أغيد أبو زيد
ما يزال تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني بين الحكومة السورية من جهة، وتنظيم “قسد” من جهة ثانية، يشهد عراقيل متزايدة نتيجة وجود انقسام واضح بين تيار يدفع نحو إتمام تنفيذ الاتفاق مع دمشق باعتباره خيارا واقعيا، وتيار آخر يعمل على انهيار الاتفاق والعودة إلى المربع الأول، حفاظا على مصالحه بعد أن فقد مصادر تمويله.
ويحاول التيار الرافض إثارة المجتمع المحلي ضد الحكومة السورية، من خلال توظيف ضعف الخدمات والأوضاع الاقتصادية، رغم أنها بقيت على حالها خلال سنوات من سيطرة “قسد” على المنطقة، ولم يعمل التنظيم، وما تسمى “الإدارة الذاتية”، على إصلاحها وتطويرها، رغم العوائد المالية الكبيرة لآبار النفط والغاز وموارد أخرى. إذ إن أزمة الخدمات في الجزيرة السورية هي نتيجة تراكمات سنوات طويلة من سيطرة “قسد”، التي كانت تدير المنطقة بأكملها على مدار سنوات.
يأتي ذلك بينما تصر الحكومة السورية على تنفيذ بنود الاتفاق وإنهاء عملية الدمج، من خلال احتواء التوترات وعدم العودة إلى التصعيد العسكري، رغم القدرة على حسم هذا الملف عسكريا خلال أيام، إلا أن ذلك لا ينسجم مع النهج المتبع في مرحلة ما بعد التحرير، وإعطاء الأولوية للمسار السياسي.
دمشق ملتزمة بالاتفاق
مضى على دخول اتفاق 29 كانون الثاني حيز التنفيذ أكثر من ثلاثة أشهر، حيث شهد التزاما لافتا من الجانب الحكومي بتعيين اثنين من قياديي “قسد”، الأول نور الدين أحمد محافظا للحسكة، والثاني سيبان حمو، معاونا لوزير الدفاع لشؤون المنطقة الشرقية، ناهيك عن إتمام بنود أخرى تتعلق بعودة مهجري عفرين ومناطق أخرى إلى منازلهم، والإفراج عن عناصر “قسد” الموقوفين لدى الأمن العام السوري.
وعادت أمس السبت مئات العائلات من محافظة الحسكة إلى قراهم وبلداتهم في منطقة عفرين بريف حلب، بعد سنوات من النزوح. وقالت مديرية إعلام الحسكة إن القافلة، التي انطلقت بإشراف الفريق الرئاسي، تضم نحو 1200 عائلة من أهالي عفرين، مشيرة إلى أن عناصر الأمن الداخلي في محافظتي الحسكة وحلب يرافقون القافلة، بالتنسيق مع وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث، التي تعمل على توفير الدعم والمستلزمات اللازمة خلال الرحلة.
ومنذ بدء تنفيذ الاتفاق، عادت نحو 1400 عائلة من نازحي عفرين في محافظة الحسكة إلى مناطقهم الأصلية، إذ عادت أول دفعة مطلع آذار الماضي، بينما تتواصل حركة العودة ضمن مسار تدريجي مواز لمسارات أخرى من إطلاق سراح معتقلي “قسد” ودمج مقاتلين ضمن الجيش العربي السوري، مع تقديم تسهيلات حكومية، ما يعكس الحرص على إتمام تنفيذ الاتفاق.
واندمجت أربعة ألوية من “قسد” رسميا ضمن الجيش السوري، موزعة على الحسكة والقامشلي وديريك وعين العرب، بينما تجري “مناقشة ودراسة كيفية التحرك لاستيعاب هذه الأعداد، سواء عبر كتائب أو ملحقات للألوية المتشكلة، أو ألوية إضافية أو أفواج لتكون منخرطة في الجيش السوري”، بحسب تصريح أدلى به معاون وزير الدفاع، سيبان حمو، مطلع أيار الجاري.
أما فيما يخص ملف المعتقلين، فقد أفرجت الحكومة السورية، يوم الجمعة الفائت، عن دفعة جديدة من الموقوفين لديها. وقال نائب محافظ الحسكة، أحمد الهلالي، إنه جرى إخلاء سبيل 232 موقوفا من “قسد” ممن اعتقلوا في الأحداث الأخيرة، مشيرا إلى أن “هذا الإجراء يأتي ضمن استكمال تنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني الذي ينص على إطلاق جميع المعتقلين”. وهذه ليست الدفعة الأولى من معتقلي “قسد”، حيث جرى إطلاق سراح آخرين في وقت سابق، ممن جرى توقيفهم خلال عمليات إنفاذ القانون.
