آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » مارسيلين إيليا في حوار خاص لـ”أخبار سوريا الوطن”: من ذاكرة الجزيرة السورية إلى فضاءات السويد.. القهوة تحمل وجعي وحنيني، والدهشة تبقي أبواب الفن مفتوحة

مارسيلين إيليا في حوار خاص لـ”أخبار سوريا الوطن”: من ذاكرة الجزيرة السورية إلى فضاءات السويد.. القهوة تحمل وجعي وحنيني، والدهشة تبقي أبواب الفن مفتوحة

حاوره: علي نفنوف

 

 

يحمل الفنان التشكيلي مارسيلين إيليا في ذاكرته شيئًا من أرض الجزيرة السورية؛ تلك الأرض التي لا تغادر أبناءها مهما ابتعدت المسافات. من الحسكة، حيث البدايات الأولى وهدوء الطفولة وعلاقة الإنسان بالطبيعة، حمل ألوانه وذاكرته وحسه الجمالي إلى السويد، وهناك، في بلده الثاني كما يسميها، استعاد علاقته باللوحة بعد انقطاع طويل، لتبدأ تجربة جديدة تتكئ على الأكريليك تارة، وعلى القهوة تارة أخرى، وتبحث في الحالتين عن جوهر واحد هو الجمال.

لم يكن انقطاعه عن الرسم انقطاعًا عن الفن. فقد وجد في الديكور وتنسيق الزهور مساحة أخرى لممارسة عينه الفنية، وفي الطبيعة لغة موازية للوحة. وحين عاد إلى الرسم بعد نحو عشرين إلى خمسة وعشرين عامًا، لم يعد الفنان نفسه تمامًا؛ فقد حملت تجربته الجديدة ذاكرة المكان، ووجع الغربة، وأسئلة الإنسان، ورغبة عميقة في السلام.

في تجربة إيليا، لا تبدو القهوة مجرد مادة لونية غير مألوفة، بل تتحول إلى وسيط يحمل دفء الذاكرة وشفافية التعبير، بينما تبقى الزهور والطبيعة امتدادًا آخر لعلاقته القديمة بالجمال. وبين الحسكة والسويد، وبين اللون ورائحة القهوة، تتشكل تجربة فنان ما زال يترك الباب مفتوحًا أمام الدهشة والمغامرة.

*ورداً على سؤالنا حول الجذور التي ما زالت تحرك تجربته، وما الذي بقي من الطفل الذي عاش في الجزيرة السورية داخل الفنان الذي استقر في السويد، قال مارسيلين إيليا:

“ما زلت كما كنت طفلًا هادئًا في قريتي الجديدة، في الجزيرة السورية. أؤمن أن الموهبة منحة من الله لكل فنان يمتلك بصيرة مميزة، ولذلك بقيت علاقتي بالفن مرتبطة بما أشعر به في داخلي قبل أي شيء آخر.

هويتي الباطنية تختزن المحبة والتسامح، والصدق والوفاء، والصبر والصمت، والفرح والحزن، والأهم من ذلك كله السلام الذي أتمناه للعالم أجمع.

لقد ابتعدت عن الرسم سنوات طويلة بسبب انشغالي بمهنة الديكور وتنسيق الأزهار، لكنها لم تكن بعيدة عن الفن، فقد كانت الزهور بالنسبة إليّ وسيلة أخرى لإشباع رغبتي في الجمال، ورؤية الفرح والسلام الحقيقيين. ثم جاءت السويد، بلدي الثاني، والعاشقة للفنون بكل أشكالها، لتتيح لي فرصة العودة إلى الرسم بعد انقطاع دام نحو عشرين إلى خمسة وعشرين عامًا”.

*وحين انتقلنا معه إلى تجربته اللافتة في الرسم بالقهوة، وسألناه عن سر هذه المادة اليومية التي تحولت بين يديه إلى لغة تشكيلية، أوضح قائلاً:

“في القهوة أرى جمالًا حقيقيًا، عميقًا وحساسًا في التعبير. بدأت تجربتي معها لما تمتلكه من قيمة لونية خاصة، ولما تمنحني إياه من سرعة وشفافية وجمال في التعبير.

أشعر أن القهوة تمنحني ثقة بالنفس، وتساعدني على توزيع اللون بسرعة وبحرية، كما أنها تفتح أمامي أفكارًا جميلة باستمرار. وعندما تصبح القهوة فنًا، أشعر بفرح حقيقي أثناء العمل، وهذا الشعور يكفي لكي يمنحني الثقة بالذات”.

*ورداً على سؤالنا حول الجانب التقني في هذه التجربة، وكيف يتعامل مع مادة سائلة لا تمنح الفنان دائمًا فرصة التراجع أو التصحيح، قال إيليا إن الفكرة تظل بالنسبة إليه نقطة البداية:

“حين تولد الفكرة لديّ، أتعامل معها في لحظتها، ولا أضع أمامها حدودًا تتعلق بالأداة أو اللون. يمكن أن أرسم بالقهوة أو بالأكريليك، لكن المهم أن ألتقط الفكرة حين تأتي.

إذا ولدت الفكرة فلا بد من الإبداع، وهذا ينطبق في رأيي على كل فنان تشكيلي. الأداة تساعد الفنان، لكنها لا تصنع الفكرة، لأن البداية دائمًا من الداخل”.

*وعندما سألناه عن حضور الطفل الداخلي في أعماله، وعن العفوية والبساطة اللتين يلحظهما بعض النقاد في تجربته، بدا إيليا قريبًا من هذه القراءة، وقال:
“أكنّ كل التقدير لمن يرون تجربتي من هذا الجانب، وأشعر بالفعل أن إحساسي يميل إلى هذه الاتجاهات. أنا أرسم عندما تأتيني الفكرة في لمح البصر، وبأي أداة وبأي لون.

