آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » سورية بين الأمل والقلق

سورية بين الأمل والقلق

 

 

إعداد القاضي المتقاعد حسين حمادة

مدير المركز السوري للدراسات القانونية

 

هناك لحظات في حياة الشعوب تبدو أشبه بالأحلام المستحيلة، حتى إذا تحققت وقف الناس أمامها غير مصدّقين أنها أصبحت واقعًا. وبالنسبة لي، كما بالنسبة لملايين السوريين، كانت نهاية النظام الأسدي واحدة من تلك اللحظات التاريخية الاستثنائية.

 

لم يكن كثير من السوريين يتصورون أنهم سيعيشون حتى يروا نهاية منظومة الأسد التي جثمت على صدر سورية لعقود طويلة، وأحاطت نفسها بالشبيحة والميليشيات الطائفية وشبكات النفوذ الخارجي. وهي منظومة أهدرت سيادة البلاد، وبددت استقرارها، ورهنت مستقبل أجيالها، فيما كانت ترسخ أركان القمع والفساد والاستبداد، وتُحكم سيطرتها على الدولة والمجتمع.

 

كنا نظن أن هذه اللحظة مؤجلة إلى زمن آخر، وأن أبناءنا أو أحفادنا هم من سيشهدونها. لكن إرادة الله شاءت أن نراها بأعيننا، وأن نعيش نهاية مرحلة كاملة من تاريخ سورية. لذلك كانت الفرحة عارمة واستثنائية، لأنها لم تكن مجرد انتصار سياسي، بل كانت فرحة شعب ظنّ أنه بدأ أخيرًا يخرج من نفق طويل من الخوف والمعاناة.

 

وزادت مساحة الأمل مع التصريحات الأولى للقيادة الجديدة، والخطابات التي تحدثت عن الدولة والعدالة والمواطنة وسيادة القانون والشراكة الوطنية. شعر السوريون آنذاك بأن بابًا جديدًا قد فُتح أمامهم، وأن الفرصة أصبحت متاحة لبناء وطن يتسع للجميع، بعيدًا عن الإقصاء والاستبداد والاستئثار بالسلطة.

 

غير أن المشهد، ومع مرور الوقت، بدأ يثير لدى كثيرين تساؤلات وقلقًا متزايدًا. فبدلًا من أن يسود الأمن والاستقرار بصورة شاملة، اتسعت في بعض المناطق مظاهر الفوضى والانفلات. وبدلًا من أن تتقدم ملفات العدالة الانتقالية ومحاسبة مجرمي الحرب وفق القانون، بدأت تظهر مؤشرات مقلقة توحي بأن بعض المتورطين يُعاملون بوصفهم شخصيات عامة لا باعتبارهم مسؤولين عن جرائم جسيمة.

 

كما استمرت الأزمات الاقتصادية والمعيشية، وتفاقمت البطالة واتسعت دائرة الفقر، بينما انشغل الخطاب العام أحيانًا بمشاريع وأفكار بعيدة عن الأولويات الحقيقية للمواطن السوري.

ومع مرور الوقت، تشكل لدى شريحة واسعة من السوريين انطباع متزايد بأن القرار العام يتركز تدريجيًا في دائرة سياسية ضيقة، وأن مؤسسات الدولة تُبنى وفق منطق الغلبة أكثر مما تُبنى وفق منطق الشراكة الوطنية. وهذا الواقع ولّد حالة من التوجس وعدم الرضا، وساد الصمت لدى كثيرين. غير أن الصمت في مثل هذه الظروف ليس بالضرورة علامة رضا، بل قد يكون لغة الخيبة أو انعكاسًا لفقدان الثقة بجدوى الكلام.

وفي المقابل، من الخطأ الاعتقاد بأن عودة النظام السابق ما زالت احتمالًا واقعيًا. فهذه المنظومة فقدت شرعيتها السياسية والاجتماعية، وأسقطها الشعب السوري بعد عقود من المعاناة، وأصبح الرهان على عودتها ضربًا من الوهم السياسي الذي لا يستند إلى معطيات حقيقية.

لكن الوهم الآخر لا يقل خطورة، وهو الاعتقاد بأن سورية قد تجاوزت بالفعل مرحلة الخطر ووصلت إلى شاطئ الأمان. فالحقيقة أن البلاد ما تزال تواجه تحديات عميقة ومعقدة، وأن الطريق نحو الاستقرار الحقيقي ما يزال طويلًا وشاقًا.

