عزة شتيوي
لا يزال ملف الأموال المنهوبة يعتبر من أهم القضايا السياسية والاقتصادية المعقدة في سوريا، والذي لا ترتبط حلوله بجهود الدولة السورية الجديدة فقط، بل بالنظام المصرفي العالمي القائم. فعصابة الأسد المخلوع التي حولت البلاد إلى مغارة لصوص وشبكات للفساد هربت مليارات الدولارات من ثروات الدولة وأرباح زراعة مفخخات المخدرات إلى البنوك العالمية، الأمر الذي يجعل من استردادها عملية مركبة ترتبط بقوانين وتعاملات تلك البنوك.
فسرقة “نظام الأسدين” لثروات البلاد على مدى خمسين عاما وتهريبها كان بالدرجة الأولى أداة سياسية لتثبيت الحكم عبر شراء الولاءات وتطبيق سياسة التجويع ونشر الفقر. وفي الوقت الذي تكدست ثروات هائلة وأرقام خيالية للأسد المخلوع ورجال الأعمال المرتبطين به في مصارف وعقارات خارجية، مما يجعل ملف استعادتها ملفا اقتصاديا سياسيا بامتياز يطالب به الشعب السوري لتحقيق العدالة الانتقالية وبناء الاقتصاد الوطني بدلا من اقتصاد الظل الذي رسخته سياسات النظام المخلوع، إلا أن التحديات كبيرة لدرجة أنه في تجارب سابقة للدول في ملفات تهريب الأموال، ورغم وجود هيئات ومنظمات دولية، فإن ما تم استرجاعه من الأموال المنهوبة إلى خزائن دولها أرقام ضئيلة وخجولة تعكس عجزا عالميا في حل ملف الأموال المهربة.
عائلة الأسد والجرائم المالية
عندما سقط النظام المخلوع كان من أولويات المرحلة الحفاظ على ما تبقى من الأموال السورية ورصد ما تم تهريبه في رحلة بحث عالمية لا تزال قائمة عن مليارات الدولارات نقدا وأصولا، التي نهبها “الأسدين” خلال نصف قرن بطرق سرية وعلنية، خاصة تلك التي جمدت بالعقوبات على النظام. وبدأ مصرف سوريا المركزي، بعد رفع تلك العقوبات، بالتحرك على المستوى الدولي لاسترداد الأموال المجمدة، والتي كانت رقما ضئيلا مقارنة بالأرقام الخيالية المنهوبة، والتي لم تحصر أو تعرف حتى اللحظة، لأن عملية النهب بدأت منذ تولي “حافظ الأسد” عام 1971 السلطة واستمرت حتى فرار “بشار الأسد”، حيث تغول النظام وحول كل واردات الدولة لجيوبه، وخاصة النفط وعائداته، الذي لم يكن ضمن خزينة وحسابات الدولة السورية في عهد الفساد والاستبداد.
ومع قيام الثورة السورية في آذار 2011 وفرض العقوبات على النظام، جمدت معظم الدول الغربية مئات الملايين من الدولارات من الأصول السورية، التي حتى اللحظة لم يتم العثور على كل مواقعها بسبب سياسة البنوك السرية في تعاملاتها. فهناك تقارير تحدثت عن أن سرقة الأسد فاقت المليارات من الدولارات، وهو رقم يشكل فارقا ورافعة للاقتصاد السوري الذي يحتاج لعشرات المليارات لانتشال الشعب السوري الذي يعيش عدد هائل منه تحت خط الفقر.
وفي بيان صادر عن الخارجية الأميركية عام 2022، قدرت قيمة الشركات والأصول المرتبطة بعائلة الأسد بما يقارب 12 مليار دولار.
كما تشير تقارير إعلامية، منها تقرير صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية، إلى أن نظام الأسد المخلوع نقل نحو 250 مليون دولار نقدا إلى موسكو بين عامي 2018 و2019.
كما قدرت نشرة “تقرير سوريا” في نيسان 2025 وجود 163.2 مليون جنيه إسترليني (205.76 مليون دولار) من الأصول المجمدة في المملكة المتحدة.
وعقب سقوط الأسد بأسبوع قالت الحكومة السويسرية إن هناك أصولا سورية مجمدة في بلادها تبلغ قيمتها 99 مليون فرنك سويسري (112 مليون دولار)، معظمها مجمد منذ سنوات، منذ أن تبنت سويسرا عقوبات الاتحاد الأوروبي ضد سوريا في أيار 2011.
