كتب محمد خير الوادي :
تمهلت في الكتابة عن أبعاد القرار الذي اتخذته السلطات الأذربيجانية حوا نزع الحجاب في المؤسسات التعليمية ، حتى تنضج بعض المعطيات الضرورية لتحليل خلفيات ذلك القرار ، الذي احدث ضجة كبيرة في المجتمع هناك . بالمناسبة ، هذه ليست اول مرة ,تحاول فيها القيادة الأذربيجانية نزع الحجاب في المدارس .
حدث ذلك عام ٢٠١٠، واضطرت القيادة الآذرية ،انذاك ، للتراجع تحت ضغط الشارع المعارض . والسؤال الذي يطرح نفسه : لماذا عادت السلطات الأذربيجانية إلى محاولة فرض هذا القرار ؟ و ما سبب ذلك ؟ ولماذا الآن ؟
من الصعب تبني التفسير الرسمي فقط لهذه العودة ، من ان ذلك ينبع من تثبيت مبدأ علمانية الدولة الآذرية .
اعتقد ، ان هناك اسباباً خفية أخرى تقف خلف القرار المذكور . يمكن العثور على بعضها، في البرود أو التنافر ، الذي اصاب مؤخرًا العلاقات بين أذربيجان وتركيا، وكذلك في محاولة النظام الحاكم في باكو، استرضاء بعض الأطراف الشعبوية في اوربا وأمريكا . وسأشرح ذلك عبر الوقائع التالية:
اولاً:لم تكن باكو راضية عن المحاولات الجارية لتطبيع العلاقات بين تركيا وارمينيا .فعلييف يريد مواصلة الضغط على ارمينيا وإرغامها على توقيع اتفاق سلام ، فيه كثير من شروط الاستسلام . وقد شعر الرئيس الأذري ، ان تقارب انقرا مع ارمينيا ، يمكن هذه الأخيرة، من عدم الرضوخ لشروط باكو ، ويفتح متنفسا جديدا لها .
وكتعبير عن غضبه من هذا التوجه التركي ، أطلق علييف مؤخرا تصريحات ، تنال من الدعم الذي قدمته تركيا لأذربيجان، في معركة تحرير ناغوري كراباخ من السيطرة الأرمنية .فهو قد اعلن ، انه لا فضل لاحد في ذلك التحرير ،حتى السلاح الذي حصل عليه من تركيا ، دفعت باكو ثمنه بأعلى الأسعار العالمية . وقد اعتبرت الأوساط التركية ان علييف قد تجنى على الحقيقة ، وأنه قد تنكر للدور المحوري الذي لعبته انقرا ، في اعادة ناغورني كراباخ إلى السيادة الأذربيجانية.
ثانيا :معروف ان باكو ترتبط بعلاقات قوية مع اسرائيل – الخصم الرئيسي اليوم لتركيا . وكانت انقرة ،تتوقع من الرئيس الهام علييف ،ان يقف ضد الحملة الشرسة التي تشنها اسرائيل على الرئيس اردوغان ، وان يستغل صلاته الحميمة بنتنياهو لتخفيف تلك الحملة. لكن هذا لم يحدث ، ولم تتضامن باكو مع تركيا ، وواصلت تطوير علاقاتها مع تل ابيب في المجالات كلها ، وهو تطور أثار الدهشة في تركيا- الحليف التاريخيّ لباكو .وقد تفاقم الأمر عندما رفض مندوب أذربيجان في الأمم المتحدة الانضمام لممثلي الدول ،التي قاطعت كلمة نتنياهو في الجمعية العامة للأمم المتحدة. وطفح الكيل ، حين فوجيء وزير الخارجية التركي بوجود الرئيس الاسرائيلي في مؤتمر بناء الثقة في القارة الآسيوية . وزاد الغضب في انقرة عندما علمت ، ان الهام علييف استخدم الأجواء التركية
لإحضار الرئيس الاسرائيلي بطائرة أذربيجانية خاصة.
وهكذا ، كان هناك انزعاج متبادل في العلاقات التركية الأذربيجانية . وتضاعفت في باكو المشاعر غير الودية ازاء تركيا ، بسبب موقف انقرا من ارمينيا .
والسؤال الذي يمكن ان يطرح : ولكن ما علاقة تركيا بقرار منع الحجاب في أذربيجان ؟.
يعرف الرئيس علييف ،مدى حساسية هذا الأمر في الأوساط الشعبية والحزبية في تركيا، ويدرك كذلك ان حظر الحجاب في أذربيجان ،يمكن ان يثير عاصفة من الغضب في تركيا، ويمكن ان يترك تفاعلات سلبية على علاقات البلدين . ومع ذلك ،اقدم علييف على هذا القرار ، الذي يمكن ان يشجع أوساطا ” علمانية ” في تركيا للتحرك ضد خط اردوغان ،والضغط عليه ،عبر العبث بالاستقرار الداخلي في تركيا .
يبدو هذا قريب من شطحات الخيال ، وبعيد عن المنطق ، ولكن في الدول ذات الأنظمة الوراثية الشمولية ، كما هو الحال في أذربيجان -يكون المنطق والواقع آخر الأشياء التي يمكن الاحتكام اليها .
طبعا ، كما كان متوقعا ، جرت مظاهرات في تركيا ضد القرار، وانتقد حزب العدالة الحاكم منع الحجاب في أذربيجان ، ودعمت أوساط علمانية موقف علييف، ورد الحزب الحاكم في باكو على هجوم حزب العدالة بعبارات قاسية ، تنكرت لتاريخ الصداقة والتحالف بين البلدين .
أراد علييف – ، التعبير عن سخطه من تقارب تركيا مع ارمينيا ، ولذلك متن علاقاته باسرائيل ، وفجر قنبلة الحجاب لإزعاج اردوغان . ولكن لم يكن علييف مدركا لحقيقة ، هي انه بسلوكه هذا ، وضع على كف عفريت عشرات السنين من التحالف مع تركيا ، ويمكن ان يضحي بحليف سانده عقودا كثيرة .
وللأمانة أضيف ، ان الرئيس الأذري ، سعى ايضاً من وراء قراره المذكور ، إلى استرضاء بعض القوى الاوربية والأمريكية الشعبوية النافذة ، وإقناعها انه بات قائدا علمانيا، يحارب التطرف الإسلامي لكن علييف اغفل حقيقة مفادها ، انه يمكن بخطواته هذه، ان يثير انقسامات حادة داخل المجتمع الأذربيجاني ، ويضرب الاستقرار الاجتماعي ،الذي كان يتغنى به دائما .
ويقدم قرار منع الحجاب في أذربيجان دليلا جديدا ، على ان الحسابات الخاطئة ، قد تفضي إلى نتائج غير محمودة العواقب
(أخبار سوريا الوطن-الكاتب)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