وما أخشاه شخصيًا أكثر من أي شيء آخر هو خطر “الفراغ القيادي”، فهذا النوع من الفراغ يُعد من أخطر المراحل التي يمكن أن تمر بها الدول الخارجة من النزاعات؛ إذ يفتح الباب أمام الفوضى، ويُغري القوى الخارجية بالتدخل والتنافس على النفوذ، كما يهيئ البيئة الاجتماعية المناسبة لاندلاع صراعات داخلية قد تهدد وحدة البلاد ومستقبلها.

ومن هنا تبدو سورية اليوم واقفة بين خطر الفراغ القيادي ومسؤولية الشراكة الوطنية. وتجنب هذا السيناريو لا يتحقق إلا عبر معادلة وطنية متوازنة تقوم على مسؤولية مشتركة بين القيادة الحالية والنخب الوطنية والثورية ومختلف القوى المجتمعية.

فالقيادة مطالبة بإدراك أن بناء الدولة لا يمكن أن يتم بعقلية الاحتكار أو الإقصاء، بل عبر الانفتاح على جميع السوريين في مختلف المناطق والانتماءات. فسورية ليست ملكًا لفئة أو حزب أو تيار أو منطقة، والدولة التي تُدار بمنطق الغلبة قد تفرض السيطرة لبعض الوقت، لكنها لا تستطيع إنتاج استقرار دائم أو بناء شرعية وطنية راسخة.

كما أن النخب الوطنية والثورية وقوى المعارضة الوطنية تقع عليها مسؤولية لا تقل أهمية؛ إذ لا يجوز لها أن تكون الناقد الدائم أو أن تتخذ موقف المتفرج، بل ينبغي أن تنتقل من موقع الاحتجاج إلى موقع المشاركة في بناء الدولة، من خلال تقديم الرؤى والبرامج والخبرات والحلول الواقعية، بعيدًا عن الارتهان للخارج أو الاستقواء به في الصراعات الداخلية.

ويمكن أن نطلق على ذلك اسم “معادلة التوازن الوطني”، وهي المعادلة التي تقوم على الشراكة الحقيقية بين الدولة والمجتمع، وبين القيادة والقوى الوطنية، وبين مختلف المكونات السورية. فالدولة لا تُبنى بالإقصاء، ولا تستقر بالهيمنة، ولا تتعافى بالانفراد بالقرار.

ومن هنا، فإن المدخل الحقيقي لأي إصلاح جاد يجب أن يبدأ بالإصلاح السياسي، بوصفه الأساس الذي تُبنى عليه الإصلاحات الأخرى (الاقتصادية والإدارية والقانونية)، الأمر الذي يتطلب إنضاج مشروع وطني يشارك فيه جميع السوريين. وهذا يفرض الحاجة إلى إطلاق “حوار وطني”شامل يمتد لفترة زمنية كافية، تشارك فيه القوى السياسية والفعاليات المجتمعية والنقابية والثقافية والكفاءات الوطنية في الداخل والخارج، بهدف مناقشة القضايا المصيرية التي تواجه البلاد وصياغة رؤية مشتركة لمستقبلها.

وحتى يكون هذا الحوار الوطني ناجحًا وفاعلًا وقادرًا على تحقيق الأهداف المرجوة منه، ينبغي أن تشرف عليه لجنة وطنية مستقلة تضم شخصيات مشهودًا لها بالكفاءة والنزاهة والمصداقية، وتمثل مختلف المحافظات والمكونات السورية، وتتولى المهام الآتية:

إعداد مشروع ميثاق وطني جامع يُطرح للنقاش العام على أوسع نطاق، ثم يُعرض على المؤتمر الوطني لإقراره واعتماده.

تشكيل لجان فرعية تضمن تمثيلًا حقيقيًا ومتوازنًا لمختلف فئات المجتمع السوري، تتولى التواصل مع ممثلي المحافظات والمكونات الوطنية والقوى السياسية والفكرية ومنظمات المجتمع المدني، واستقطابهم للمشاركة بوصفهم أعضاء أصيلين في المؤتمر الوطني.
ويُشكّل المؤتمر الوطني، من خلال هذا التمثيل الشامل، منصة جامعة للحوار والتوافق على المبادئ والقيم والأسس العامة التي تقوم عليها سورية المستقبل، بما يرسخ وحدة البلاد ويؤسس لدولة المواطنة وسيادة القانون والعدالة.

كما ينبغي أن يتمخض عن هذا المؤتمر ما يلي:

أولًا: اعتماد ميثاق وطني

يكون بمثابة دستور مؤقت للبلاد.