وكان وفد من وزارة العدل برئاسة النائب العام للجمهورية العربية السورية، القاضي المستشار حسان التربة، تسلم في 19 نيسان الماضي القصر العدلي بمدينة الحسكة، والسجن المركزي في حي غويران، واطلع على أوضاع النزلاء، تمهيدا لإنشاء مكتب قانوني يتبع للنيابة العامة في وزارة العدل لمتابعة شؤونهم.
تيار يعرقل مسار الاندماج
في وقت يسير فيه تطبيق اتفاق 29 كانون الثاني بشكل جيد، بدءا من إتمام تشكيل أربع فرق عسكرية، وعودة نازحي عفرين، والإفراج عن المعتقلين، وانتهاء باستلام المنافذ والبنية التحتية، تظهر أطراف تعرقل تنفيذ الاتفاق وتحاول إثارة المجتمع المحلي، ما يحتم على “قسد” لعب دور حاسم بهذا الشأن.
إذ يعمل تيار داخل “قسد” على إفشال الاتفاق والعودة إلى المربع الأول، للحفاظ على مصالحه الاقتصادية وعدم خسارة النفوذ العسكري والأمني، إذ تكمن أهداف هذا التيار في “الحفاظ على مصالحه الضيقة وزيادة فرص الحفاظ على نفوذ حزب الـ”PKK” في سوريا وتوسيع الهوة بين الحكومة السورية ومنظومة قسد لجعل الصراع صفريا”، وفق حديث الباحث السياسي والكاتب في الشأن السوري محمد ولي لصحيفة “الثورة السورية”.
ويضيف ولي أنه “مع بداية توقيع اتفاق العاشر من آذار لعام 2025 بين الرئيس أحمد الشرع من جهة، وقائد قسد مظلوم عبدي من جهة ثانية، ظهر جليا تيار معطل مؤلف من مجموعة من الأشخاص في مناصب وأدوار متعددة، يمكن وصفه بالتيار المتضرر في حال تطبيق بنود الاتفاق. فهؤلاء يفقدون كثيرا من الأدوار والصلاحيات، سواء من جهة السيطرة واحتكار السلطة والتمثيل، أو من جهة إظهار الحقائق على مدار 14 عاما، رغم أنهم لم يقدموا للمجتمعات المحلية أي نموذج إداري أو اقتصادي ناجح. وبالتالي تتسع الفجوة بينهم وبين الأهالي الذين استنزفوا مقدراتهم وأولادهم في سرديتهم التي كانت قائمة على المقاومة والأمة الديمقراطية والارتباط بأجندات حزب العمال الكردستاني التركي”.
ويشير إلى أن “استمرار هذا التيار المعطل دفع الأمور إلى التصادم العسكري في أحياء الأشرفية والشيخ مقصود في حلب، وكذلك في بعض مناطق محافظة الحسكة إلى جانب منطقة عين العرب/كوباني، والتي حسمت بموجبها الحكومة السورية فرض واقع جديد أدى إلى انسحاب قسد وإعادة توقيع اتفاقية جديدة في 29 كانون الثاني لعام 2026”.
ويعمل التيار ذاته على محاولة تعطيل مسار اتفاق كانون الثاني بتحريض المجتمع المحلي على الخروج بمظاهرات وتأجيج الرأي العام ضد الدولة تارة، والاعتداء على المؤسسات الحكومية والعلم السوري تارة أخرى، في محاولة لابتزاز الحاضنة الشعبية أيضا والعودة إلى التصادم العسكري، لكن كل تلك المحاولات باءت بالفشل.
واعتدى عناصر ما تسمى “الشبيبة الثورية” عدة مرات على مبنى القصر العدلي في الحسكة، وأقدموا على تمزيق اللوحة التعريفية والشعار الوطني واسم “الجمهورية العربية السورية” والدوس عليهما، وفق ما أظهرت مقاطع مصورة، بحجة تغييب اللغة الكردية من اللوحة التعريفية الجديدة.
وأوضح معاون محافظ الحسكة، أحمد الهلالي، ما أسيء فهمه حول وضع لافتة على مبنى قصر العدل في الحسكة لا تتضمن اللغة الكردية، وقال في منشور عبر “فيس بوك” إن “القصر العدلي يمثل مؤسسة رسمية تجسد العدالة والالتزام بالقوانين النافذة في الدولة السورية. وبحسب المرسوم رقم /13/، تعد اللغة الكردية لغة وطنية، ويسمح بتدريسها في المدارس الحكومية والخاصة في المناطق التي يشكل فيها الكرد نسبة ملحوظة من السكان، ضمن المناهج الاختيارية أو الأنشطة الثقافية والتعليمية”.
