آخر الأخبار
الرئيسية » إدارة وأبحاث ومبادرات » من إدارة النفايات إلى التنمية الحضرية: رؤية هندسية لمستقبل محافظة طرطوس

من إدارة النفايات إلى التنمية الحضرية: رؤية هندسية لمستقبل محافظة طرطوس

 

كتب: المهندس محمود محمد صقر

بعد اطلاعي على ما نُشر في موقع”أخبار سوريا الوطن”، وعلى توجيهات السيد المحافظ المتعلقة بملف مكب النفايات، أطرح هذه الرؤية للنقاش العام، انطلاقاً من وجهة نظر هندسية متواضعة، أملاً في الإسهام بإيجاد حلول عملية ومستدامة.

فالمدينة الناجحة تبدأ بمعرفة نفسها، ثم بتنظيم مواردها، وتحسين فضائها العام، وتطوير حركة المواطنين فيها، وصولاً إلى الإدارة الذكية والاستثمار المستدام. ومن هذا المنطلق، أقترح خطة عمل متكاملة تتألف من خمس مراحل واضحة ومترابطة.

أولاً: مرحلة التقييم وجمع البيانات (3 أشهر)

الهدف:

معرفة الحجم الحقيقي للمشكلة وبناء قاعدة بيانات دقيقة.

الإجراءات:
• حصر كميات النفايات اليومية في المدن والبلدات.
• تحديد نسب النفايات العضوية والبلاستيكية والورقية والكرتونية والمعدنية والزجاجية.
• إحصاء مخلفات البناء والهدم.
• تحديد المكبات العشوائية على خريطة المحافظة.
• دراسة تكاليف الجمع والنقل والطمر الحالية.

المخرج النهائي:

إنشاء أول قاعدة بيانات متكاملة للنفايات في محافظة طرطوس.

ثانياً: المشروع النموذجي (6 أشهر)

الهدف:

إثبات نجاح الفكرة بأقل تكلفة ممكنة.

الإجراءات:

اختيار مدينة أو قطاع واحد لتنفيذ مشروع تجريبي يتضمن:
• مركز فرز مبسط.
• ميزاناً إلكترونياً.
• مكبساً للبلاستيك.
• مكبساً للكرتون.
• منطقة لتجميع المعادن.

مع قياس النتائج بصورة شهرية.

المخرج النهائي:

إظهار العائد الاقتصادي الحقيقي لعمليات الفرز وإعادة التدوير.

ثالثاً: استثمار النفايات العضوية (سنة واحدة)

تشكل النفايات العضوية غالباً أكثر من نصف إجمالي النفايات المنزلية، ما يجعلها فرصة استثمارية وبيئية مهمة.

الإجراءات:

إنشاء معمل لإنتاج السماد العضوي (الكومبوست).

مجالات الاستفادة:
• الزراعة.
• الحدائق العامة.
• المشاتل.

المخرج النهائي:

خفض كميات النفايات المرسلة إلى الطمر بنسبة كبيرة.

رابعاً: إدارة مخلفات البناء والهدم

هنا يبرز الدور الأساسي للمهندسين في تحويل المخلفات إلى مورد قابل للاستخدام.

الإجراءات:

إنشاء موقع مخصص لاستقبال:
• البيتون المكسر.
• البلوك.
• الحجر.
• الأسفلت القديم.

ثم العمل على:
• سحق هذه المخلفات ومعالجتها.
• إعادة استخدامها في مشاريع الطرق والردميات.

وتكتسب هذه الخطوة أهمية كبيرة في مشاريع إعادة التأهيل والإعمار، وفي تحسين وتوحيد الهوية البصرية للأرصفة والطرقات.

خامساً: الاستثمار والشراكة

بعد نجاح النموذج الأولي، يمكن الانتقال إلى مرحلة الاستثمار.

من خلال:
• عقود تشغيل متخصصة.
• شراكات مع القطاع الخاص.
• تخصيص أراضٍ استثمارية للمشروعات البيئية.

وبذلك تتحول البلديات من جهات تنفيذية إلى جهات تنظيمية ورقابية أكثر كفاءة.

