عبد الحميد غانم
يشكّل الإعلان عن بدء خطوات عملية نحو التنقيب عن النفط والغاز في المياه الإقليمية السورية تحولاً لافتاً بقطاع الطاقة، في ظل ما يحمله من آفاق اقتصادية واستثمارية واعدة قد تنعكس على واقع الإنتاج المحلي ومستوى الخدمات.
ويأتي هذا التطور في وقت تتجه فيه الحكومة إلى تعزيز الشراكات مع شركات عالمية متخصصة، بما يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من استكشاف الموارد الطبيعية واستثمارها ضمن رؤية اقتصادية أوسع.
وأعلنت الشركة السورية للبترول، الجمعة، تلقيها تأكيداً رسمياً من شركة “شيفرون” الأميركية للمضي قدماً في أعمال الاستثمار والتنقيب البحري قبالة السواحل السورية.
وقال الرئيس التنفيذي لـ”السورية للبترول” يوسف قبلاوي، إن الشركة، بالتعاون مع “شيفرون” وشركة “أورباكون” القابضة (UCC)، نجحت في تحديد الموقع البحري المستهدف، ما يمهّد لاستكمال العقود النهائية، على أن تبدأ العمليات الفنية في صيف عام 2026.
وأضاف قبلاوي أن هذا المشروع سيشكل أول مشروع استكشاف بحري في المياه العميقة السورية، مؤكداً أن الانتقال من مرحلة التفاهمات إلى التنفيذ الفعلي يعكس رؤية واضحة تستهدف استقطاب كبرى الشركات العالمية للعمل في سوريا.
وفي هذا السياق، يرى الخبير الاقتصادي والمصرفي الدكتور إبراهيم نافع قوشجي، أن الاتفاق المبرم بين الشركة السورية للبترول وشركة “شيفرون” يمثل تحولاً جوهرياً من مرحلة “إدارة النقص” إلى مرحلة “الاستكشاف الاستراتيجي”.
وأوضح قوشجي لصحيفة “الثورة السورية” أن أهمية هذا المشروع، الذي يُعد الأول من نوعه في المياه العميقة السورية، تتجلى في تقييم الإمكانات البحرية لمنطقة بكر، حيث تشير التقديرات الأولية إلى غناها بالغاز الطبيعي، مشيراً إلى أن الاستعانة بخبرات عالمية مثل “شيفرون” تضمن دقة أعمال المسح الجيولوجي في المياه الإقليمية السورية.
استثمارات ضخمة
وفي تحليل موسع لطبيعة المشروع، أشار قوشجي إلى أن التنقيب البحري يتطلب تقنيات معقدة واستثمارات ضخمة لا تتوفر حالياً إلا لدى الشركات العالمية الكبرى، مما يعني “اختصار سنوات من المحاولات المحلية”.
وأضاف أن النجاح في استخراج الغاز من شأنه أن يسهم في معالجة أزمة الكهرباء المزمنة التي تعاني منها سوريا، عبر تشغيل محطات التوليد بالغاز المحلي بدلاً من الاستيراد المكلف الذي يثقل كاهل الموازنة العامة.
آثار إيجابية
حول الأثر الاقتصادي لهذه الاتفاقيات، رأى الخبير المصرفي أنه يتجاوز آبار النفط والغاز، ليشمل مفاصل الاقتصاد الكلي برمته، بما في ذلك:
- جذب الاستثمار الأجنبي: إذ إن دخول شركة بحجم “شيفرون” يرسل إشارة ثقة قوية للأسواق الدولية، ما قد يشجع قطاعات اقتصادية أخرى على العودة للعمل في سوريا.
- توفير القطع الأجنبي: حيث سيتم توجيه المبالغ الكبيرة التي كانت تخصص لاستيراد المشتقات النفطية نحو دعم الليرة أو تمويل مشاريع تنموية.
- خلق فرص عمل: إذ إن مشاريع الطاقة الضخمة توفر آلاف الوظائف المباشرة وغير المباشرة، وتنشط قطاع الخدمات والخدمات اللوجستية في المدن الساحلية.
ويتطلع قوشجي إلى المستقبل قائلاً: “نجاح هذه التفاهمات يضع سوريا على رادار نادي الغاز في شرق المتوسط”. ويضيف أن الاقتصاد السوري قد يتحول من اقتصاد مستهلك للطاقة إلى اقتصاد مصدّر أو ممر حيوي للغاز نحو أوروبا، ما يمنح الدولة ثقلاً سياسياً واقتصادياً كبيراً في المنطقة.
وخلص إلى أن الإعلان عن التعاون مع “شيفرون” يمثل “حجر الأساس لمرحلة جديدة”، مؤكداً أنه إذا ما تحولت مذكرات التفاهم إلى واقع إنتاجي، فإن البلاد ستكون أمام “نهضة طاقوية تعيد صياغة المشهد المعيشي”.
تحديات داخلية وخارجية
في السياق ذاته، أشار المحلل الاقتصادي عامر ديب، إلى أن الحكومة السورية شرعت بعد سقوط النظام المخلوع بأشهر في طرح بلوكات بحرية للاستثمار بالتنسيق مع شركات أميركية.
وقال ديب لصحيفة “الثورة السورية”، إن أهمية هذه البلوكات تنبع من موقعها الجيوسياسي، خاصة في ظل التوترات الإقليمية وإغلاق مضيق هرمز، ما قد ينعكس إيجابياً على قطاع الطاقة وواردات النفط وتحسين مستوى المعيشة والخدمات والبنية التحتية.
لكن ديب يحذر من تحديات كبيرة تواجه المشروع، أبرزها الاضطرابات السياسية في الشرق الأوسط والتنافس الإقليمي.
كما لفت إلى تحديات تتعلق بتقسيم المياه البحرية والحدود، إضافة إلى تحديات داخلية مثل “غياب الحوكمة والشفافية”، والروتين في التعامل مع المستثمرين المحليين والأجانب.
ورأى ديب أن المشروع يعيد رسم الوضع الجيوستراتيجي في حوض البحر المتوسط، متوقعاً أن يكون التنافس كبيراً وأن تشهد المنطقة تحولات كبرى، ولم يستبعد أن يؤدي”العزم على التنقيب إلى صراع سياسي في المنطقة”.
وأكد أنه رغم كل التحديات، فإن الأثر الاقتصادي للمشروع سيكون إيجابياً على الاقتصاد الوطني وقطاع الطاقة، سواء من ناحية التصدير أو الاستيراد أو تأمين السوق المحلية.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