وأضاف: “في المقابل، تعد اللغة العربية اللغة الرسمية الوحيدة في الجمهورية العربية السورية، وفق الدستور والتشريعات النافذة، ويلزم القانون باستخدامها في المؤسسات الرسمية، والتعليم، والتوثيق القانوني والمعاملات الرسمية. كما تعتبر حماية اللغة العربية، واعتمادها حصرا في المخاطبات والمعاملات الرسمية، جزءا من سيادة الدولة والنظام العام”.
وأكد أن “هذه القوانين النافذة لا يمكن تجاوزها في المرحلة الحالية وفق الإعلان الدستوري، إلا من خلال تعديلات دستورية وقانونية مستقبلية تقر ضمن المؤسسات التشريعية المختصة، وفي مقدمتها مجلس الشعب السوري المنتظر انعقاده قريبا”.
وفي ظل هذه الاستفزازات، فإن ما يجري لن يعرقل مسار الدمج الذي سلك طريقا جيدا وحقق نجاحا في عدة مراحل، الأمر الذي يؤكد أن الحكومة تتمسك باتفاق 29 كانون الثاني، ولن تسمح للشعبويين ومثيري الشغب بتعطيل الاتفاق. وهذا يظهر من خلال تجاهل تلك الأفعال والمضي قدما في التنفيذ، بينما يحافظ الفريق الحكومي على قنوات الاتصال مفتوحة مع قيادة “قسد”، ويجري اجتماعات دورية بهدف تذليل العقبات.
من هو التيار المعطل؟
منذ بداية تشكيله، لم يكن تنظيم “قسد” كتلة واحدة متجانسة، بل كان يضم أجنحة سياسية وعسكرية وأمنية مختلفة تتبع لعدة شخصيات نافذة داخل التشكيل، في حين ترتبط بعض القيادات بـ”حزب العمال الكردستاني” الموضوع على قوائم الإرهاب، إلى جانب ارتباطات إقليمية ودولية. وهذا التيار متضرر من الاتفاق مع الحكومة السورية، حيث كان يعتمد في تمويله بشكل أساسي على تجارة المحروقات وتهريبها خارج الحدود، إلى جانب سيطرته على موارد أخرى.
ووفق الناشطة السياسية ميديا حمدوش، فإن التيار الرافض لعملية الاندماج يضم بشكل أساسي المجموعات المرتبطة عقائديا وتنظيميا بـ”حزب العمال الكردستاني” داخل “قسد”، إضافة إلى شخصيات وقوى استفادت خلال سنوات الحرب من حالة الانفصال والفوضى وغياب سلطة الدولة. ويرى هذا التيار أن نجاح اتفاق 29 كانون الثاني يعني نهاية النفوذ العسكري والأمني الذي راكمه خلال السنوات الماضية، لذلك يعمل على عرقلة تنفيذ الاتفاق عبر التصعيد الإعلامي والأمني ومحاولة خلق توترات مستمرة.
وتتمثل أهدافه، بحسب حديث حمدوش لصحيفة “الثورة السورية”، في الحفاظ على البنية العسكرية الحالية، ومنع عودة مؤسسات الدولة بشكل كامل إلى مناطق شمال وشرق سوريا، والإبقاء على حالة الاستثناء التي تسمح له بالتحكم السياسي والعسكري والاقتصادي. فبعد التغيرات العسكرية الأخيرة وتقدم الدولة السورية في عدة مناطق، بات واضحا أن مشروع الإدارة المنفصلة لم يعد قابلا للاستمرار بالشكل السابق، لذلك تخشى هذه المجموعات من فقدان السيطرة على القرار الأمني والعسكري، ومن انتهاء حالة الاقتصاد الموازي والسلاح المنفلت.
كما أن بعض أذرع “العمال الكردستاني” ترى في أي استقرار داخل سوريا تهديدا مباشرا لمشروعها القائم على استمرار التوتر والصراع، لأن الفوضى تمنحها مساحة للبقاء وإعادة التموضع، وفق حمدوش. وتشير إلى أن “جزءا كبيرا من المسؤولية تتحمله القيادات داخل قسد، التي سمحت بتغول التيار العقائدي والعسكري على حساب المشروع السياسي السوري المحلي، إضافة إلى منح أذرع العمال الكردستاني نفوذا واسعا داخل المؤسسات الأمنية والعسكرية”.