بينما ذكرت صحيفة “نويه تسورشر تسايتونج” التي تتخذ من زيورخ مقرا لها أن المؤسسات المالية السويسرية كانت تحتفظ في السابق بأصول سورية مجمدة بقيمة 130 مليون فرنك سويسري (147 مليون دولار).
ورغم ضخامة هذه الأرقام فإن تقارير أخرى تتحدث عن أن الأسد المخلوع توقع سقوطه وهروبه، لذلك عمل على تأمين هروبه لسنوات عبر كميات هائلة من الأموال والأصول والعقارات في دبي وموسكو ولندن، ومئات الحسابات المصرفية السرية.
على سبيل المثال ذكرت وسائل إعلام بريطانية أنه عندما اندلعت الثورة السورية جمدت السلطات في المملكة المتحدة حساب بشار الأسد الذي يحتوي على 40 مليون جنيه إسترليني (50 مليون دولار) في فرع لندن للبنك الدولي “إتش إس بي سي”.
وفي عام 2017 صادرت السلطات الإسبانية والفرنسية ممتلكات تقدر قيمتها بنحو 600 مليون يورو تعود إلى المجرم رفعت الأسد، عم المخلوع والمعروف بـ”جزار حماة”، وشملت هذه الممتلكات فنادق ومطاعم وعقارات أخرى.
وعقب فرار بشار الأسد إلى روسيا، تحدث صحفيون روس عن أن عائلته اشترت ما لا يقل عن 19 شقة في مختلف أنحاء موسكو عبر فترات متفرقة، وكان سعر الشقة العادية في أبراج مدينة موسكو حوالي 2 مليون دولار في ذلك الوقت.
إضافة إلى أن النظام المخلوع استند أثناء فترة حكمه إلى شبكات واسعة من رجال الأعمال (مثل رامي مخلوف) وأفراد عائلة (أسماء الأسد) لإدارة ثروات البلاد ونهب الخزينة العامة وتحويل الأموال إلى الخارج. وبحسب تقرير صحيفة “التايمز” البريطانية، نشر عام 2020، فإن هناك 40 مليون دولار تحولت إلى عقارات في ناطحات سحاب فاخرة بالعاصمة موسكو تعود لرامي مخلوف، ابن خال المخلوع بشار، والذي يعتبر أغنى رجل في سوريا بعد بشار نفسه. لذلك وضع النظام المخلوع يده على معظم أموال رامي في سوريا عام 2023.
وحيث أصدر الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين معلومات حول الحسابات المصرفية في سويسرا، فقد كشفت الوثائق التي تغطي الفترة بين 1997 و2007 معاملات مالية للشركاء والشركات الأمامية العائدة لمخلوف في الملاذات الضريبية الخارجية بقيمة 43 مليون دولار. كما كشفت امتلاك عائلة مخلوف خمس شركات مسجلة في جزر فيرجن البريطانية، وهي ملاذ ضريبي معروف.
ووفق كثير من الخبراء والمراقبين فإن “مطاردة ملايين الأسد” من قبل الدولة السورية الجديدة ليست بالمهمة السهلة بسبب تحفظ البنوك العالمية على سرية التعامل. إلا أنه يوجد في الاتحاد الأوروبي وسويسرا قوانين وبرامج لاسترداد الأصول، مما يوفر الإطار القانوني لتجميد وإعادة توظيف الأصول غير المشروعة.
فالأموال المسجلة باسم المخلوع “بشار الأسد” وزوجته تكون عملية استردادها سهلة، بينما باقي الأموال المنهوبة على مدار عقود والموجودة في الخارج تحتاج لتعاون من قبل الدول، خاصة التي كانت على علاقة بالنظام المخلوع مثل روسيا، فضلا عن أطنان من الذهب التي هربت إلى الخارج. وهذا يتطلب آليات قانونية لإثبات عائديتها للشعب السوري.
ما بين الأموال المجمدة والأموال المهربة
يؤكد الخبير الاقتصادي الأستاذ فراس شعبو في حديث لصحيفة “الثورة السورية”، أنه في الحالة السورية، ونتيجة تشابك الفساد، يجب أن نميز بين الأموال المجمدة والأموال المهربة والأموال المسلوبة. فالأموال المجمدة هي أصول تم تجميدها بقرار قضائي أو بسبب العقوبات، وهي بطبيعتها رصيد أو حصة للدولة السورية في الدول التي فرضت تلك العقوبات. ولكن هذه الأصول تبقى في حسابات الدولة السورية، لكنها مقيدة غير قابلة للتصرف.