دور نقابة المهندسين

أعتقد أن هذه النقطة قد تحظى بإجماع الجهات المعنية، وذلك من خلال تشكيل لجنة استشارية لإدارة النفايات وإعادة التدوير تضم:
• مهندسين مدنيين.
• مهندسين معماريين.
• مهندسين بيئيين.
• مهندسي ميكانيك وكهرباء.
• خبراء في الاقتصاد والإدارة.

وبذلك تصبح النقابة شريكاً علمياً وفنياً في صناعة القرار، لا جهة مطالبة فقط.

رؤية أشمل لمستقبل المحافظة

ما يميز هذا المشروع أنه لا يقتصر على معالجة النفايات، بل يمكن أن يشكل نقطة انطلاق لرؤية تنموية متكاملة لمحافظة طرطوس تشمل:
1. إدارة النفايات الصلبة.
2. تنظيم مخلفات البناء.
3. التشجير وزيادة المساحات الخضراء.
4. مشاريع الطاقة الشمسية.
5. تطوير النقل العام.
6. تحسين المشهد البصري للمدن.
7. التحول الرقمي للبلديات.

أي الانتقال من إدارة الخدمات اليومية إلى إدارة التنمية الحضرية الشاملة.

فالمدينة الجميلة ليست دائماً المدينة الأغنى، بل غالباً ما تكون المدينة التي تمتلك رؤية واضحة وإدارة تعرف كيف تستثمر مواردها، حتى وإن كانت محدودة.

ورشة عمل تنفيذية مقترحة

المرحلة الأولى (3 أشهر)
• تشكيل فريق عمل متخصص.
• إنشاء قاعدة بيانات أولية.
• حصر المكبات العشوائية.
• تنفيذ حملة نظافة واسعة.
• تحديد مواقع مراكز الفرز.
• إصدار تعليمات خاصة بمخلفات البناء.
• إطلاق منصة مبسطة لتلقي الشكاوى والملاحظات.

هذه الإجراءات لا تحتاج إلى موازنات ضخمة بقدر حاجتها إلى قرار إداري واضح.

المرحلة الثانية (6 أشهر)
• تشغيل أول مركز فرز نموذجي.
• تنظيم عمليات جمع النفايات.
• إزالة معظم المكبات العشوائية الرئيسية.
• إطلاق مشروع السماد العضوي.
• تنفيذ برنامج للتشجير والتحسين البصري.

في هذه المرحلة يبدأ المواطن بملاحظة النتائج على أرض الواقع.

المرحلة الثالثة (خلال سنة)

يمكن الوصول إلى:
• منظومة مستقرة لإدارة النفايات.
• تنظيم مخلفات البناء.
• قاعدة بيانات عمرانية متكاملة.
• خطة أولية للنقل.
• مشاريع للتجميل الحضري.

وهنا تبدأ المحافظة بالانتقال من إدارة الأزمات إلى إدارة التنمية.

المرحلة الرابعة (خلال 3 سنوات)

في حال استمرار الإرادة الإدارية والدعم المؤسسي:
• تتحول النفايات إلى مورد اقتصادي.
• يتحسن المشهد البصري للمدن بشكل واضح.
• تنخفض التكاليف التشغيلية.
• تنطلق استثمارات بيئية وصناعية مرتبطة بإعادة التدوير.

تقييم هندسي واقعي

من وجهة نظري، يحتاج ظهور تحول واضح وملموس أمام المواطنين إلى نحو 18 شهراً من العمل الجاد والمتواصل، بينما يتطلب الوصول إلى نموذج متقدم ومستدام ما بين 3 و5 سنوات.

لذلك أرى أن الرسالة الأهم التي يمكن توجيهها إلى الجهات المعنية هي:

بعض المشاريع تحتاج إلى المال، لكن بناء الرؤية يحتاج إلى قرار.

فخلال ستة أشهر فقط يمكن للمواطن أن يشعر بأن المحافظة دخلت مساراً جديداً، أما التحول الكامل نحو نموذج تنموي متكامل فيتطلب عملاً تراكمياً يمتد بين ثلاث وخمس سنوات على الأقل

 

 

 

 

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

حين تختلط المصطلحات والمفاهيم: قراءة في أبرز المغالطات السياسية والقانونية

  بقلم: القاضي حسين حمادة اختلطت الدلالات العلمية لبعض المفاهيم السياسية والقانونية نتيجة تداولها على نطاق واسع عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون تدقيقٍ في معانيها ...