آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » لسان العرب.. من معجم للكلمات إلى ذاكرة الحضارة

لسان العرب.. من معجم للكلمات إلى ذاكرة الحضارة

في زمن تكفي فيه ضغطة واحدة للبحث عن معنى كلمة، نعود أكثر من سبعة قرون إلى عالم كان جمع اللغة فيه يحتاج عمراً من القراءة والمقابلة والتصنيف، هناك أنجز جمال الدين ابن منظور «لسان العرب»، فجمع في معجمه خلاصة خمسة من أمهات المعاجم العربية، ورتبها وفق منهج «الصحاح» للجوهري، ليصبح كتابه واحداً من أوسع معاجم العربية وأكثرها حضوراً.

ومن نافذة الكلمات هذه، تفتح أمهات الكتب في سانا الثقافية صفحتها الأسبوعية، فلا تقرأ «لسان العرب» بوصفه دليلاً لمعاني الألفاظ فحسب، بل موسوعة حفظت الشعر والقرآن الكريم والحديث النبوي والأمثال والأخبار، وحملت إلى الحاضر جانباً واسعاً من ذاكرة العرب وطرائق رؤيتهم للإنسان والعالم.

ابن منظور.. جامع التراث

ولد أبو الفضل جمال الدين محمد بن مكرم، المعروف بابن منظور، سنة 630هـ/1232م، ويرجح أنه ولد في مصر، مع وجود روايات تنسب مولده إلى طرابلس الغرب، وعمل في ديوان الإنشاء بالقاهرة، ثم تولى القضاء في طرابلس، قبل أن يعود إلى مصر، حيث توفي سنة 711هـ/1311م.

وعُرف ابن منظور بجمع الكتب المطولة واختصارها، وترك إلى جانب «لسان العرب» مختصرات لعدد من المصنفات الكبرى، من بينها «تاريخ دمشق» لابن عساكر و«الحيوان» للجاحظ، بما يعكس نزوعه إلى جمع المعرفة المتفرقة وإعادة تنظيمها وتقريبها من القارئ، غير أن مشروعه المعجمي بقي ذروة أعماله وأكثرها تأثيراً.

من التفرق إلى الموسوعة

صرح ابن منظور في مقدمة لسان العرب بأن غايته كانت جمع ما تفرق في كتب السابقين، إذ رأى أن بعض المعاجم أحسن جمع اللغة ولم يحسن ترتيبها، بينما امتاز بعضها بحسن التنظيم من دون أن يستوعب مادتها الواسعة.

01 14 لسان العرب.. من معجم للكلمات إلى ذاكرة الحضارة

ولهذا أقام معجمه على خمسة أصول كبرى هي: «تهذيب اللغة» للأزهري، و«المحكم والمحيط الأعظم» لابن سيده، و«الصحاح» للجوهري، وحواشي ابن بري على «الصحاح» لأبو محمد عبد الله بن بري المصري، و«النهاية في غريب الحديث والأثر» لابن الأثير، إلى جانب إفادته من مصادر أخرى في اللغة والأدب والرواية.

ويكشف هذا المنهج عن قيمة الجمع في مشروع ابن منظور؛ فقد وحّد ما تفرق في تلك الأصول من ألفاظ وشواهد وأقوال، وأعاد ترتيبها في مؤلف واحد، فتحول «لسان العرب» إلى مرجع جامع لخلاصة مرحلة واسعة من التأليف المعجمي العربي.

وتناول الباحث إبراهيم علي محمد عوض، في دراسة بعنوان «منهج ابن منظور في مادة لسان العرب»، مراحل التدوين اللغوي والطريقة التي اعتمدها مؤلف المعجم في نقل مادته وترتيبها وتحريرها.

لغة تحمل تاريخها

يضم «لسان العرب» نحو 80 ألف مادة لغوية، وتقترب شواهده الشعرية، وفق تقديرات متداولة، من 32 ألف بيت، موزعة على عصور الشعر المختلفة، إلى جانب شواهده من القرآن الكريم والحديث النبوي والأمثال والأخبار وأقوال اللغويين والنحويين.

وحين يقرأ الباحث معنى الكلمة في المعجم، يجد حولها طبقات من الثقافة: بيتاً شعرياً، أو خبراً تاريخياً، أو استعمالاً فقهياً، أو وصفاً لنبات أو حيوان أو أداة أو عادة اجتماعية.

