د. سلمان ريا
ليست المشكلة في لبنان اليوم أن الحرب انتهت، بل أن المرحلة التي أعقبتها أكثر تعقيداً من الحرب نفسها. فالحروب، مهما امتدت، تنتهي عند لحظة يتوقف فيها إطلاق النار، أما إعادة بناء التوازنات فتبدأ عندها فقط، وتستغرق سنوات من الصراع الصامت بين الإرادات المحلية والإقليمية والدولية.
من يراقب المشهد اللبناني من زاوية الأحداث اليومية قد يرى سجالاً حول اتفاق، أو خلافاً بين مؤسسة عسكرية وسلطة سياسية، أو تصعيداً في خطاب حزب الله، أو ضغوطاً أميركية وإسرائيلية متزايدة. غير أن هذه الوقائع، على أهميتها، ليست سوى مظاهر لتحول أعمق يجري في بنية النظام الإقليمي. فما يشهده لبنان ليس مجرد تفاوض على نقاط حدودية أو ترتيبات أمنية، بل انتقال تدريجي من مرحلة كان البلد فيها جزءاً من شبكة محاور إقليمية متشابكة، إلى مرحلة يُراد له فيها أن يستعيد موقع الدولة، ولو بصورة بطيئة ومتعثرة.
لهذا تبدو العبارة الأكثر دقة لوصف المرحلة هي أن المعركة الحقيقية لم تعد بين لبنان وإسرائيل، ولا بين الولايات المتحدة وإيران، بل بين منطق الدولة ومنطق المحور. فالدولة بطبيعتها تحتكر القرار الأمني والعسكري وتربطه بالمؤسسات والقانون، بينما يقوم منطق المحور على توزيع القوة بين الفاعلين، وربط القرار الوطني بحسابات تتجاوز الحدود.
من هنا يمكن فهم كثير من الوقائع التي تبدو متفرقة لأول وهلة. فالجيش اللبناني، وهو المؤسسة الأكثر حساسية في هذه المرحلة، يجد نفسه أمام معادلة دقيقة: تنفيذ ما تقرره السلطة السياسية، مع المحافظة في الوقت نفسه على عقيدته العسكرية وإطاره القانوني وصورته الوطنية. ولذلك لا تبدو تحفظاته على بعض آليات التفاوض أو التنسيق مجرد موقف إداري، بل تعبيراً عن إدراك المؤسسة العسكرية لخطورة الانتقال من تنفيذ القرار السياسي إلى الانخراط في ترتيبات قد تفرض عليها أدواراً تتجاوز وظيفتها الدستورية.
وفي المقابل، لا يقرأ حزب الله ما يجري باعتباره نقاشاً تقنياً حول تطبيق تفاهمات أو ترتيبات أمنية، بل باعتباره بداية مشروع سياسي يهدف إلى إعادة تعريف موقعه داخل لبنان، وفصل الساحة اللبنانية تدريجياً عن البيئة الاستراتيجية التي تشكل فيها نفوذه طوال العقود الماضية. ولهذا يرفع سقف اعتراضه، لأنه يدرك أن التحولات الكبرى لا تبدأ عادةً بقرارات حاسمة، بل بسلسلة من الإجراءات المتدرجة التي تعيد رسم موازين القوى من دون إعلان صريح.
لكن اختزال المشهد في مواجهة بين الدولة والحزب يبقى قراءة ناقصة. فلبنان لم يعد يتحرك داخل بيئة إقليمية مستقرة، بل في شرق أوسط يعاد تشكيله من جديد. النفوذ الإيراني يواجه ضغوطاً متزايدة، وسوريا تحاول تثبيت دولتها بعد سنوات من الحرب، وتركيا توسع حضورها السياسي والأمني في بلاد الشام، فيما تعيد الولايات المتحدة ترتيب أولوياتها، واضعةً نصب عينيها تقليص الانخراط العسكري المباشر مع الحفاظ على القدرة على إدارة التوازنات. وفي الخلفية، تزداد المنافسة الدولية حضوراً مع سعي الصين إلى توسيع نفوذها الاستراتيجي، ومحاولة روسيا الحد من آثار استنزافها في الحرب الأوكرانية.
وسط هذه التحولات، يفقد لبنان تدريجياً موقعه التقليدي كساحة مستقلة للصراع، ليصبح جزءاً من عملية إعادة توزيع أوسع للأدوار والنفوذ. لذلك فإن أي اتفاق، وأي تفاوض، وأي تصعيد، لا يمكن فهمه بمعزل عن هذه الصورة الأشمل.
ومع ذلك، فإن أكبر الأخطاء هو الاعتقاد أن مستقبل لبنان سيُحسم على طاولة مفاوضات أو في بيان سياسي. فالمنطقة مليئة باتفاقات بقيت حبراً على ورق لأنها اصطدمت بوقائع الداخل. والعبرة، كما أثبتت تجارب العقود الماضية، ليست في توقيع الاتفاقات، بل في القدرة على تنفيذها، وفي مدى استعداد القوى المحلية للتكيف مع التحولات الجديدة أو مقاومتها.
قد ينجح لبنان في الانتقال إلى مرحلة تستعيد فيها الدولة احتكار القرار العام، وقد يدخل في دورة جديدة من الانقسام إذا شعر أي طرف بأن إعادة بناء الدولة تتم على حساب وجوده لا ضمن عقد وطني جديد. وهذه هي المعضلة الحقيقية: فالدول لا تُبنى بالغلبة، كما أن موازين القوى لا تبقى ثابتة إلى الأبد.
لذلك، فإن السؤال الذي سيحدد المرحلة المقبلة ليس: من ربح جولة التفاوض الأخيرة؟ بل سؤال أكثر عمقاً: هل دخل لبنان فعلاً زمناً سياسياً جديداً، أم أنه لا يزال يعيش الفصل الأخير من النظام الذي نشأ بعد الحروب السابقة؟
الإجابة لن تأتي من التصريحات ولا من الاحتفالات ولا من حملات التخوين، بل من الوقائع التي ستفرض نفسها على الأرض. ففي السياسة، كما في التاريخ، لا يكتسب أي اتفاق معناه الحقيقي إلا عندما يتحول إلى واقع، ولا تكتسب أي دولة سيادتها بمجرد إعلانها، بل بقدرتها على ممارستها.
(موقع: أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

