هاني كرزي
في مرحلة حساسة تعيشها سوريا عقب سقوط نظام الأسد المخلوع، يعود النقاش حول الحريات العامة إلى الواجهة، وفي مقدمتها حق التظاهر كأحد أبرز أدوات التعبير السياسي والشعبي، وبين متطلبات إعادة بناء الدولة وضمان الاستقرار، تبرز الحاجة إلى إعادة تنظيم هذا الحق ضمن إطار قانوني جديد يواكب التحولات الراهنة.
وخلال الأشهر الماضية، شهدت بعض المناطق السورية وقفات كشفت عن تحديات ميدانية وتنظيمية، لا سيما مع وقوع بعض التجاوزات التي أثارت جدلاً واسعاً حول حدود الحرية ومسؤولية الدولة في ضبط الشارع دون المساس بحقوق المواطنين، آخرها كانت وقفة احتجاجية أمام مقر السفارة الإماراتية بدمشق، شارك فيها عشرات السوريين تضامناً مع الأسرى الفلسطينيين، تخللتها محاولة اقتحام المبنى والاعتداء على ممتلكاته.
وأكد المتحدث باسم وزارة الداخلية، نور الدين البابا، أن المتورطين في اقتحام السفارة الإماراتية تبيّن، عقب اعتقالهم، ارتباطهم بـ”النظام البائد عبر تنظيمات فلسطينية مرتبطة بذلك النظام”، ما قد يُفسَّر بأنه إشارة إلى فصيل الجبهة الشعبية – القيادة العامة.
وكشف البابا، في حديثه مع قناة “الإخبارية السورية”، عن سلسلة من الإجراءات المتعلقة بالحادثة سيُعلَن عنها قريباً، مؤكداً أنه جارٍ العمل على إصدار قانون للتظاهر، بعد التشاور مع مختصين حقوقيين، ليكون القانون الجديد منسجماً مع الإعلان الدستوري في البلاد.
ولفت مصدر في الوزارة، لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن هذا الملف قيد الدراسة، ويرتبط بعدد من الوزارات، لا سيما الداخلية والعدل، مشيراً إلى أنه لم يصدر قرار نهائي بهذا الصدد.
قانون التظاهر في عهد النظام المخلوع
بعد أكثر من شهر على اندلاع الثورة السورية، أصدر نظام الأسد المخلوع، في 21 من نيسان 2011، المرسوم التشريعي رقم 54، الذي قال حينها إنه يندرج تحت بند “تنظيم حق التظاهر السلمي للمواطنين”.
وتضمن المرسوم 13 مادة، حيث نصت المادة 3 على أنه يحق للمواطنين والأحزاب السياسية والمنظمات الشعبية والنقابات المهنية ومنظمات المجتمع الأهلي المرخصة أصولاً تنظيم المظاهرات، بما يتفق مع مبادئ الدستور وأحكام القوانين النافذة في الجمهورية العربية السورية، وبما لا يؤدي إلى عرقلة سير المرافق العامة.
ونصت المادة 4 على تشكيل لجنة مختصة في وزارة الداخلية للنظر في طلبات ترخيص تنظيم المظاهرات، بينما شددت المادة 5 على أنه يتعيّن على من يرغب بتنظيم مظاهرة تشكيل لجنة تتقدم بطلب إلى الوزارة، يتضمن تاريخ وتوقيت بدء المظاهرة ومكان تجمعها وانطلاقها وخط سيرها وانتهائها وأهدافها وأسبابها، والشعارات التي ستُرفع خلالها، وذلك قبل الموعد المحدد للمظاهرة بخمسة أيام على الأقل.
كما أكدت المادة 5 على وجوب تقديم تعهد موثق لدى الكاتب بالعدل، يتعهد بموجبه القائمون على المظاهرة بتحمل المسؤولية عن كافة الأضرار التي قد يُلحقها المتظاهرون بالأموال والممتلكات العامة أو الخاصة.
تعديلات واجبة
وضع نظام الأسد ضمن المرسوم 54 مادة تتيح له قمع المظاهرات، إذ نصت المادة 8 على أنه يحق لوزارة الداخلية أن تطلب من اللجنة المشرفة على المظاهرة إنهاءها، وإذا تعذر ذلك فلها أن تقوم بفضّها، إذا تجاوزت المظاهرة حدود الترخيص الممنوح لها، أو إذا وقعت أعمال شغب أو أفعال تشكل جرائم أو ممارسات من شأنها الإخلال بالنظام العام أو إعاقة السلطة عن القيام بواجبها.
