بقلم: عامر الخطيب
تقف قلعة صافيتا في هذا العمل شاهدة صامتة على تاريخ ممتد، برجها الشاهق المتصدّر مقدمة اللوحة كعمود فقري ينهض من رحم الحجر ليروي حكاية “برج الصليبيين” الذي ظل قائما منذ قرون، حاملا في جدرانه المتشققة ذاكرة الأزمنة المتعاقبة والمشرفة على الساحل السوري.
اعتمد الفنان تقنية السكين “التكتيل” بجرأة لافتة، فمنح البرج نسيجا خشنا متصدعا يوحي بقسوة الزمن وصلابة الحجر معا، وهذا الاختيار التقني لم يكن اعتباطيا، بل جاء متسقا مع مضمون العمل فالخشونة البصرية هنا لغة موازية لخشونة التاريخ ومقاومة البنيان لعوامل التعرية والحروب والغزوات.
من الناحية اللونية، نجد تضادا حارا-باردا محسوبا بدقة.. الأزرق البنفسجي الطاغي في السماء يحمل دلالة السمو والقدسية والغموض التاريخي، بينما تنبثق كتلة البرج بدرجات الأوكر والبني الدافئة كأنها الذاكرة الأرضية المتجذرة وسط علو السماء وغموضها، هذا التقابل بين البارد العلوي والحار الأرضي يخلق توترا بصريا يوازي التوتر بين الماضي الحاضر والحاضر الغائب.
الأخضر المتسلل بين البنايات السفلى يحمل معاني الحياة المستمرة والاستقرار الاجتماعي، فيما تظهر لمسات الأحمر في الأسقف كنبض حيوي يذكّر بأن هذه القلعة ليست أطلالا ميتة، بل حاضنة لحياة يومية ما زالت تنبض تحت ظل تاريخها العريق.
من ناحية التكوين الإنشائي، اعتمد الفنان بناء هرميا صاعدا يقود العين من قاعدة البيوت المتراصة نحو قمة البرج، وهذا التصاعد البصري أشبه بسلم موسيقي يبدأ بمقام هادئ “الأسفل” ليعلو تدريجيا نحو ذروة تعبيرية “قمة البرج” أشبه بمقام الراست الذي يبدأ متزنا لينتهي بذروة شجية.
وأخيرا، فإن هذا العمل للفنان علي نفنون لا يوثق معلما معماريا فحسب، بل يستحضر روح المكان وعبق تاريخه الصليبي والمملوكي، معلنا أن الفن قادر على أن يكون سجلا بصريا للذاكرة الجمعية حين يمتزج الحس التقني بالعمق الروحي والإنساني.
دامت قيمنا ودام جمالنا ودام وعينا
-اللوحة مستوحاة من صورة فوتوغرافية
للفنان الفوتوغرافي المبدع نهيد نبيل ديوب وفق ماذكره الفنان علي نفنوف

(اخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

