آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » سوريا بين فرشاة وقصيدة: الجدران تتكسر.. كيف يمكن لفنان تشكيلي أن يكون شاعراً بهذا العمق، وباحثاً عن المعنى بهذه الفلسفة؟

سوريا بين فرشاة وقصيدة: الجدران تتكسر.. كيف يمكن لفنان تشكيلي أن يكون شاعراً بهذا العمق، وباحثاً عن المعنى بهذه الفلسفة؟

إيمان ابو عساف

 

كنت أتصفح الفيس بوك كعادتي، ذلك الفضاء الذي يضج بجمع الغث والسمين، حتى وقفت على صفحة فنية تنشر يومياً عدداً لا يستهان به من اللوحات. شعرت بثقة كبيرة بأن الجمال هو فعلاً طريق نجاة البشرية، وليس مجتمعنا السوري فقط. فبين طوفان الأخبار المزعجة وصخب الاستهلاك، كانت تلك اللوحات بمثابة نوافذ تطل على روح لم تُقتل بعد. توقفت طويلاً عند لوحات فنان اسمه علي نفنوف. لا أعرف بشكل متخصص مدارس الفن التشكيلي، ولا أملك ملكة نقدية مسلحة بالحجة والبرهان، لكني أثق تماماً بأن الإحساس بالجمال والقيمة هو أحد أعظم الهبات التي يملكها أحدنا، دون تفصيل ودون غرق في القيل والقال. كانت لوحات علي نفنوف بالنسبة لي مثل سحابة انهمرت شلالات من الجمال المحض، أخذتني إلى حيث لا تصل الحجج ولا التنظيرات.

ليس مجرد شاعر
لكن المفاجأة الحقيقية كانت في صفحة ثقافية أخرى. إذ وجدت اسم الفنان عينه يتكرر، لكن هذه المرة ليس على قماش اللوحة، بل بذيل قصائد لا تقل جمالاً عن لوحاته. هنا بدأ السؤال يلح عليّ: كيف لرجل واحد أن يحمل فرشاة وقلمًا بنفس القوة؟ كيف يمكن لفنان تشكيلي أن يكون شاعراً بهذا العمق، وباحثاً عن المعنى بهذه الفلسفة؟

قرأت لعلي نفنوف، فإذا به ليس مجرد شاعر، بل فيلسوف يقلقه السؤال الوجودي، ويقلقه المعنى المفقود، ويقلقه وطنه المفقود في متاهات العنف والاستبداد. إنه نموذج للفنان الذي لا يكتفي بتزيين الواقع، بل يحاول تفكيكه وإعادة تركيبه بلغة أخرى، لغة لا تعرف الاستسلام

في قصيدته “نورس”، كتب: “نورسٌ.. جناحي جمرٌ ثقيل / لا يسأل الهواء عن اسمه / وفي عزلتي وطن لا يليق بالبشر”. وهنا توقفتُ طويلاً. لأنني، قبل أن أقرأ هذا البيت، كنتُ أعرف نورساً آخر. النورس الجميل في الطبيعة يطير حراً، ومسؤولاً عن عشه وفراخه، ويطير حراً، وثقله المسؤول لا يحبطه. ذلك كان نورسي أنا، نورس الحياة الواقعية الذي يعرف بيته ووجهته.

لكن نورس نفنوف، وهنا يكمن الفرق الكبير، يرمز فعلاً إلى شباب سوريا الذين غادروا. غادروا بثقل لا يوازيه أي ثقل؛ ثقل الوطن، والهوية، والكرامة، والغربة، والمسؤولية. طائر النورس، حين لا يجد ما يُقيتُ أفراخه، يخزّن الطعام عبر سفر طويل بكل الاتجاهات في حوصلته، ثم ينادي الأفراخ ليأكلوا ما حمله.. ويموت بطلاً، بمقدار مسؤوليته. هكذا رأيتُ شباب سوريا في منافيها؛ يحملون في حوصلتهم ذكريات وطن لا يزالون يطعمونه لأبنائهم، حتى ولو احترقوا هم في الطريق. الفرق بين النورسين هو الفرق بين سوريا التي نحلم بها، وسوريا التي يعيشها هو في داخله.

قلق وجودي
لم يتوقف قلقه عند النورس، بل امتد إلى الوجود ذاته. في قصيدته “في البدء”، يكتب: “في البدء لم أكن.. أنا كنتُ سؤالاً يتعلم شكل الجسد / خرجتُ من الطين كفراغ يفتش عن معناه… كنتُ أخاف أن أكون قوة وأخاف أكثر أن أكون بلا أثر”. وهنا توقفتُ مجدداً. لأن هذا السؤال ليس سؤالاً عابراً؛ إنه سؤال وجودي يتعلق بجوهر الإنسان وهويته. السؤال يتعلم شكل الجسد، ولا تتقطع السبل أمام وعي الإنسان. مهما كان الواقع مراً، سيبقى السؤال مفتوحاً أبداً على السعي الحثيث للحصول على المعنى والقيمة. فالغربة مثلاً هي سؤال كبير، والسؤال هو تحدٍ، والتحدي هو خلق ومكون الأسئلة الكبيرة. هكذا رأيتُ نفنوف، وهكذا رأيتُ سوريا؛ كلاهما سؤال لم ينتهِ بعد. هو يبحث عن هويته الأولى، كما لو كان يبحث عن سوريا قبل أن تشوهها الحروب، قبل أن يصبح الإنسان فيها مجرد رقم أو ظل.

