آخر الأخبار
الرئيسية » كلمة حرة » سوريا على مفترق المصير: إما وطنٌ يجمعنا أو فتنةٌ تلتهم الجميع

سوريا على مفترق المصير: إما وطنٌ يجمعنا أو فتنةٌ تلتهم الجميع

 

 

بقلم : جمعان علي العمير

 

في زمنٍ تتزاحم فيه التحديات وتتعاظم فيه الأخطار، تقف سوريا اليوم أمام اختبارٍ وطني وأخلاقي من أخطر ما مرت به عبر تاريخها الحديث. إنها لحظة فارقة لا تحتمل التردد، ولا تسمح بالمجاملات أو الحسابات الضيقة، لأن الرهان لم يعد على قضية عابرة أو خلاف مؤقت، بل على مستقبل وطنٍ بأكمله، وعلى أمن أبنائه واستقرار أجياله القادمة. وبين صوت الحكمة الذي ينادي بالوحدة والتكاتف، وصوت الفتنة الذي يسعى إلى بث الكراهية وإشعال نار الطائفية، يقف السوريون أمام مسؤولية تاريخية تفرض عليهم أن يختاروا الطريق الذي يحفظ الأرض والإنسان والدولة.

 

لقد أدرك السلف الصالح خطورة الفتن وما تخلّفه من دمارٍ في المجتمعات، فقالوا: “الفتنة نائمة، لعن الله من أيقظها”. ولم تكن هذه الكلمات مجرد حكمة عابرة، بل خلاصة تجارب إنسانية طويلة أثبتت أن الفتن عندما تستيقظ لا تعرف حدوداً ولا تميّز بين أحدٍ وآخر، بل تمتد لتصيب الجميع، وتحوّل الأوطان من ساحات بناءٍ وعطاء إلى ميادين نزاعٍ وخراب.

 

ولقد جاء الإسلام ليضع حرمة الإنسان فوق كل اعتبار، فقال الله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]. إنها رسالة ربانية عظيمة تؤكد أن حفظ الدماء وصون الكرامة الإنسانية هو الأساس الذي تُبنى عليه المجتمعات المستقرة، وأن الاعتداء على إنسان واحد هو جريمة بحق الإنسانية جمعاء، فكيف إذا تحولت الفتنة إلى مشروع يهدد مجتمعاً بأكمله ووطنًا بأسره؟

 

إننا اليوم في سوريا نقف بالفعل على حافة الهاوية؛ فإما أن نمد أيدينا نحو بعضنا البعض لننقذ وطننا وأبناءنا ومؤسسات دولتنا من السقوط في مستنقع الانقسام والكراهية، وإما أن نترك المجال لأصوات التحريض والتعصب كي تعبث بمصير شعبٍ دفع خلال سنوات طويلة أثماناً باهظة من الدماء والدموع والمعاناة. وما أحوجنا اليوم إلى أن نتعلم من دروس الماضي، وأن ندرك أن الفتنة لا تصنع نصراً لأحد، وأن الطائفية لا تؤسس دولة، وأن الكراهية لا يمكن أن تكون طريقاً إلى الأمن والاستقرار.

 

إن قوة سوريا لم تكن يوماً في تنوعها فحسب، بل في قدرتها على تحويل ذلك التنوع إلى مصدر غنى وقوة وتكامل. فالسوريون، مهما اختلفت انتماءاتهم ومذاهبهم وأعراقهم ومناطقهم، يجمعهم وطن واحد وتاريخ واحد ومصير واحد. وعندما يضعف هذا الإدراك الوطني الجامع، تصبح الأوطان أكثر عرضة للخطر، ويصبح المجتمع فريسة سهلة لكل من يسعى إلى تمزيقه وإضعافه.

 

ولذلك فإن المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق الدولة وحدها، بل هي واجبٌ وطني وأخلاقي يشارك فيه الجميع؛ العلماء والمثقفون والإعلاميون ووجهاء المجتمع والشباب والنساء وكل صاحب كلمة أو تأثير. فالكلمة قد تكون جسراً يعبر عليه الناس نحو التفاهم، وقد تكون شرارة تشعل نزاعاً لا ينتهي. ومن هنا يصبح لزاماً على الجميع أن يرفعوا صوت العقل فوق ضجيج التعصب، وصوت الانتماء الوطني فوق كل الانتماءات الضيقة، وأن يتصدوا بحزم لكل خطاب يسعى إلى زرع الفتنة أو تغذية الكراهية بين أبناء الوطن الواحد.

 

إن التاريخ يعلمنا أن الأوطان لا تسقط عندما تواجه الأزمات، بل عندما ينقسم أبناؤها على أنفسهم، وعندما تتحول خلافاتهم إلى صراعات تهدد وجودهم المشترك. وما تزال الفرصة قائمة أمام السوريين ليكتبوا صفحة جديدة عنوانها المصالحة والتكاتف والعمل المشترك من أجل بناء وطن قوي، آمن، ومستقر، يشعر فيه كل مواطن بأنه شريك في الحاضر وصانع للمستقبل.

 

وفي هذه اللحظة الحساسة من عمر الوطن، لا بد أن نتذكر أن سوريا أكبر من كل الخلافات، وأسمى من كل الحسابات الضيقة، وأن الدم السوري أغلى من أن يكون وقوداً لمعارك الكراهية والانقسام. فالوطن أمانة في أعناق أبنائه جميعاً، وحماية السلم الأهلي مسؤولية لا تحتمل التردد أو التأجيل.

 

إن المعركة الحقيقية اليوم ليست بين أبناء الوطن الواحد، بل بين الوعي والجهل، بين الحكمة والتهور، بين البناء والهدم. فإما أن ننتصر لسوريا الموحدة الآمنة المستقرة، وإما أن نمنح الفتنة فرصة لتمزيق ما عجزت عن تمزيقه سنوات المحن. ولذلك فإن الواجب الوطني يحتم علينا جميعاً أن ندفن الفتنة قبل أن تدفن أحلام أبنائنا، وأن نحمي وحدتنا قبل أن نخسر مستقبلنا، وأن نجعل من المحبة والتسامح والتكاتف سبيلاً نحو الغد الذي تستحقه سوريا. فالأوطان تبقى ما بقيت وحدة أبنائها، وتنهض ما نهضت إرادتهم، وستبقى سوريا قوية عصية على الانكسار ما دام أبناؤها يؤمنون أن الوطن يجمعهم جميعاً، وأن وحدته هي طريق النجاة ومستقبل الأجيال القادمة.

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين يتجاوز الإعلامي قواعد المهنة: من يعلّم من؟

  أسيمة حسن     لستُ مع بولا يعقوبيان، ولستُ مع مارسيل غانم، ولا أرى في هذا السجال مناسبة للاصطفاف مع أحدهما ضد الآخر. فالمسألة، ...