آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » «فراغ الأبوّة» وانعكاساته على المسار الدراسي للأطفال

«فراغ الأبوّة» وانعكاساته على المسار الدراسي للأطفال

إيمان سرحان

خلّفت السنوات الماضية آلاف الأسر التي غاب فيها الأب، إما بسبب الوفاة أو الاعتقال أو النزوح القسري، ومع هذا الغياب، تتحمّل الأمهات عبئاً مضاعفاً لا يقتصر على الجانب الاقتصادي فحسب، إنما يمتد ليطال الاستقرار النفسي للأبناء ومستواهم التعليمي.

في أحد أحياء إدلب، تبدأ إنعام الموسى (41 عاماً)، وهي أم لثلاثة أبناء وزوجة معتقل سابقاً في سجن صيدنايا – لم يعرف مصيره – يومها قبل شروق الشمس؛ تُعدّ الفطور، وتجهّز بناتها للمدرسة، ثم تخرج إلى عملها في أحد المشاغل، محاولة الموازنة بين تأمين لقمة العيش ومتابعة دراسة بناتها.

تقول إنعام إنها لم تحصل على أي معلومات عن مصير زوجها حتى بعد سقوط النظام وعودة كثير من العائلات إلى مناطقها، وتوضح أنها عادت من تركيا بعد فترة نزوح، حيث اضطرت للعمل في مشغل خياطة لتأمين تكاليف المعيشة ودفع الإيجارات، إلى جانب متابعة تعليم الأطفال.

وتضيف أنها، تحت ضغط الظروف المعيشية، اضطرت إلى إخراج ابنها من المدرسة ليلتحق بالعمل ويساعدها في إعالة الأسرة، واليوم، وبعد عودتها إلى إدلب، تواصل العمل في ورشة خياطة، لكنها تشير إلى أن ساعات العمل الطويلة تُبقيها بعيداً عن المنزل معظم الوقت، ما يجعل متابعة أبنائها دراسياً أمراً صعباً.

في المقابل، تروي سميرة خالد (40 عاماً)، موظفة مساعدة مهندس في إدلب وأم لطفلين، أن مسؤولية متابعة دراسة أبنائها أصبحت أكثر تعقيداً بعد فقدان زوجها، الذي توفي نتيجة تفجير سيارة مفخخة عام 2013، وكان ابنها الأصغر حينها في عامه الأول.

تقول سميرة إنها تحاول تعويض غياب الأب قدر الإمكان، فتتصل بأبنائها خلال دوامها اليومي “خمس مرات على الأقل”، لتذكير ابنها، الطالب في الصف التاسع، بالمواد المحددة وفق برنامج دراسي اتفقا عليه، لكنها تشير إلى أن الأمور لا تسير دائماً كما تخطط.

وتضيف أن من أكثر ما يرهقها هو التواصل المستمر مع المدرسين ومتابعة تفاصيل الدراسة بمفردها، ما يضطرها أحياناً للاستعانة بوالدها أو أخيها، كما تؤكد أن مرحلة المراهقة تزيد الأمر صعوبة، خاصة في مناقشة بعض المواضيع الحساسة مع ابنها، مشيرة إلى أن وجود الأب كان سيسهم في تسهيل هذا التواصل.

وترى أن للأب دوراً مهماً في تكوين شخصية الأبناء، إذ “يتعلم الطفل من والده كيفية التعامل مع المواقف المختلفة”، لافتة إلى أن التعامل مع ابنتها أسهل نسبياً، لكنها تشعر أحياناً بأن ابنتها أيضاً تحتاج إلى وجود الأب في بعض المواقف.

آثار اجتماعية ونفسية على الأطفال

وتوضح الناشطة الاجتماعية سلوى عرابي، في تصريح لصحيفة “الثورة السورية”، أن غياب الأب قد يسبب خللاً في الاستقرار الأسري، ما يدفع الطفل أحياناً إلى تحمّل مسؤوليات تفوق عمره، الأمر الذي ينعكس مباشرة في القدرة على متابعة دراسته، وتشير إلى أن الطفل قد يشعر بضعف الدعم والتوجيه أو بعدم الأمان، ما يؤثر على علاقاته الاجتماعية داخل المدرسة ومستوى اهتمامه بالتحصيل الدراسي.

