا تنهض لأنها تمتلك أفضل الخيارات، بل لأنها تُحسن اختيار أفضل الممكن في كل مرحلة، ثم تتعلم من قراراتها حتى يصبح قرار الغد أفضل من قرار الأمس.

ويُحكى أن قطيعًا من الظباء بلغ نهرًا، فإذا بالنار خلفه، وفي الماء تمساح. فتوقف الجميع ينتظرون طريقًا بلا خطر.

فقال شيخ القطيع:

«ليس السؤال: كيف نعبر بلا خسارة، بل أيُّ الخسارتين تُبقي لنا غدًا نعيش فيه؟»

فعبر القطيع، ولم ينجُ الجميع، لكن الحياة نجت.

وهكذا تُختبر الأمم.

فالاستراتيجية ليست فنَّ البحث عن الخيار المثالي، بل فنُّ اختيار الممكن الذي يحفظ المستقبل، ولو لم يُرضِ الحاضر.

وليست الحكمة أن تبحث عن قرارٍ بلا ثمن؛ فذلك وهم. وإنما الحكمة أن تدفع الثمن الذي يحفظ للأمة أكبر مصالحها، ويجنبها أعظم خسائرها.

فالقرار لا يُقاس بما يحققه من مكاسب عاجلة، بل بما يمنع من خسائر بعيدة، وما يفتحه من فرصٍ للأجيال القادمة.

ولهذا لا تظهر القيادة حين يكون الحق واضحًا والباطل واضحًا، وإنما حين تكون الخيارات كلها مُرّة، ويصبح السؤال:

أيُّ المرارتين أقل؟

ومن السهل أن يختار الإنسان بين الأبيض والأسود.

أما رجل الدولة، فيُطلب منه كثيرًا أن يختار بين درجتين من الرمادي، وأن يتحمل مسؤولية ذلك أمام التاريخ.

وهنا يظهر ما يمكن أن نسميه فقه القرار.

فليس كل قرارٍ صحيحٍ صالحًا لكل زمان، ولا كل قرارٍ ناجحٍ يصلح لكل أمة.

إنما الفقه هو أن تفهم الواقع، وتعرف القيود، وتُقدِّر المآلات، ثم تختار ما يحقق أعظم المصلحة بأقل مفسدة.

فالقرار يُصنع بالمنهج، أما الاستراتيجية فتُوزن بالمآلات.

ولذلك لا تنهض الأمم بكثرة الأمنيات، ولا بكثرة الشعارات، بل بثقافةٍ تتعلم كيف تفكر، وكيف تزن، وكيف تقرر، ثم تمتلك شجاعة مراجعة نفسها كلما اكتشفت أن قرارًا جديدًا أصلح من قرارٍ سابق.

فالحضارة ليست سلسلةً من القرارات المعصومة، بل سلسلةٌ من القرارات التي تتعلم من أخطائها، حتى يصبح كل جيلٍ أقدر على حمل الأمانة من الجيل الذي سبقه.

ولذلك فإن نهضة الأمم لا تبدأ يوم تُبنى المدن، بل يوم تتعلم العقول كيف تختار
(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

عندما يصبح الوفاء تهمة… وتصبح الطاعة بطولة زائفة!!

بقلم: جمعان علي العمير       في زمنٍ اختلطت فيه المعايير، وصارت القيم تُقاس بميزانٍ مقلوب، نكتشف أن الوفاء لم يعد فضيلةً تُكرَّم، بل ...