ثانيًا: تشكيل هيئة وطنية تمثيلية

محدودة العدد، تتولى الإشراف على المرحلة الانتقالية، وتساهم في تأسيس المؤسسات الدستورية والسياسية اللازمة، بما يشمل تشكيل:

حكومة وحدة وطنية تكنوقراط.

هيئة فعالة للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية.

هيئة تشريعية متخصصة.

مجلس قضاء أعلى مستقل.

محكمة دستورية.

جمعية تأسيسية تتولى إعداد دستور جديد يعبر عن إرادة السوريين جميعًا، أو على الأقل وضع معايير تشكيلها.
عندها فقط يمكن القول إن سورية انتقلت فعلًا من مرحلة إسقاط النظام إلى مرحلة بناء الدولة، ومن فرحة الانتصار على الماضي إلى الاطمئنان على المستقبل.

ومن نافلة القول إن الانتقال إلى مرحلة الاستقرار يقتضي إيجاد أرضية قانونية تمهد لحياة سياسية سليمة تسمح بالانتقال إلى مرحلة الاستقرار. وهذا يقتضي، حسب رأيي، إعداد وإقرار القوانين الخمسة التالية:

قانون مجلس النواب.

قانون الأحزاب.

قانون الانتخابات.

قانون العزل السياسي.

قانون العدالة الانتقالية.
على أن تُبنى هذه القوانين على القواعد والأسس التالية:

أولًا: قانون مجلس النواب

يحدد شكل السلطة التشريعية (مجلس واحد أو مجلسان)، ويبين تكوينها واختصاصاتها وضمانات استقلالها، وآليات ممارسة التشريع والرقابة والمساءلة، والمشاركة في صناعة القرار الوطني، بعيدًا عن الهيمنة التنفيذية أو الأمنية.

ثانيًا: قانون الأحزاب السياسية

يؤسس لحياة حزبية حقيقية تقوم على التعددية السياسية والتنافس السلمي والشفافية المالية والديمقراطية الداخلية، مع منع قيام الأحزاب على أسس طائفية أو عرقية أو مناطقية أو عسكرية، حفاظًا على وحدة الدولة والمجتمع.

ثالثًا: قانون الانتخابات العامة

يمنح الشرعية للمؤسسات المنتخبة، ويضمن نزاهة العملية الانتخابية وتكافؤ الفرص بين المرشحين، ويُبنى على الدوائر الانتخابية المصغرة والتمثيل النسبي، ويكرّس الرقابة القضائية والاستقلال الإداري للعملية الانتخابية، بما يسمح بوجود تمثيل شعبي حقيقي يعكس إرادة السوريين بعيدًا عن التزوير أو الاحتكار أو التأثير الأمني.

رابعًا: قانون العزل السياسي

وهو أحد أدوات حماية المرحلة الانتقالية من إعادة إنتاج شبكات الفساد والاستبداد التي أفسدت مؤسسات الدولة وشاركت في الانتهاكات الجسيمة بحق المجتمع. فالعزل السياسي يُعد وسيلة قانونية مؤقتة تهدف إلى حماية الدولة ومنع عودة أدوات النظام السابق إلى التحكم بمفاصلها، ضمن ضوابط قانونية وقضائية واضحة.

خامسًا: قانون العدالة الانتقالية

وهو القانون الذي يشكل المدخل الحقيقي لمعالجة آثار المرحلة السابقة، عبر كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا وجبر الضرر والمساءلة القانونية واستعادة الثقة بالمؤسسات وتحقيق المصالحة المجتمعية على أسس العدالة وسيادة القانون، إضافة إلى تطوير المنظومة القانونية وتطهير مؤسسات الدولة من الفساد والانتهاكات.

المحصلة

إن إصدار هذه القوانين الخمسة وفق الأسس والقواعد المبينة أعلاه يمثل بداية فعلية تمهد لحياة سياسية سليمة ومسارًا موضوعيًا للانتقال من دولة الاستبداد إلى دولة المؤسسات والقانون والمواطنة. أما تأجيل إصدارها، فيعني عمليًا استمرار الأزمة وبقاء السلطة مهددة بالانزلاق نحو الاستبداد مجددًا

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

وزارة العدل: غرف قضائية متخصصة لتسريع إجراءات المحاسبة والعدالة الانتقالية

أعلنت وزارة العدل تخصيص غرف قضائية مختصة بمسار العدالة الانتقالية في كل عدلية بالمحافظات السورية، وذلك عقب الاجتماع الموسع الذي عقده وزير العدل مظهر الويس، اليوم الأحد، ...