آخر الأخبار
الرئيسية » منوعات » لماذا لم تعد 8 ساعات من النوم كافية؟

لماذا لم تعد 8 ساعات من النوم كافية؟

 

 

لطالما اعتُبرت 8 ساعات من النوم المعيار الذهبي للحصول على الراحة واستعادة النشاط. لكن كثيرين باتوا يلاحظون مفارقة محيرة: ينامون المدة الموصى بها، ومع ذلك يستيقظون وهم يشعرون بالتعب وكأنهم لم يناموا جيداً.

 

وبحسب تقرير نشرته «ناشيونال جيوغرافيك»، فإن أبحاثاً حديثة تشير إلى أن المشكلة قد لا تكون في عدد ساعات النوم بقدر ما هي في قدرة الجسم على الدخول في مراحل النوم العميق واستكمال عمليات التعافي البيولوجية الضرورية.

 

لماذا لا يكفي عدد الساعات وحده؟

في مختبرات النوم، لاحظ الباحثون نمطاً متكرراً يتمثل في انخفاض الوقت الذي يقضيه كثير من الأشخاص في مرحلة النوم البطيء العميق، رغم أن إجمالي ساعات النوم يبدو طبيعياً.

 

وتُعد هذه المرحلة من النوم الأكثر ارتباطاً بإصلاح الخلايا واستعادة الطاقة والتعافي الأيضي.

 

بمعنى آخر، قد يقضي الشخص ثماني ساعات كاملة في السرير، لكن جسمه لا يحصل على المستوى المطلوب من التعافي البيولوجي.

 

ويقول الباحث في علوم النوم بجامعة ولاية بنسلفانيا، أورفيو بوكستون:

 

«قد ينتهي يومك، لكن دماغك لم يتلقَّ بعد الإشارات الهرمونية والعصبية التي تخبره بأن الوقت أصبح آمناً للتخلي عن حالة التأهب، مثل انخفاض الكورتيزول، وتنشيط الجهاز العصبي نظير الودي، وانتقال الساعة البيولوجية بالكامل إلى الوضع الليلي».

 

المشكلة ليست في الشاشات فقط

يميل كثيرون إلى إلقاء اللوم على استخدام الهواتف الذكية أو الأجهزة الإلكترونية قبل النوم، لكن الباحثين يرون أن القضية أكثر تعقيداً.

 

فوفقاً للطبيبة النفسية في جامعة ستانفورد، آنا ليمبكي، فإن التحفيز الرقمي المستمر يدفع نظام المكافأة في الدماغ إلى حالة من الترقب الدائم، ما يجعل العقل أكثر صعوبة في الاسترخاء حتى بعد إغلاق الشاشة.

 

وتشير دراسة نُشرت عام 2025 في مجلة Frontiers in Psychiatry إلى أن الاعتماد المرتفع على الهواتف الذكية ارتبط بتراجع جودة النوم وارتفاع مستويات الضيق النفسي، حتى لدى الأشخاص الذين يخصصون وقتاً للراحة.

 

وتوضح ليمبكي أن المشكلة لا تكمن فقط في تأخير موعد النوم، بل في أن الجسم قد لا يتمكن من تفعيل الآليات البيولوجية اللازمة للتعافي الكامل حتى عندما ينام الشخص مدة كافية.

 

كيف يعرف الجسم أن وقت الراحة قد حان؟

صُمم نظام التوتر في الجسم ليظل يقظاً عندما يشعر بوجود مهام أو مطالب غير منتهية.

 

ولا تبدأ عملية التعافي الحقيقية إلا عندما يتوقف الدماغ عن مراقبة هذه المطالب.

 

لكن في الحياة الحديثة، تظل الرسائل والإشعارات والأخبار والمحتوى الرقمي تتدفق باستمرار، ما يجعل الدماغ أقل قدرة على إدراك أن اليوم قد انتهى بالفعل.

 

وتقول ليمبكي:

 

«عندما نكون عالقين في الدوامة الرقمية، نبقى في حالة استجابة مستمرة».

 

أما بوكستون فيصف هذه الحالة بأنها نوع من «التكسير الهيدروليكي البشري»، موضحاً أن الاقتصاد الرقمي يعتمد على جذب الانتباه بشكل مستمر، ما يستهلك الموارد الذهنية ويُبقي الإنسان في حالة من اليقظة الدائمة.

 

الضوء الليلي وتأثيره على الدماغ

لا يقتصر تأثير الإضاءة الصناعية ليلاً على تأخير الساعة البيولوجية فقط.

 

فبحسب الباحثين، يؤدي الضوء أيضاً إلى تنشيط مسارات عصبية مرتبطة باليقظة والانتباه، كما قد يرفع مستويات الكورتيزول ويخفي الشعور الطبيعي بالنعاس مؤقتاً.

 

وهذا يفسر لماذا يشعر كثيرون بالقدرة على مواصلة التصفح أو مشاهدة المحتوى لساعات إضافية، رغم أن أجسامهم تحتاج فعلياً إلى النوم.

