بقلم: جمعان علي العمير
الحرب لم تمزّق الهوية السورية فحسب، بل مزّقت العمود الفقري الذي كان يحمل هذا الوطن، فصار السوري يعرف نفسه بما نجا منه، لا بما ينتمي إليه. وتحوّلت الجغرافيا إلى جزرٍ صغيرة؛ كل جزيرةٍ تبحث عن خلاصها الخاص: مدينةٌ تتقوقع خلف إسفلتها، وريفٌ يشدّ ترابه حول قلبه، وطائفةٌ تبني أسوارها، وقبيلةٌ ترفع خيمتها، ومنطقةٌ محررة تتكلم لغةً غير لغة المنطقة المحاصرة، وكأن سوريا تحوّلت إلى خارطةٍ من الخوف، لا إلى وطنٍ من البشر.
لكن، بعد التحرير، وبعد أن يسكت السلاح، ويعود الليل إلى لونه الحقيقي، يظهر السؤال الذي لا يمكن دفنه: كيف نعيد الهوية السورية إلى شكلها الأول، دون أن نرتكب خيانةً جديدة، ودون أن نسمح للذاكرة أن تُغتال مرةً أخرى؟
الهوية الجديدة لا تُصنع في مكاتب السياسة، بل تُنتزع من قلب النار، من صراخ الأمهات، ومن وجوه الذين لم يعودوا، ومن أكتاف الذين حملوا الوطن على ظهورهم، دون أن يسألوا: لماذا؟
الهوية الجديدة تقوم على الاعتراف بكل ما حدث، دون تزوير أو إنكار؛ لأن الحقيقة ليست وثيقةً، بل سلاح، ولأن أي وطنٍ يُبنى على الأكاذيب سيعود إلى الحرب، مهما حاول أن يتظاهر بالسلام.
وتقوم على المصالحة بين المكوّنات، دون إذلال أو انتقام؛ لأن المصالحة ليست قبلةً على جرحٍ لم يلتئم، بل قرارٌ بأن الدم لن يكون لغة السياسة مرةً أخرى، وأن الماضي لن يُستخدم سوطًا فوق ظهر المستقبل.
وتقوم على الانتماء إلى دولةٍ تحمي الجميع، لا إلى جماعةٍ تحمي نفسها؛ لأن الجماعة، مهما كبرت، تبقى أصغر من الوطن، ولأن الدولة وحدها قادرة على جمع الريف والمدينة، والطائفة والقبيلة، في اسمٍ واحد، اسمٍ لا يحتاج إلى تعريف ولا إلى تبرير.
الهوية ليست شعارًا نعلّقه على الجدران، بل عقدًا اجتماعيًا يضمن أن لا يُقصى أحد، وأن لا يُخاف أحد، وأن لا يُستثنى أحد من الوطن. عقدٌ يعيد للسوريين شعورهم بأنهم أبناء نارٍ واحدة، وأن هذه النار ليست حريقًا، بل ولادة، وأن هذه الولادة هي الطريق الوحيد نحو سوريا التي لا تُباع، ولا تُقسم، ولا تُختزل.
سوريا التي تعود إلى اسمها الأول، سوريا التي يولد فيها الإنسان حرًا لا تابعًا، مواطنًا لا ظلًا، جزءًا من هويةٍ أكبر من كل الهويات الصغيرة؛ هويةٍ تقول بصوتٍ واحد:
نحن هنا. نحن أبناء هذه الأرض، مهما حاولت الحرب أن تفرّقنا، ومهما حاول الخوف أن يعيدنا إلى جدراننا القديمة. نحن هنا لنكتب هويةً جديدة، لا تشبه الماضي ولا تخاف المستقبل؛ هويةً تُعيد للسوري اسمه الأول: سوري.
(موقع:اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