أما الأموال المنهوبة فهي أصول حولت إلى الخارج بطريقة غير شرعية، ومشكلتها تحتاج إلى إثبات جرم وملاحقة قضائية حتى يتم استعادتها.
وهذا هو الفارق بينها وبين الأموال المجمدة التي يمكن الإفراج عنها بقرار سياسي، أو بقرار رفع العقوبات كأموال مصرف سوريا المركزي والمصرف التجاري. أما الأموال المهربة فتحتاج إلى إثبات مصدرها غير الشرعي حتى تكون هناك قدرة على متابعتها واستعادتها.
ويؤكد شعبو أنه لا توجد بيانات رسمية حول الأصول السورية المنهوبة وحجمها الحقيقي، ويوجد فقط أصول نقدية في المصارف الأجنبية، وعقارات، وشركات واجهة، واستثمارات كانت تستخدم في التهرب الضريبي.
لكن هناك أصولا شخصية لا يعرف حجمها للمتورطين. فمثلا القذافي حتى الآن وبعد عشر سنوات لم يتمكنوا من متابعة أمواله التي نهبها. وفي سوريا هذا الملف بحاجة إلى تعاون في الوصول إلى النظام المالي العالمي. فصحيح أنه قد رفعت العقوبات، ولكن توجد مشكلات فنية في سوريا أهمها غياب الشفافية، فنحن في سوريا لا نعلم حجم أموالنا المنهوبة، رغم متابعة الجهاز المركزي للرقابة المالية وأجهزته التي ترصد أماكن الفساد دون القدرة على استرداد الأموال.
ويضيف شعبو: لذلك حتى الآن لا توجد بيانات رسمية عن استردادات كبيرة ومنظمة للأموال، بل هناك تسويات، وهي عملية تسوية أكثر من كونها استردادا لبعض المتنفذين والتجار وبعض السياسيين السابقين.
المعضلة الأساسية
تواجه عملية استعادة الأموال عقبات قانونية وسياسية، كونها تتطلب تحقيقات طويلة وتعاونا دوليا، وتصطدم بقوانين الدول التي أودعت فيها هذه الأموال. فالبنية العميقة للنظام المالي العالمي، بحسب محللين اقتصاديين، تجعل من مسألة استرداد الأموال المنهوبة مسألة صعبة. إذ إن المصارف الكبرى تبني سمعتها على مبدأين أساسيين: الأمان المطلق للمودعين والسرية المصرفية التامة. وهذه القواعد التي صاغتها مصارف مثل تلك العاملة في سويسرا منذ عقود، جعلت من أرصدتها ملاذا لرؤوس الأموال المشبوهة حول العالم. فأي تراجع في الالتزام بهذه المبادئ قد يهدد الثقة الدولية في النظام المصرفي، بما في ذلك من قبل السياسيين والفاسدين الذين يجدون في تلك المصارف ملجأ مضمونا لإيداع ثرواتهم.
وبحسب تقارير إعلامية فإن المقاربة ليست حكرا على سويسرا وحدها، فبحسب مبادرة استرداد الأصول المنهوبة (StAR)، وهي برنامج مشترك بين البنك الدولي والأمم المتحدة، يتم تهريب ما بين 20 إلى 40 مليار دولار سنويا من الدول النامية بفعل الفساد. وبالرغم من أنه تمت في بعض المحاولات استعادة الأموال، مثلما جرى في حالة الرئيس النيجيري السابق ساني أباتشا، حيث أعادت سويسرا ولوكسمبورغ أكثر من 1.2 مليار دولار إلى نيجيريا، فإن غالبية المحاولات الأخرى تبوء بالفشل بسبب التعقيدات القانونية والسياسية، فضلا عن غياب الإرادة الدولية الحقيقية.
كما أن لجوء الفاسدين إلى العملات المشفرة يشكل تحديا كبيرا في استرداد الأموال. فالعملات المشفرة باتت اليوم الوجهة الأكثر أمانا للأموال غير الشرعية، وتظهر تقارير شركات تحليل البيانات مثل “Chainalysis” أن جزءا كبيرا من أنشطة غسل الأموال والتمويل غير المشروع بات يمر عبر العملات الرقمية، التي لا تخضع لرقابة مركزية ولا للقيود التي تفرضها البنوك الفيدرالية أو السلطات النقدية الدولية.