لكن فنه لا يقف عند حد الأسئلة الوجودية، بل يحاول إحياء الذاكرة التي تم تهشيمها. في قصيدة “غنّت جودي”، يكتب جملته الأثرية: “لم نسمع طبقة صوت بل سمعنا ذاكرتنا وهي تتنفس”. وهنا، لم أعد بحاجة إلى تفسير. لأن لوحات نفنوف نفسها هي الكلمات الملونة، ورموزه الفلسفية، وجروحه الغائرة والنازفة. هي الذاكرة التي لا تفنى. هي آخر الأنفاس في لحظة، وهي أنفاس القيامة والنهضة. عندما أنظر إلى لوحاته، لا أرى ألواناً، بل أسمع ذاكرتي تتنفس؛ ذاكرة حلب القديمة، ودمشق التي كانت، والأزقة التي رحلت مع أهلها. إنه يتجاوز السمع إلى البصر واللمس، ويجعل من اللوحة كائناً حياً ينبض، وكأنه يخبرنا أن الجمال الحقيقي ليس فيما نراه، بل فيما نشعر به يتنفس داخلنا.

الجدران تتكسر

وحين عدت إلى مقالاته النقدية في مجلة “المنار الثقافية” – كتلك التي كتبها عن سبينوزا أو عن السياب – وجدته يرد على سؤال العلاقة بين الفنون بعبارة حاسمة: “القصيدة ليست نافذة تطل على العالم، بل هي جدار يمرّد عليه الرسام بضربات لونه”. وهنا وقفتُ طويلاً، لأن هذه الجملة تحمل مفتاحاً مهماً لفهم سوريا اليوم. الجدران تتكسر إذا كانت لديك قوة متكافئة، ولكن هناك قوة لا يدانيها أيّة قوة: قوة الرسم. لك أن ترسم حروفاً، لوناً، طيوراً، أشجاراً، وسالتك الكلية يحملها الجدار. الجدار قد يكون جسر العبور. هذه هي مقاومة الفنان؛ حين لا يستطيع هدم الجدران (جدران الظلم، الحرب، والرقابة)، يختار أن يرسم عليها أحلامه، وأن يحولها من سجن إلى رسالة، ومن حاجز إلى جسر. في هذه الجملة وحدها يكمن سر العلاقة بين الشعر والرسم؛ فكلاهما يواجه جدار الواقع القاسي، لكن أحدهما يكسوه بالكلمات، والآخر بالألوان، وكلاهما يحاول تحويل المستحيل إلى ممكن.

نفنوف، في شعره، يعرف أن جرحه كبير، لكنه يصر على التحليق، حتى لو كان “نصفاً محترقاً ونصفاً يفتش عن الماء”. هذا هو حال سوريا اليوم؛ نصفها يحترق بنيران الغياب والحروب، ونصفها الآخر يفتش بشراهة عن قطرة ماء تأمل وخلاص. وهو يعترف بصراحة: “أنا ابن ما لم يقل / ابن الخديعة المتوارثة”، لكنه لا يستسلم، بل يصر على البحث عن المعنى حتى في قلب الفوضى.
توأمة روحية
في النهاية، وبين لوحاته وقصائده، وبين نورسه المحترق ونورسي الحرّ، وبين سؤاله الوجودي وإصراره على الحياة، أدركت أن العلاقة بين الشعر والفن التشكيلي ليست علاقة تشابه شكلي، بل هي علاقة توأمة روحية. كلاهما يحاول إنقاذ ما تبقى من إنسانيتنا. علي نفنوف لم يلوذ بالصمت، ولم يغرق في البكائيات، بل اختار أن يكون سؤالاً، وجمراً، وذاكرة تتنفس، وجداراً يرسم عليه أحلامه وأوجاعه معاً. إنه يذكرنا بأن الفنان الحقيقي لا يعكس واقعه فقط، بل يعيد تشكيله، ويصنع من ركام الألم لوحة وقصيدة تنبضان بالأمل.

وربما كان الحق معي حين شعرت بتلك الثقة بأن الجمال هو طريق النجاة. ليس لأنه يزيّن الواقع، بل لأنه، كما يفعل نفنوف، يعيد تشكيل الجرح بلغة أخرى، لغة لا تعرف الاستسلام. في زمن يموت فيه المعنى وتتساقط فيه القيم، يبقى الشعر واللوحة شهوداً على أننا مازلنا نبحث، مازلنا نحلم، ومازلنا – نحن والنوارس – قادرين على رؤية سحابة تنهمر شلالات جمال وسط كل هذا الرماد. سوريا، بين فرشاة وقصيدة، مازالت تتنفس، ومازالت تسأل، ومازالت ترسم طريقها نحو النهضة.

 

 

 

 

(أخبار سوريا الوطن-العربي القديم)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

باسم ياخور يتحدث عن نجوم الدراما السورية.. هل تفوق عليه سامر المصري فنيًا؟

كشف الفنان السوري باسم ياخور خلال ظهوره في برنامج «تحت الضغط» مع الإعلامية ناديا الزعبي، عن عدد من التفاصيل المتعلقة بعلاقاته بزملائه في الوسط الفني، ...