د. سلمان ريا
في الخليج يتشكل نظام توازن هش لا يقوم على الحسم بل على إدارة مستمرة للاحتمال. القوى الفاعلة لا تسعى إلى نصر نهائي بقدر ما تعمل على منع الخصم من بلوغ لحظة التفوق، مع الحفاظ على حد أدنى من الاستقرار يضمن استمرار تدفق الطاقة وتجنب الانفجار الشامل.
غير أن هذا التوازن يظل قابلاً للاهتزاز عند أي صدمة كبرى تعيد تعريف قواعد الردع والملاحة والطاقة.
يمثل مضيق هرمز نقطة الارتكاز الأكثر حساسية في هذا النظام، إذ يتحول من ممر بحري إلى أداة جيوسياسية تتحكم في إيقاع الاقتصاد العالمي. أي اضطراب فيه لا ينعكس على أسعار النفط فقط، بل يعيد تشكيل حسابات القوى الكبرى تجاه الإقليم بأكمله، ويجعل من مفهوم “حرية الملاحة” مساحة تفاوض دائمة لا قاعدة مستقرة.
في قلب المعادلة تبقى الولايات المتحدة وإيران الطرفين الأكثر تأثيراً في مستوى الردع المباشر. واشنطن تحتفظ بتفوق عسكري وقدرة بحرية واسعة، لكنها مقيدة بكلفة الحسم، ما يدفعها إلى إدارة صراع طويل منخفض الكثافة. في المقابل، تعتمد إيران على قدرة مختلفة تقوم على الجغرافيا وأدوات الإرباك غير المباشر، بما في ذلك رفع كلفة المرور في الخليج دون الوصول إلى إغلاق كامل، ما يمنحها موقعاً تفاوضياً ثابتاً رغم الضغوط الاقتصادية.
دول الخليج تتحرك ضمن نموذج حماية متعددة المظلات، يجمع بين التحالف مع الولايات المتحدة وبناء قدرات دفاعية متزايدة وتوسيع الهوامش الدبلوماسية. لكنها تبقى في موقع المتلقي أكثر من موقع صانع قواعد النظام، رغم تحسن وزنها الاقتصادي ودورها المتنامي في استقرار أسواق الطاقة.
خارج هذا التوازن التقليدي، تبرز الصين كقوة كبح كبرى تستند إلى اعتمادها على الطاقة الخليجية وقدرتها الاقتصادية الهائلة، لكنها تتجنب الانخراط العسكري المباشر، ما يجعل دورها ضاغطاً باتجاه الاستقرار لا التغيير. الهند تتحرك كقوة تخفيف توتر تعتمد على علاقاتها المتوازنة وحاجتها للطاقة والعمالة، دون امتلاك أدوات فرض تسويات كبرى. أما روسيا فتعمل كقوة تعطيل جزئي للنظام الغربي دون قدرة على بناء بديل مستقر.
هذا التشابك بين قوى عسكرية ضاغطة، وقوى اقتصادية كابحة، وقوى صاعدة مخففة للتوتر، ينتج نظاماً إقليمياً غير مكتمل يقوم على إدارة التناقضات لا حلها. ولا يبدو أن أي طرف منفرد يملك القدرة على إعادة تشكيل هذا النظام خلال العقد المقبل، إذ تتوزع أدوات التأثير بين من يملك القوة العسكرية، ومن يملك الجغرافيا، ومن يملك الاقتصاد، ومن يملك القدرة على امتصاص الصدمات.
ومع ذلك، يبقى التحول ممكناً إذا ما وقع حدث كاسر للتوازن، سواء عبر اضطراب كبير في مضيق هرمز، أو اتفاق أمريكي إيراني شامل، أو تحول جذري في نمط الانخراط الأمريكي في المنطقة. عندها فقط ينتقل الخليج من نظام إدارة الأزمات إلى نظام جديد لم تتحدد ملامحه بعد، لكنه سيكون بالضرورة أكثر تعددية وأقل استقراراً من أي مرحلة سابقة.
(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