وبرز اسم “الشبيبة الثورية” في إثارة الشغب والاعتداءات مؤخرا، إذ تعد من بين المتضررين من اتفاق 29 كانون الثاني، حيث كانت تتلقى رواتب كميليشيات رديفة وجرى إيقافها. وترتبط “الشبيبة الثورية” أيديولوجيا وهيكليا بشكل مباشر بـ”حزب العمال الكردستاني”، وارتبط اسمها على مدار السنوات الماضية بملفات انتهاكات واسعة، من عمليات خطف الفتيات وتجنيد الأطفال وقمع المعارضة الكردية والاعتداء على مكاتب “المجلس الوطني الكردي”، إلى جانب أنشطة أخرى.
وساهمت سنوات الحرب الطويلة وتعدد الأجندات في خلق هذا الواقع، لكن اليوم، ومع وجود إدارة سورية جديدة تحاول الوصول إلى تسويات تمنع إراقة الدماء وتعيد دمج المناطق ضمن الدولة، أصبحت هذه القوى تشعر بأن نفوذها مهدد بشكل مباشر، لذلك تحاول تعطيل الاتفاق أو تفريغه من مضمونه.
ما المطلوب من “قسد”؟
في ظل التزام الحكومة السورية التام بتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني، يتوجب على “قسد” تحمل المسؤولية في كبح جماح من يحاول تعطيل الاتفاق وإبقاء محافظة الحسكة ومناطق أخرى في حالة عدم استقرار، نتيجة محاولة نشر الفوضى من قبل مجموعات تحمل أجندات عابرة للحدود.
ويرى الباحث السياسي محمد ولي أن “المطلوب من قسد إتمام عملية الاندماج، وهو ما يصب في صالح وحدة واستقرار البلاد، وإبعاد سيناريو التصعيد العسكري، وبالتالي عدم إراقة مزيد من الدماء وإزهاق الأرواح، والعمل على تعزيز المشروع الوطني وزيادة فرص التماسك المجتمعي وتنمية المنطقة ككل”.
ويشير ولي إلى أن “قيادة قسد في المرحلة الراهنة تبدي انخراطها في تنفيذ الاتفاقية والاندماج ضمن المؤسسات الأمنية والعسكرية للدولة السورية، وما زالت الخطوات بطيئة على صعيد المؤسسات الإدارية والخدمية. ومن جهة أخرى، ينبغي على الحكومة اتباع مزيد من الخطوات الانفتاحية واتباع نهج السخاء الوطني تجاه هذه المناطق وأهاليها على صعيد التطمينات في الحقوق والمشاركة والتمثيل من جانب، ودعم مشاريع النهوض بهذه المناطق المهمشة على مدار ستة عقود، والتواصل المباشر مع الفعاليات المجتمعية والسياسية فيها من جانب آخر”.
وتتفق معه الناشطة السياسية ميديا حمدوش في أن “المطلوب أولا الالتزام الكامل ببنود اتفاق 29 كانون الثاني وتنفيذها من دون مماطلة أو محاولات لإعادة تفسير الاتفاق بما يخدم بقاء الهياكل العسكرية الحالية”، معتبرة أن نجاح الاندماج يتطلب “فك الارتباط التنظيمي مع حزب العمال الكردستاني، وحصر السلاح بيد الدولة السورية، وتسليم المؤسسات والمعابر والملفات الأمنية بشكل كامل، وإنهاء دور المجموعات المتشددة مثل الشبيبة الثورية، والتحول من مشروع عسكري إلى شراكة سياسية ضمن الدولة السورية الجديدة”.
وتضيف لصحيفة “الثورة السورية” أن “الحكومة السورية الحالية قدمت خيار التسوية والاندماج لتجنب الحرب وإراقة الدماء، لكن استمرار بعض الأطراف في عقلية الفوضى والتصعيد قد يهدد هذا المسار، رغم أن الوقائع الميدانية الأخيرة أظهرت أن خيار الدولة هو المسار الذي يتقدم على الأرض”.
بناء على ذلك، فإن استمرار محاولات إبقاء المنطقة في حالة عدم استقرار من خلال مجموعات مرتبطة أيديولوجيا بتنظيمات عابرة للحدود، تحاول استمرار النفوذ في سوريا، لن يستمر طويلا، في ظل إصرار الحكومة السورية على إحكام السيطرة على البلاد، تمهيدا للدخول في مرحلة النهوض الاقتصادي، في وقت ما تزال الفرصة متاحة أمام “قسد” للحفاظ على بعض المكتسبات من خلال اتفاق 29 كانون الثاني، الذي حظي بترحيب دولي وأممي، ما يحتم عليها وضع حد للقوى الرافضة للاندماج.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
