آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » هل تدخل السفن التجارية عصر الطاقة النووية؟ الوقود الأخضر أكثر واقعية حالياً

هل تدخل السفن التجارية عصر الطاقة النووية؟ الوقود الأخضر أكثر واقعية حالياً

د. سلمان ريا

 

 

بعد ان قرأت مانشره موقع “أخبار سوريا الوطن” اليوم تحت عنوان “هل تدخل السفن التجارية عصر الطاقة النووية؟.. غرفة الملاحة البحرية السورية تستعرض أبرز المزايا والتحديات” أقول:

مع تسارع التحول العالمي نحو خفض انبعاثات النقل البحري، عادت الطاقة النووية إلى النقاش بوصفها خياراً محتملاً للسفن التجارية. فالدفع النووي قادر، من حيث المبدأ، على توفير قدرة مستمرة وكثافة طاقة عالية وفترات تشغيل طويلة من دون استهلاك الوقود الأحفوري أثناء التشغيل. كما أن التطور في المفاعلات النووية المتقدمة، وخصوصاً المفاعلات المعيارية الصغيرة (SMRs)، أعاد طرح السؤال حول إمكانية نقل هذه التكنولوجيا من الاستخدامات العسكرية وكاسحات الجليد إلى السفن التجارية.

لكن السؤال الصحيح ليس: هل تستطيع الطاقة النووية تشغيل سفينة تجارية؟ فهذا مثبت تقنياً منذ عقود. السؤال الأكثر أهمية هو: هل تستطيع الطاقة النووية أن تصبح الخيار الأكثر واقعية وقابلية للتوسع في أسطول التجارة البحرية العالمي؟
حتى الآن، تبدو الإجابة أقرب إلى النفي.
فالسفينة النووية ليست سفينة تقليدية استُبدل محركها بمفاعل. إنها منظومة بحرية ونووية متكاملة تحتاج إلى متطلبات خاصة في التصميم والسلامة والحماية الإشعاعية والتشغيل والتدريب والترخيص والتأمين والمسؤولية القانونية، إضافة إلى ترتيبات خاصة للتعامل مع الوقود والنفايات في مراحل مختلفة من دورة حياة السفينة.
ولهذا السبب لا تكفي كفاءة المفاعل وحدها للحكم على جدوى المشروع. فالسفينة تتحرك داخل منظومة دولية من دول العلم ودول الموانئ وهيئات التصنيف وشركات التأمين والسلطات الأمنية والبيئية. ويصبح الميناء جزءاً من معادلة الطاقة النووية نفسها: فالسفينة النووية لا تحتاج فقط إلى ميناء قادر على استقبالها تجارياً، بل إلى دولة مستعدة قانونياً وتنظيمياً وأمنياً للتعامل معها.

وهذا تحديداً ما يجعل التطور التنظيمي الحالي في المنظمة البحرية الدولية (IMO) مهماً. فالمنظمة لا تتعامل مع السفن النووية باعتبارها تقنية مكتملة الإطار التنظيمي، بل تعمل على تحديث Code of Safety for Nuclear Merchant Ships الذي يعود إلى عام 1981، إلى جانب مراجعة الفصل الثامن من الاتفاقية لدولية لسلامة الأرواح في البحار SOLAS الخاص بالسفن النووية. وقد وضعت المنظمة مساراً يستهدف اعتماد المدونة النووية المعدلة والتعديلات ذات الصلة على SOLAS في عام 2030، مع مراعاة التطورات التقنية والمعايير ذات الصلة للوكالة الدولية للطاقة الذرية.
وهذا يعني أن النقاش النووي البحري حقيقي وجاد، لكنه في الوقت نفسه يكشف أن الصناعة لم تصل بعد إلى مرحلة يمكن فيها التعامل مع السفينة النووية باعتبارها بديلاً تجارياً عادياً للسفينة التقليدية.
قد تتغير بعض هذه المعادلات مع المفاعلات المعيارية الصغيرة، إذا أثبتت قدرتها على الجمع بين الحجم المناسب والسلامة العالية والتشغيل المستقر وقابلية الترخيص والتكلفة المقبولة. لكن نجاح المفاعل في حد ذاته لن يكون كافياً؛ المطلوب هو نجاح المنظومة البحرية كلها.
وهنا تظهر المفارقة: فالطاقة النووية تواجه منظومة تنظيمية وبنية تحتية جديدة يتعين بناؤها حول السفينة، بينما بدأت بدائل أخرى بالفعل في التكيف مع الصناعة البحرية القائمة.

الميثانول مثال واضح. فقد أصبحت محركات بحرية تجارية قادرة على العمل بالميثانول متاحة فعلياً. وتذكر شركة MAN Energy Solutions أن محركاتها ثنائية الشوط العاملة بالميثانول دخلت الخدمة منذ عام 2016، بينما توفر Wärtsilä محركات ميثانول تجارية، بينها حلول للسفن التجارية وسفن الحاويات، مع إمكانية استخدام أنواع أخرى من الوقود في بعض المنظومات.