وقال المحامي المختص في القانون الجنائي الدولي وحقوق الإنسان، المعتصم الكيلاني، إنه في سياق المرحلة الانتقالية لا يمكن التعامل مع المرسوم رقم 54 لعام 2011 باعتباره إطاراً مناسباً لتنظيم الحق في التظاهر، لأن هذا المرسوم صيغ أساساً في بيئة سياسية وأمنية كانت ترى في التظاهر تهديداً يجب ضبطه، لا حقاً يجب حمايته.
وأضاف الكيلاني لـ”الثورة السورية” أن الفلسفة التي يقوم عليها المرسوم 54 هي فلسفة ترخيص مسبق ومنح صلاحيات واسعة للسلطة التنفيذية، وهو ما يتعارض مع المعايير الحقوقية الحديثة التي تعتبر أن حرية التجمع السلمي حق أصيل لا يُمنح من الدولة، بل تُلزم الأخيرة بحمايته.
وأكد الكيلاني أنه في المرحلة الحالية، التي يُفترض أن تقوم على إعادة بناء الشرعية على أساس الحقوق والحريات، يصبح من الضروري إعادة النظر في هذا المرسوم بشكل جذري، لأن الإبقاء عليه كما هو يعني استمرار منطق الدولة الأمنية حتى وإن تغيّر النظام السياسي.
ومن أبرز الإشكالات في المرسوم 54 اشتراط الحصول على موافقة مسبقة من وزارة الداخلية، وهو ما يفرغ الحق في التظاهر من مضمونه ويجعله خاضعاً لإرادة السلطة، وفق الكيلاني.
وأضاف أن النصوص التي تتحدث عن “الإخلال بالنظام العام” أو “تهديد الأمن” تبقى فضفاضة وغير محددة، ما يفتح الباب أمام استغلالها بشكل تعسفي لمنع أي تجمع غير مرغوب فيه سياسياً، ويُضاف إلى ذلك غياب ضمانات واضحة تتعلق باستخدام القوة من قبل الأجهزة الأمنية، وغياب آليات رقابة قضائية فعالة على قرارات المنع أو تفريق المتظاهرين.
وبناءً على ما سبق، يرى الكيلاني أن أي مقاربة حقوقية جادة تقتضي إما تعديل المرسوم 54 بشكل عميق يغيّر جوهره، أو استبداله بقانون جديد يقوم على مبدأ الإخطار بدل الترخيص، ويضع قيوداً دقيقة ومحددة جداً على تدخل السلطات.
أما بالنسبة لضمان ألا يبقى قانون التظاهر مجرد نص شكلي، فإن المسألة لا تتعلق فقط بصياغة القانون، بل بالبنية السياسية والقضائية التي ستطبقه، فالقانون مهما كان متقدماً لن يكون ذا قيمة إذا لم يكن هناك قضاء مستقل قادر على حماية الحقوق، وإذا لم تخضع الأجهزة الأمنية لرقابة حقيقية، بحسب الكيلاني، كما أن وضوح النص القانوني أمر أساسي، لأن الغموض هو المدخل الرئيسي للانتهاك، وإلى جانب ذلك يجب أن تتوفر آليات مساءلة فعلية لكل من ينتهك هذا الحق، سواء كانوا أفراداً في الأجهزة الأمنية أو جهات إدارية، وأن يكون هناك دور حقيقي للمجتمع المدني في مراقبة تطبيق القانون.
وشدد المعتصم الكيلاني على أن نشر ثقافة التظاهر السلمي وحقوق الإنسان بين المواطنين والجهات الأمنية على حد سواء يعد عنصراً أساسياً لضمان التطبيق الفعلي للقانون.
آليات التعديل
يستعد مجلس الشعب، لعقد أولى جلساته، ويأمل السوريون أن يكون البرلمان منبراً يحمل صوتهم ويدافع عنهم ويلبي طموحاتهم.
وقال المتحدث الإعلامي باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، الدكتور نوار نجمة، إنه ستُعقد في البداية جلسة افتتاحية لأداء اليمين الدستورية وانتخاب رئيس المجلس ونائبه وأمانة السر، ومن ثم إلقاء رئيس الجمهورية أحمد الشرع كلمة بروتوكولية أمام أعضاء مجلس الشعب، وعقب ذلك سيبدأ المجلس بمناقشة الملفات الأبرز.
وعن آلية إقرار قانون تنظيم حق التظاهر، قال نوار نجمة لـ”الثورة السورية” إنه يجب في البداية أن يتم إصدار هذا القانون من قبل وزارة الداخلية، ومن ثم يُطرح على مجلس الشعب لإقراره أو تعديله، مشدداً على أنه لا يكفي وجود هذا القانون، وإنما يجب تطبيقه بشكل فعلي، دون أن يمس بحرية المواطن، وبنفس الوقت لا يضر بمصالح الدولة وممتلكاتها العامة.