هذا يمنحني مساحة واسعة للذهاب نحو الموضوعات التي تمس مشاعر الإنسان، مهما اختلف عمره أو تجربته. وربما كان ذلك الطفل الهادئ الذي ما زال يعيش في داخلي هو الذي يمنحني هذه العفوية والقدرة على استقبال الفكرة دون قيود”.

*ومن القهوة انتقلنا إلى الزهور، وهي المساحة التي رافقت حياته الفنية والمهنية خلال سنوات ابتعاده عن الرسم، وسألناه عن العلاقة بين بناء اللوحة وبناء باقة من الزهور، فأجاب:

“الموهبة الفنية هي التي منحتني الثقة في العمل بالديكور وتنسيق الزهور، رغم أنني لم أمارس هذه المهنة من قبل. ومع ذلك، استطعت أن أحقق تميزًا في التجميع والتكوين والتجديد المستمر، وهو ما كان يلفت الزبائن والزوار.

كنت عاشقًا للزهور، وربما كان هذا الحب هو الذي جعل التجربة ممكنة. فالطبيعة تحاكي الإنسان كما يحاكي الإنسان الطبيعة، وتصبح أكثر جمالًا لمن يفهم لغتها ويدرك جمالها وعطرها الذي لا يعرف إلا الحب والسلام”.

*أما عن المفارقة بين عالم القهوة الهادئ، بدرجاته اللونية المحدودة، وعالم الزهور الغني بالألوان والملامس، فقد رأى إيليا أن المسألة تتصل قبل كل شيء بالحالة الداخلية للفنان، وقال:

“الفنان التشكيلي يحتاج إلى الصبر والصمت، وفي أحيان كثيرة إلى العزلة أيضًا. وهذه الحالات تمنحه التوازن العقلي والرؤية البصرية اللازمة لصناعة الجمال وفهم فلسفة الإبداع.

قد تختلف المهنة أو الموهبة أو الأداة، لكن الفنان في النهاية يبحث عن الجمال. بالنسبة إليّ، لا أرى تعارضًا بين القهوة والزهور؛ فلكل منهما لغته، لكن الروح التي تبحث عن الجمال واحدة”.

*وعندما عدنا إلى معرضه الفردي الأول في الحسكة، الذي حمل عنوان “سوريا اسمًا عاليًا”، وسألناه كيف تحولت صورة الوطن والذاكرة بعد انتقاله إلى السويد، وما الذي تحمله القهوة من جغرافيا الحسكة وذاكرة المكان، قال:
“كما حملت ألواني بالأكريليك بيوت الحسكة وجغرافية الوطن الحبيب، تحمل القهوة اليوم الكثير من المعاني التي تتجاوز المكان.

تحمل لوحات القهوة الغربة والرحيل والعطش والجوع وظلمة الليل، وتحمل اشتياق الأم لابنها وحنان الأب لابنه. وهذه كلها مشاعر استمددتها من واقعنا ومن وحي الحروب الدائرة في هذه الأيام، وما تركته من ألم في الإنسان.

القهوة بالنسبة إليّ أصبحت قادرة على حمل الذاكرة والوجع والحنين، وفي الوقت نفسه تحمل أملًا أتمناه لسوريا وللعالم أجمع، وهو السلام”.

*وفي نهاية الحوار، توقفنا عند دعوات بعض النقاد إلى إطلاق مزيد من الحرية لذلك الطفل الساكن في داخله، والذهاب بتجربة الرسم بالقهوة نحو التجريد والغموض والمغامرة، فأجاب إيليا:

“أحترم هذه الرؤية النقدية، وأرى أن الفنان يجب أن يبقى مفتوحًا على التجربة والمغامرة. أنا لا أضع حدودًا مسبقة أمام الفكرة، ولا أعرف دائمًا إلى أين ستأخذني.

إذا قادتني الفكرة يومًا إلى مساحة أكثر غموضًا وتجريدًا، فسأمنحها الفرصة. فما زلت أؤمن بأن الفنان يحتاج إلى الحرية، وأن عليه ألا يفقد دهشته.

ذلك الطفل الذي يسكن داخلي ما زال موجودًا، وربما يكون هو الذي يمنحني القدرة على الاكتشاف. وما دام الفنان قادرًا على الدهشة، فإن أبواب الفن ستظل مفتوحة أمامه.

وأمنيتي في النهاية أن يجد المتلقي في لوحتي شيئًا من نفسه، وأن يشعر بالفرح والحزن والحنين والأمل، وأن يرى في الجمال طريقًا ممكنًا نحو السلام”.

وهكذا تبدو تجربة مارسيلين إيليا رحلة لم تنقطع فيها الصلة بين المكان والإنسان، حتى حين تغيرت الجغرافيا. حمل من الحسكة ذاكرة الأرض والطبيعة، وحمل إلى السويد ألوانًا تبحث عن فضاء جديد، ثم عاد إلى اللوحة وفي يده القهوة، كأنها مادة تختصر المسافة بين ما كان وما صار؛ بين بيت قديم في الجزيرة السورية ومرسم بعيد في الشمال، وبين ذاكرة لا تريد أن تنطفئ وفنان ما زال يرى في اللون فرصة أخرى للحياة.

 

 

 

 

 

(موقع:اخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

فضل شاكر يعود إلى المسرح بعد غياب طويل.. حفل في موسم الرياض

يعود الفنان اللبناني فضل شاكر إلى إحياء الحفلات بعد سنوات من الغياب عن المسارح، من خلال حفل مرتقب في العاصمة السعودية الرياض، ضمن فعاليات موسم ...