وتؤكد الباحثة الجزائرية صليحة بعطوش، في دراستها «لسان العرب لابن منظور: دراسة في الشواهد والمستويات اللغوية»، أن تنوع الشواهد والقضايا اللغوية التي عالجها الكتاب جعله يتجاوز الوظيفة الأساسية للمعجم إلى عمل موسوعي يضم معارف أدبية ولغوية وثقافية متعددة.

ومن هنا تكمن أهمية «لسان العرب» الحضارية؛ فالمعجم لا يحفظ الألفاظ وحدها، بل يصون معها جانباً من العالم الذي استُعملت فيه، ومن نظرة العرب إلى الإنسان والطبيعة والعمل والطعام واللباس والعلاقات الاجتماعية.

ترتيب الكلمات

اتبع ابن منظور في «لسان العرب» منهج الجوهري في «الصحاح»، فرتب المواد بحسب الحرف الأخير من الجذر، ثم الحرف الأول وما يليه؛ لذلك تُطلب كلمة «كتب» في باب الباء، فصل الكاف، وقد خدم هذا النظام الباحثين عن القوافي، لكنه جعل استعمال المعجم مرتبطاً بمعرفة جذور الكلمات وطريقة ترتيبه الخاصة.

وجمع ابن منظور مشتقات الجذر الواحد، وعرض معانيها وشواهدها وأقوال علماء اللغة نقلاً عن مصادره الأساسية، غير أن اعتماد الكتاب على مواد معجمية متعددة أوجد تفاوتاً أحياناً بين بعض المداخل والروايات، ما يستدعي الرجوع إلى الأصول عند التحقيق الدقيق، مع بقاء «لسان العرب» مرجعاً جامعاً يكشف مراحل واسعة من تطور التأليف المعجمي العربي.

من الورق إلى البحث الرقمي

شهد «لسان العرب» طبعات كثيرة، من أشهرها طبعة دار صادر في خمسة عشر مجلداً، وطبعة دار المعارف التي تولى تحقيقها عبد الله علي الكبير ومحمد أحمد حسب الله وهاشم محمد الشاذلي، وصدرت في ستة أجزاء، إلى جانب الفهارس التي يسرت البحث في مواده.

وأسهمت النسخ الرقمية وقواعد البيانات في تجاوز كثير من صعوبات التصفح، فأصبح الوصول إلى المادة ممكناً بالبحث المباشر عن الكلمة أو الجذر أو العبارة، لكن انتقال الكتاب إلى البيئة الرقمية لا يلغي الحاجة إلى فهم منهجه؛ فالبحث الإلكتروني قد يقود إلى اللفظ بسرعة، لكنه لا يعوض معرفة الجذر، ولا يفسر الفروق بين الروايات، ولا يميز دائماً بين كلام ابن منظور والنصوص التي نقلها عن مصادره.

ويظل «لسان العرب» مرجعاً أساسياً للغة التراثية، لكنه لا يغني وحده عن المعاجم الحديثة في تفسير الاستعمالات والمصطلحات المستجدة؛ لذلك تتكامل قيمته اليوم مع المدونات اللغوية والمعاجم الرقمية والمشروعات الحاسوبية التي تتيح تتبع تطور الكلمات وربطها بعلاقاتها الدلالية عبر العصور.

ذاكرة العربية

بعد أكثر من سبعة قرون، لا يزال «لسان العرب» حاضراً بوصفه أكثر من معجم للألفاظ؛ فقد جمع ألفاظ اللغة وشواهدها في الشعر والقرآن الكريم والحديث والأخبار، وحفظ من خلالها جانباً واسعاً من ذاكرة العرب وثقافتهم، ومن هنا استحق مكانته بين أمهات الكتب، مرجعاً يجمع التراث المعجمي ويكشف تاريخ العربية وطرائق تعبيرها عن الإنسان والعالم.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_سانا

x

‎قد يُعجبك أيضاً

كورال “نهاوند” يحيي أمسية “كلثوميات 2” على مسرح المركز الثقافي العربي في طرطوس بقيادة حلا نقرور وبمرافقة فرقة جورج ضاوي الموسيقية

    على خشبة مسرح المركز الثقافي العربي في طرطوس، أحيا كورال “نهاوند” مساء الثلاثاء أمسية فنية بعنوان “كلثوميات 2”، بقيادة الأستاذة حلا نقرور، وبمرافقة ...