وفي السياق ذاته، قال الكيلاني إنه فيما يتعلق بآلية سن قانون جديد لتنظيم المظاهرات، فإن ذلك يمر عبر المسار التشريعي الطبيعي داخل مجلس الشعب، حيث يتم تقديم مشروع القانون من قبل الحكومة أو من عدد من أعضاء المجلس، ثم يُحال إلى اللجان المختصة، وعلى رأسها اللجنة الدستورية أو لجنة حقوق الإنسان، لدراسته بشكل تفصيلي.
وفي هذه المرحلة، يرى الكيلاني أنه من المهم إشراك خبراء قانونيين ومنظمات مجتمع مدني، لضمان أن يعكس القانون المعايير الحقوقية الدولية والسياق السوري، بعد ذلك، يُعرض المشروع على المجلس في قراءة أولى للنقاش العام، ثم في قراءة ثانية لمناقشة المواد بشكل تفصيلي وإدخال التعديلات، قبل أن يتم التصويت عليه وإقراره.
وحول الفترة الزمنية لإقرار قانون التظاهر، قال الكيلاني إنه في الظروف الطبيعية قد تستغرق هذه العملية عدة أشهر، لكن خلال المرحلة الانتقالية يمكن تسريع عملية إقرار القانون بشكل كبير إذا توفرت الإرادة السياسية، خاصة إذا كان القانون مرتبطاً بحقوق أساسية لا تحتمل التأجيل.
وفي ظل فشل قانون التظاهر الذي أقره نظام الأسد عام 2011، يطالب كثيرون بالإسراع في إقرار قانون جديد لتنظيم حق التظاهر، ولا سيما مع تكرار المظاهرات التي خرجت خلال الأشهر الماضية، والتي شهدت العديد من التجاوزات ورفع الشعارات واللافتات التي تسهم في التحريض والفتنة وخطاب الكراهية.
في تشرين الثاني 2025، تظاهر عشرات الأشخاص في اللاذقية وحمص ومناطق أخرى في الساحل السوري، استجابة لدعوة أطلقها ما يسمى المجلس الإسلامي العلوي الأعلى في سوريا والخارج على وسائل التواصل الاجتماعي.
وردد المتظاهرون حينها شعارات طائفية، مطالبين بالانفصال عن الدولة والحماية الدولية، فيما قام بعضهم بالاعتداء على سيارات الأمن العام، الذي لم يرد على اعتداءات المحتجين، بل عمل على حمايتهم من أي هجمات يمكن أن تُنفذ ضدهم.
وقال المتحدث الإعلامي باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، الدكتور نوار نجمة، إن أغلب دول العالم لديها هذا النوع من القوانين، وسوريا قادرة على سن قانون عصري ومتطور بالاستفادة من تجارب الدول الأخرى، لافتاً إلى أن قانون تنظيم حق التظاهر سيتم إقراره قريباً مع عودة دوران عجلة مجلس الشعب.
من جهته، قال الكيلاني، إن العديد من الدول التي مرت بمراحل انتقال سياسي تقدم نماذج يمكن الاستئناس بها فيما يخص تنظيم المظاهرات، فالتجربة التونسية بعد 2011 مثلاً اعتمدت على مبدأ الإخطار بدل الترخيص، مع الحفاظ على دور الدولة في تنظيم المسارات وحماية المتظاهرين، وهو نموذج قريب من السياق السوري.
كذلك، فإن بعض الأنظمة الأوروبية تعتمد على مبدأ التوازن بين الحرية والنظام العام، بحيث يُسمح بالتظاهر كقاعدة، ويُمنع فقط في حالات استثنائية ومحددة بدقة وتحت رقابة قضائية، وفق الكيلاني، أما تجربة جنوب أفريقيا بعد نهاية نظام الفصل العنصري، فتُعد مثالاً على كيفية تحويل قانون التظاهر إلى أداة لتمكين المواطنين بدل تقييدهم، من خلال تحميل الدولة مسؤولية حماية هذا الحق، وليس منعه.
“قانون التظاهر” بين مؤيد ومعارض
مع الحديث عن عزم الدولة فرض قانون جديد لتنظيم حق التظاهر، تنوعت آراء بعض السوريين بين مؤيد ومعارض لهذا الأمر.
مختار الخطيب، من سكان حي الخالدية بحمص، قال إنه ضد فرض قانون لتنظيم حق التظاهر، لأنه يؤثر، بحسب وجهة نظره، على حرية التعبير، مضيفاً أنه من “غير المعقول أن أطلب إذناً لأعبّر عن رأيي، نحن خرجنا بثورة قبل 15 سنة للمطالبة بالحرية والديمقراطية، ولا نريد أن نعود لزمن الديكتاتورية وقمع الحريات”.