 

توقيت النوم لا يقل أهمية عن مدته

يركز معظم الناس على عدد ساعات النوم، لكن الباحثين يشددون على أن توقيت النوم عامل أساسي أيضاً.

 

وتقول الباحثة في علوم النوم بجامعة نورث وسترن، كريستن نوتسون:

 

«عندما نتحدث عن الشعور بالراحة، فإن توقيت النوم لا يقل أهمية عن مدته».

 

وتوضح أن النوم في وقت لا يتوافق مع الساعة البيولوجية قد يكون أقل عمقاً وأقل قدرة على استعادة النشاط، حتى لو استمر لساعات طويلة.

 

ومن الأمثلة الشائعة على ذلك ما يُعرف بـ«اضطراب التوقيت الاجتماعي»، حيث يلتزم الشخص بمواعيد نوم معينة خلال أيام العمل، ثم يغيّرها بشكل كبير في عطلة نهاية الأسبوع قبل العودة مجدداً إلى النظام السابق.

 

ويشبه الباحثون هذه الحالة بالتنقل المستمر بين مناطق زمنية مختلفة، ما يمنع الساعة البيولوجية من الاستقرار.

 

ما الذي يحدث داخل الجسم أثناء النوم؟

يمر النوم بسلسلة دقيقة من التغيرات الهرمونية والعصبية.

 

فالكورتيزول، وهو الهرمون الرئيسي المسؤول عن اليقظة، يرتفع قبل الاستيقاظ وينخفض تدريجياً مع حلول المساء، ما يسمح بدخول مرحلة النوم البطيء العميق.

 

لكن الأبحاث تشير إلى أن التوتر أو التعرض للضوء في وقت متأخر قد يعرقل هذا الانخفاض الطبيعي، ما يؤدي إلى تقليل جودة النوم العميق حتى لو لم يؤثر في عدد ساعات النوم.

 

وتُعد مرحلة النوم العميق ضرورية أيضاً لعمل النظام المسؤول عن إزالة الفضلات الأيضية المتراكمة في الدماغ خلال ساعات اليقظة.

 

وعندما يتعطل النوم العميق، تصبح هذه العملية أقل كفاءة، ما قد يفسر الشعور بالإرهاق رغم النوم لفترة كافية.

 

لماذا لم تعد الراحة تمنح الشعور نفسه؟

ترى ليمبكي أن التحفيز الرقمي المستمر لا يغير انتباهنا فقط، بل يغير أيضاً توقعات الدماغ.

 

فكثير من الناس يعتادون البحث المستمر عن الجديد أو المهم أو العاجل، ما يجعل الهدوء يبدو غريباً بدلاً من أن يكون مريحاً.

 

وتشير الأبحاث إلى أن استعادة القدرة على الراحة لا تتطلب التخلص من التكنولوجيا بالكامل، بل بناء حدود نفسية واضحة بين العمل والراحة.

 

ويؤكد بوكستون أن ما يسميه الباحثون «الانفصال النفسي» عن المطالب اليومية يُعد أحد أهم العوامل المرتبطة بتحسن النوم والتعافي.

 

كيف تساعد جسمك على الحصول على نوم أكثر جودة؟

يشير الباحثون إلى أن تحسين النوم لا يتطلب عادات مثالية، لكنه يحتاج إلى إشارات واضحة ومتكررة تدل على انتهاء اليوم.

 

ومن أبرز الخطوات التي قد تساعد:

 

الحفاظ على مواعيد نوم واستيقاظ منتظمة.

تقليل التعرض للضوء الساطع مساءً.

إغلاق الحاسوب والأجهزة الإلكترونية قبل النوم.

تخفيف الإضاءة المنزلية في الساعات الأخيرة من اليوم.

الابتعاد عن الإشعارات والمحتوى المثير للتنبيه قبل النوم.

 

ويؤكد الخبراء أن جودة النوم تعتمد على أكثر من مجرد عدد الساعات. فحين يحصل الدماغ على إشارات واضحة بأن اليوم انتهى، تتراجع حالة التأهب، ويزداد نشاط الجهاز العصبي المسؤول عن الاسترخاء، وتصبح عملية التعافي الليلي أكثر فعالية.

 

ولهذا السبب، قد لا تكون المشكلة في أنك لا تنام بما يكفي، بل في أن جسمك لم يحصل بعد على الظروف التي تسمح له بالراحة الحقيقية.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الأخبار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

أمثال شعبية مدسوسة ساهمت في إضعاف قيم مجتمعاتنا..هذه أبرزها

  متابعة:هيثم يحيى محمد   ليست كل الأمثال الشعبية حكمةً تُقتدى، فبعضها رسّخ قيماً سلبية من خوفٍ وانتهازيةٍ واستسلامٍ ونفاق، حتى تحوّل مع الزمن إلى ...