والأمونيا تتحرك بدورها من البحث والتطوير إلى التطبيق الصناعي. فقد طورت شركات تصنيع المحركات حلولاً بحرية مخصصة لها، بالتوازي مع تطوير أنظمة تخزين ومعالجة وإمداد بالوقود. لكن الأمونيا ليست حلاً بسيطاً؛ فهي تفرض تحديات تتعلق بالسمية والسلامة والاحتراق والانبعاثات المصاحبة، وهو ما يجعل البنية التشغيلية والتقنية جزءاً أساسياً من تقييمها.

والهيدروجين وخلايا الوقود والوقود الحيوي والحلول الهجينة تدخل بدورها في عملية التطوير، وإن بدرجات مختلفة من النضج التجاري. لذلك قد لا يكون مستقبل السفينة قائماً على وقود واحد، بل على منظومة طاقة متعددة المصادر تجمع بين الوقود الأخضر والكهرباء والبطاريات وخلايا الوقود واستعادة الطاقة وتحسين كفاءة الدفع والإدارة الرقمية للطاقة.

ولا بد هنا من التمييز العلمي بين الماء والهيدروجين. فالماء ليس مصدراً مجانياً للطاقة؛ وإنما يمكن استخدامه مادة أولية لإنتاج الهيدروجين بواسطة التحليل الكهربائي، الذي يحتاج بدوره إلى طاقة. ولذلك تتوقف جدوى “الهيدروجين الأخضر” على مصدر الكهرباء وكفاءة عملية الإنتاج والنقل والتخزين والاستخدام النهائي.
ومن هذه الزاوية تصبح المقارنة بين النووي والوقود الأخضر أكثر دقة. فالنووي يتمتع بميزة استثنائية في كثافة الطاقة والاستمرارية، وقد يصبح جذاباً لبعض السفن ذات الاستهلاك المرتفع والمدى الطويل إذا نجحت المفاعلات المتقدمة في خفض التكاليف وتبسيط متطلبات الأمان والترخيص. لكنه يحتاج إلى منظومة دولية متكاملة من القواعد والموانئ والتأمين والرقابة والمسؤولية.

أما الميثانول والأمونيا والهيدروجين والوقود الحيوي والحلول الهجينة، فعلى الرغم من مشكلاتها التقنية والاقتصادية، فإنها تدخل تدريجياً في منظومة المحركات والسفن وسلاسل الإمداد البحرية القائمة. وهذه ميزة استراتيجية لا تقل أهمية عن كفاءة الوقود نفسه.
لذلك لا تبدو الطاقة النووية البحرية وهماً علمياً، لكنها لا تبدو أيضاً الطريق الأكثر واقعية لتحول أسطول التجارة العالمي في المدى المنظور. وقد يكون لها مستقبل في أنواع محددة من السفن أو في تطبيقات بحرية متخصصة، إذا أثبتت التكنولوجيا والاقتصاد والتنظيم قدرتها على تجاوز العقبات الحالية.

أما بالنسبة إلى سفن الحاويات النووية التي قد تصل مستقبلاً إلى موانئ المتوسط، فإن المسألة لا ينبغي أن تُحسم بالتنبؤ. فبين عامي 2035 و2050 يمكن أن تتغير التكنولوجيا والاقتصاد والتنظيم بدرجة كبيرة، لكن انتشارها لن يتوقف على قدرة المفاعل على دفع السفينة، بل على قبول الدول والموانئ والتأمين وهيئات التصنيف والمنظومة القانونية الدولية لها.
وفي المقابل، فإن الاتجاه الأكثر واقعية في الوقت الراهن يبدو أقرب إلى مزيج من الوقود الأخضر والتقنيات الهجينة وكفاءة الطاقة، مع إبقاء الطاقة النووية خياراً استراتيجياً مفتوحاً أمام المستقبل إذا أثبتت قدرتها على المنافسة ليس داخل المفاعل فقط، وإنما في منظومة السفينة والميناء والقانون والاقتصاد بأكملها.
فالمستقبل البحري لن تحدده الطاقة الأعلى كثافة وحدها، بل الطاقة التي يمكن إنتاجها بأمان، وتوفيرها على نطاق واسع، وتخزينها ونقلها واستخدامها اقتصادياً، وتنظيمها وقبولها داخل النظام البحري الدولي.
وحتى الآن، تبدو كفة الوقود الأخضر أكثر واقعية.

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

من يصنع رغباتنا؟

د. سلمان ريا     هل نريد الأشياء لأننا اخترناها فعلاً، أم لأننا تعلمنا، بطريقة ما، أن نريدها؟ قد يبدو السؤال أقرب إلى التأمل الفلسفي ...