يوشع عيسى، من سكان اللاذقية وهو طالب جامعي، اعترض كذلك على فكرة إقرار قانون للتظاهر، حيث يرى أنه “مهما كان القانون متطوراً، فإنه سيقيّد أي مظاهرة، لأنه سيتحكم بطبيعة الشعارات التي ستُردد، وأماكن تواجد المتظاهرين وعددهم، وربما يتم رفض ترخيص المظاهرة بحجة أن الشعارات التي ستُرفع تتعارض مع مبادئ الدولة، وبالتالي سنعود من حيث بدأنا قبل 15 سنة، وكأن تضحيات الثوار لنيل الحرية والكرامة ذهبت أدراج الرياح”.
في المقابل، يؤيد آخرون إقرار قانون التظاهر، حيث يرى الصحفي ظافر القطب، من سكان دمشق، أنه من الضروري وجود قانون لتنظيم حق التظاهر، لكن بشرط أن يكون قانوناً عصرياً واضحاً وسهلاً وسلساً كما يُطبق في الدول الأوروبية، لا قانوناً شكلياً يعطي حق التظاهر على الورق أو يضع شروطاً تعجيزية.
وأضاف القطب أن ترخيص المظاهرات سيؤمّن مكاناً وزماناً محددين للمتظاهرين، بحيث لا يعرقل السير أو يزعج راحة الناس، وبنفس الوقت يجب أن تكون المظاهرات حضارية ومنظمة ولا تضر بالبلد أو تنتهك حرية الآخرين، وألا تؤدي إلى تخريب الممتلكات العامة، فحرية الشخص تنتهي عندما تبدأ حرية الآخر.
كذلك قال المحامي المعتصم الكيلاني إن تنظيم حق التظاهر في سوريا ما بعد الأسد يجب أن ينطلق من مبدأ أساسي، وهو أن هذا الحق كان في صلب الحراك الشعبي عام 2011، وأن أي محاولة لإعادة تقييده بالأدوات السابقة تعني عملياً الالتفاف على جوهر الثورة.
وأضاف الكيلاني أن القانون المطلوب هو تعبير عن عقد اجتماعي جديد يقوم على الاعتراف بحق المواطنين في التعبير والتجمع السلمي، وعلى التزام الدولة بحماية هذا الحق كجزء من بناء نظام ديمقراطي قائم على الحرية والعدالة والحقوق.
وأكد أن غياب إطار قانوني واضح لتنظيم التظاهر لا يعني حرية مطلقة، بل غالباً ما يؤدي إلى نتائج عكسية، ففي ظل هذا الفراغ تصبح القرارات خاضعة لاجتهادات الجهات الأمنية، ما يفتح الباب أمام الانتهاكات والتضييق غير المبرر، كما أن المواطنين لن يكونوا على دراية بحقوقهم وواجباتهم، ما قد يؤدي إلى احتكاكات أو تصعيد غير ضروري.
كما يرى الكيلاني أنه مع غياب قانون لتنظيم التظاهر، قد تستغل بعض الأطراف هذا الفراغ لتنظيم مظاهرات غير سلمية أو لتحقيق أهداف سياسية ضيقة، ما يهدد السلم الأهلي، وفي المقابل قد تلجأ الدولة إلى إجراءات استثنائية وغير قانونية بحجة الحفاظ على الأمن، ما يؤدي إلى تقويض الثقة بين المجتمع والسلطة، لذلك فإن وجود قانون واضح وعادل ليس تقييداً للحق، بل هو ضمانة لممارسته بشكل آمن ومنظم.
وفي السياق ذاته، قال الدكتور نوار نجمة إن حق التظاهر بالأساليب السلمية وبالشكل المنظم هو تعبير عن صحة الحياة السياسية، وهو نقطة تُحسب للدولة لا عليها، فمن حق المواطنين التظاهر والتعبير عن رأيهم، وهو كغيره من الحقوق كحق الإضراب والاعتراض وغيرها.
وشدد نجمة على أن غياب تنظيم قانوني للمظاهرات سيؤدي إلى الفوضى ويمس بالسلم الأهلي والمبادئ الأساسية للعلاقات الاجتماعية بين المواطنين، لذلك فإن وجود قانون لتنظيم حق التظاهر سيساهم في تعزيز الديمقراطية، والحفاظ على ممتلكات المواطنين ومؤسسات الدولة والعلاقة بين أفراد المجتمع.
syriahomenews أخبار سورية الوطن