وتلفت عرابي إلى أن الأم الأرملة تجد نفسها أمام أدوار متعددة في آن واحد، فهي المعيلة والمربية والمسؤولة عن متابعة دراسة الأبناء، ما يشكل ضغطاً نفسياً واجتماعياً كبيراً قد يحدّ من قدرتها على تقديم الدعم التعليمي الكافي أو متابعة تفاصيل الدراسة والمشكلات التي قد يواجهها الأبناء في المدرسة.

وتضيف أن تأثير غياب الأب يختلف باختلاف المرحلة العمرية؛ فالأطفال الصغار غالباً ما يظهرون تأثرهم عاطفياً من خلال البكاء أو العصبية أو السلوكيات الاندفاعية، بينما قد يعبّر المراهقون عن ذلك عبر تراجع دراسي أو سلوكيات انسحابية أو تمردية.

كما تؤكد أن العبء الاقتصادي يشكل عاملاً ضاغطاً أساسياً، إذ يؤدي القلق وعدم الاستقرار إلى ضعف التركيز لدى الطالب، وفي بعض الحالات قد يضطر الأبناء إلى العمل في سن مبكرة، ما ينعكس سلباً على مسيرتهم التعليمية ويعرضهم لمخاطر إضافية.

فجوات في الدعم

وترى عرابي أن الدعم الأسري والمجتمعي يلعب دوراً مهماً في الحد من هذه الآثار، من خلال توفير بيئة داعمة تعوّض جزءاً من الفراغ العاطفي والتربوي، وتساعد الأم على تحمّل المسؤوليات إلا أنها تشير إلى أن دور المدارس غالباً ما يقتصر على الجانب الأكاديمي، في ظل غياب برامج دعم نفسي وتربوي متخصصة، ما يترك بعض الطلاب عرضة لآثار نفسية طويلة الأمد، مثل القلق وضعف تقدير الذات وصعوبات التكيف الاجتماعي.

وتؤكد أن هناك فجوات واضحة في السياسات والبرامج الموجهة للأرامل وأبنائهن، إذ يتركز الاهتمام غالباً على الدعم المادي، مقابل ضعف الاهتمام بالجوانب النفسية والتعليمية، إلى جانب محدودية التنسيق بين الجهات الاجتماعية والتعليمية.

وتشدد على أن التدخلات الأكثر إلحاحاً تتمثل في توفير دعم نفسي داخل المدارس، وبرامج متابعة تعليمية، إضافة إلى مساعدات اقتصادية مرتبطة باستمرار الأطفال في التعليم، داعية المدارس والجهات المعنية إلى التعامل مع هؤلاء الطلاب من منظور شامل يراعي أوضاعهم الأسرية والنفسية والاجتماعية.

في ضوء هذا الواقع، تتجاوز قضية غياب الأب حدود الجانب الأسري لتصبح مسألة مجتمعية تمس بنية التعليم والاستقرار النفسي للأبناء، ما يفرض ضرورة التعامل معها بجدية أكبر ضمن السياسات التعليمية والاجتماعية، ويبدو واضحاً أن الأمهات، رغم ما يبذلنه من جهود مضاعفة، لا يستطعن وحدهن سدّ جميع الفجوات التي يخلّفها هذا الغياب، خاصة مع وجود ضغوط اقتصادية ومعيشية متزايدة، ما يستدعي تدخلات داعمة تتجاوز الحلول الفردية.

وتبرز أهمية دور المدارس في هذا السياق، كبيئات حاضنة قادرة على تقديم الدعم النفسي والتربوي، ورصد الحالات التي تحتاج إلى متابعة خاصة، بما يخفف من آثار الغياب على التحصيل الدراسي، كما أن تعزيز التنسيق بين الجهات التعليمية والاجتماعية، إلى جانب دعم المبادرات المجتمعية، يمكن أن يسهم في بناء شبكة حماية أكثر فاعلية، تضمن استمرارية التعليم وتحسين فرص الأطفال في التكيف والنجاح.

 

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

قلب واحد” و”سلام نون” يوقعان شراكة لتعزيز الوعي البيئي والتنمية المستدامة في طرطوس

    أعلنت جمعية قلب واحد عبر رئيسة مجلس ادارتها نهلة صالح عن توقيع اتفاقية شراكة وتعاون مع شبكة سلام نون، في خطوة تهدف إلى ...