والعقبة الأساسية أمام استرداد الأموال المنهوبة لا تكمن فقط في غياب الشفافية الدولية، بل أيضا في أن كثيرا من الدول المستضيفة لهذه الأموال تعتبرها أصولا يمكن إعادة تدويرها عبر الاستثمار الشرعي داخل اقتصادها. بمعنى آخر، الأموال المنهوبة التي تهرب من دول مضطربة غالبا ما تتحول إلى روافع اقتصادية لأسواق أخرى، وهو ما يخلق تضاربا في المصالح يجعل استعادتها غير مرغوب فيها.
ما يجعل مهمة تعقب وتتبع الأموال السورية المنهوبة صعبة للغاية، ولا سيما إذا تم تحويلها إلى أصول رقمية يصعب تعقبها أو تجميدها.
الإطار الدولي لاستعادة الأموال المنهوبة
هناك العديد من الاتفاقيات والآليات القانونية التي تتيح للدول ملاحقة الفاسدين واستعادة أموالها المهربة، ومن أبرزها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد (UNCAC)، حيث تعد هذه الاتفاقية الأداة القانونية الرئيسية في هذا المجال، وتلزم الدول الأعضاء بتقديم التعاون القانوني المتبادل لاسترداد الأصول المهربة.
بالإضافة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (UNTOC)، وتسهم هذه الاتفاقية في تعزيز التعاون بين الدول لمكافحة الجرائم المالية واستعادة الأصول المسروقة.
كما توجد مبادرة استرداد الأصول المسروقة (StAR)، وهي مبادرة مشتركة بين البنك الدولي ومكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة لدعم الدول في تتبع واستعادة الأصول المنهوبة، وقد بحثت الحكومة السورية الجديدة سبل التعاون معها في سبيل استرداد الأموال المنهوبة.
ومن ضمن المؤسسات الدولية لتتبع الأموال آلية المساعدة القانونية المتبادلة (MLA)، التي تتيح للدول تقديم طلبات رسمية للحصول على المساعدة في التحقيقات المالية وتجميد الأصول المشبوهة.
ومن أهم الآليات أيضا اتفاقيات تسليم المجرمين التي تسمح بملاحقة المسؤولين عن تهريب الأموال وإعادتهم إلى دولهم لمحاسبتهم قانونيا عبر الإنتربول مثلا.
ملف حساس وصعب
يقول الخبير الاقتصادي الأستاذ فراس شعبو، إن ملف استعادة الأموال المنهوبة ملف حساس ومهم بالنسبة للاقتصاد السوري، وهو رافعة مالية تساهم في تمويل إعادة الإعمار وتعزيز الثقة بالدولة في حال استرداد الأموال المنهوبة. كما أن هذا الملف يساهم قانونيا بترسيخ مبدأ المساءلة، خاصة أنه في دول ما بعد الصراع تشكل الأموال المستردة نسبة عالية من الناتج المحلي الإجمالي إذا تم تتبعها وإدارتها. لكن هذا الملف معقد جدا ومتشعب، فهناك أموال منهوبة داخليا وأموال مهربة خارجيا، وملاحقتها يجب أن يكون ضمن إطار قانوني يستلزم اتفاقيات ومصادقة على هذه الاتفاقيات وتعاونا مع الإنتربول والمنظمة المتحدة.
ولذلك علينا الانضمام إلى الاتفاقيات الدولية كي نستطيع أن نطالب دولة مثل روسيا مثلا بملاحقة بشار وأعوانه، أو تتبع الأموال السورية المهربة، والموجود أكبر قسم منها في روسيا. وبغير هذه الآليات لن نتمكن سوى من إجراءات بسيطة كأن يصدر الإنتربول بالتعاون مع سوريا مذكرات توقيف أو ما يسمى بالنشرات الحمراء بحق بعض الأشخاص المتورطين. وهذه خطوات لازمة، لكنها غير كافية لإعادة الأموال المنهوبة.
فالإنتربول قد يلاحق شخصيات، لكنه لا يستعيد أموالا. ومثالنا الأقرب على ذلك في لبنان، فرغم وجود أعداد كبيرة من المتورطين الفارين في لبنان، إلا أن الدولة السورية حتى اللحظة لم تتمكن من تحصيل الأموال منهم. فالأمر بحاجة إلى تعاون قضائي ومذكرات تفاهم ما بيننا وبين الدول.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
