مروة جردي
من تعليق دبّوس للمطالبة بوقف حرب الإبادة في غزة، إلى رفع الأعلام الفلسطينية وارتداء الكوفية في المهرجانات والاحتفالات الفنية، مروراً بالمواقف العلنية التي أدانت الصهيونية وانحازت إلى الضحايا؛ يشهد العالم منذ السابع من تشرين الأول (أكتوبر) 2023 اتساعاً غير مسبوق لحملات التضامن مع الفلسطينيين. ومع الوقت، اتخذت هذه المواقف شكلاً أكثر تنظيماً ووضوحاً، وصولاً إلى المطالبة بمقاطعة الإسرائيليين ومؤسساتهم الثقافية والفنية في المحافل الدولية، وعزلهم ثقافياً بوصف ذلك جزءاً من الضغط على كيان الاحتلال.
كواليس خاصة من مرسيليا
في هذا السياق، تحتضن فرنسا عدداً من المبادرات والحملات المؤثرة المناهضة للتطبيع الثقافي مع إسرائيل، وقد باتت تطرح أسئلة أكثر تعقيداً حول حدود الفصل بين الفنان والدولة التي يمثلها.
يبرز ذلك في الجدل الدائر حول مشاركة المخرج الإسرائيلي ناداف لابيد وفيلمه «Oui» (2025) ضمن فعاليات مهرجان FID في مرسيليا، أحد أبرز المهرجانات السينمائية في فرنسا. وعلمت «الأخبار» من مصادر خاصة أنّ حملة مقاطعة بدأت تنتظم في كواليس المهرجان عبر مجموعة من الفنانين والمخرجين العرب والأوروبيين، الذين شرعوا ببعث رسائل فردية إلى الإدارة يلوّحون فيها بمقاطعة الحدث في حال تأكدت مشاركة المخرج الإسرائيلي وفيلمه أو تنظيم فعالية مخصصة له لمناقشة كتاب حوله.
كتاب عن تحديات مخرج إسرائيلي!
لا يقتصر الاعتراض على عرض الفيلم وحده، بل يمتد أيضاً إلى احتمال تنظيم جلسة خاصة حول كتاب «نداف لابيد: وصف معركة» الصادر بإشراف مورغان بوكيه بالتزامن مع إطلاق فيلمه الجديد.
ويضم الكتاب حواراً مطولاً مع لابيد وشهادات لمتعاونين ومقربين منه، ويتناول مسيرته الفنية وعلاقته باللغة والصورة، إضافة إلى الأبعاد السياسية والشخصية التي طبعت أعماله من البداية وصولاً إلى فيلمه الأخير Oui. وبالنسبة إلى ناشطي المقاطعة، فإن منح هذه التجربة منصةً إضافية داخل المهرجان يطرح الإشكالية نفسها المتعلقة باستضافة المخرج وفيلمه.
هل المعارضة خارج المقاطعة؟
تثير هذه القضية التي بدأت تتشكل في كواليس مهرجان مرسيليا سؤالاً حول محاولات بعض الأوساط الثقافية الدفاع عن مشاركة أعمال فنية لمعارضين للحكومة الإسرائيلية باعتبار أنّ الفيلم يتضمن نقداً لـ «المجتمع» الإسرائيلي من الداخل، لكن هذا التبرير لا يقنع عدداً من المشاركين والناشطين في المهرجانات، الذين يقودون حملة اعتراض متواصلة ضد حضور أعمال فنية إسرائيلية مهما كانت رسالتها.
ومن المعلومات الخاصة التي توافرت لنا، علمنا بانضمام عدد من المخرجين والمثقفين العرب والأوروبيين إلى المعترضين على مشاركة لابيد في المهرجان، من بينهم المخرج اللبناني غسان سلهب وشخصيات ثقافية أخرى.
رسائل فردية إلى إدارة المهرجان ملوّحة بمقاطعة الحدث
ويستند المعترضون إلى جملة من الأسباب، أبرزها حصول الفيلم على دعم مباشر من مؤسسات إسرائيلية رسمية بنسبة تقارب 10% من ميزانيته، فضلاً عن مشاركة مخرجه سابقاً في فعاليات سينمائية أُقيمت في القدس المحتلة، رغم تقديمه نفسه بوصفه معارضاً للحكومة الإسرائيلية ورافضاً للحرب على غزة. وبالنسبة إلى أصحاب حملة المقاطعة، فإن هذه المعطيات تجعل العمل جزءاً من المنظومة الثقافية الإسرائيلية التي تسعى إلى تحسين صورة الدولة في الخارج.
جدل في فرنسا حول إسرائيل
هذا الجدل كانت قد تناولته الصحافية الفرنسية من أصل جزائري لويزا اليوسفي، المعروفة باهتمامها بالقضايا المناهضة للاستعمار، عبر منصةParoles d’Honneur، حيث طرحت سؤالاً محورياً: كيف ينبغي التعامل مع عمل فني قادم من إسرائيل؟ هل يُقاطع باعتباره جزءاً من المقاطعة الثقافية الشاملة، أم يُشاهد ويُناقش لأنه يقدّم نقداً لبنية المجتمع الإسرائيلي من الداخل؟
وتشير اليوسفي إلى أن القضية تتجاوز العمل الفني نفسه لتلامس جوهر النقاش الدائر حول المقاطعة الثقافية. فبينما يرى مؤيدو المقاطعة أن تمويل الفيلم من صناديق عامة إسرائيلية وعرضه في مهرجانات إسرائيلية يجعلان منه أداة تسهم، بصورة أو بأخرى، في تبييض صورة الدولة وإبرازها كمساحة ديمقراطية تتسع للنقد الداخلي، يرى آخرون أن الأعمال النقدية الآتية من داخل إسرائيل يمكن أن تؤدي دوراً في تفكيك السردية السائدة وكشف تناقضات المجتمع الإسرائيلي.
ويأتي هذا النقاش في سياق سياسي شديد الحساسية فرضته حرب الإبادة على غزة وما رافقها من تصاعد الدعوات إلى المقاطعة الأكاديمية والثقافية لإسرائيل.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
