آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » هل فعلًا “وُجدَ” الفينيقيون؟

هل فعلًا “وُجدَ” الفينيقيون؟

 

هنري زغيب

 

قد يبدو هذا السؤَالُ فجأَةً، صادمًا أَو غريبًا، لكثرة ما في كتُب التاريخ والآداب من تحاليلَ عنهم ونصوصٍ أَدبيةٍ، شعرًا ونثرًا، واستشهادات وإِفادات وإِثباتات ووثائق، حتى ليبدو السؤَالُ اليوم على كثير من الغرابة.

المجلة الأَميركية العلْمية الشَهرية “ناشيونال جيوغرافيك” (تأَسست في واشنطن قبل 138 سنة – صدَر عددها الأَول في أَيلول/سبتمبر 1888)، خصَّصت ملفَّ عدَدها المزدوج (تموز-آب/يوليو/أُغسطس 2025) لهذا الموضوع، وعَنْوَنَتْهُ على الغلاف: “الفينيقيون أَسياد المتوسط”. كتبَه الاختصاصيُّ الإِسبانيُّ في علم الآثار ودراسات الشرق الأَدنى وجذور الفينيقيين: البروفسور جوردي ڤيدال (حاليًّا: أُستاذ التاريخ القديم لدى جامعة برشلونة المستقلَّة).

بعد المقالين السابقين عن الفينيقيين وأَصلهم وتَوَزُّعهم، هنا الحلقة الثالثة والأَخيرة حول صُوْر العظيمة.

 

عراقةُ مدينة صُوْر

في دراسةٍ إِسپانية من جامعة برشلونة، اكتشافُ وثيقةٍ أَثرية جديدة عن التاريخ العريق الـمُشرِّف لِمدينة صُوْر. فمن مرفإِها انطلق التوسُّع إِلى سائر المتوسط. وكان الفريق البحثي في الجامعة قام بجولة أُولى من التنقيب والبحث والحفريات (بين 1997 و2010) في موقع البَصّ، وهو أَكبر مساحة ضرائحية فينيقية في لبنان، فيها آثار نحو 250 ضريحًا لِفترة ما بين السنة 900 والسنة 600 ق.م.، تمت إعادة تصميم هياكلها. وفي الجولة الثانية (بين 2013 و2019) كان التركيز على منطقة التلال حول المدينة. ومن اكتشافات هذه الجولة بقايا معبد كبير قديم يعود إِلى نحو 600 سنة ق.م.

 

 

 

من هذا الاكتشاف الفريد الفائق الأَهمية، تمكَّن الفريق البحثي من الحفْر إِلى طبقاتٍ أَعمقَ أَثبتَت أَن تأْسيس مدينة صُوْر يرقى إِلى نهاية الأَلف الرابع ومطلع الأَلف الثالث (ق.م.)، وكان فيها مرفأٌ قديم جدًّا تنطلق منه تجارةُ الزيت والخمر وخشب الأَرز إِلى بلاد ما بين النهرين وتركيا ومصر وجزيرَتَي كريت وقبرص.

 

فكرةُ أَنَّ الفينيقيين كانوا شعبًا خبيرًا في التجارة وذا تأْثير قوي على العالم القديم، خصوصًا في الأَلف الأَول (ق.م.)، كانت فكرةً مُثْبَتَةً في أَلواح صخرية ترقى إِلى2300 سنة (ق.م.) تم اكتشافها في مدينة إِبْلَا الأَثرية السورية. وفي نصوص تلك الأَلواح ذاتها أَنَّ جبيل كانت معروفة وفاعلة جدًّا كوسيطة ممتازة في التجارة الدولية بين المدن المتوسطية والمدن والممالك في آسيا، خصوصًا في مواد الأَقمشة والمعادن والخشب. ولاحقًا، خلال العصر البرونزي (نحو سنة 1600 و1200 ق.م.)، كانت في مدُن جبيل وصيدون وصُوْر وأُوغاريت أَبرزُ المرافئ التجارية في شرقيّ المتوسط، وكانت محطات ناشطة بحريًّا وبريًّا تمتدُّ منها الوُجهات إِلى مصر ومُكناي (مدينة أَثرية في اليونان اليوم) وسورية وفلسطين وبلاد ما بين النهرين.

 

العبرية والآرامية

وفي تلك الوثائق أَن لهجات الفينيقيين المتعدِّدة تنتمي إِلى لهجات كنعانية كانت متحدِّرة من لغات ساميّة شمالية غربية، وتاليًا أَقربُ اللغات إِلى الفينيقية: العبرية والآرامية. وفي الوثائق أَيضًا ما للفينيقيين من أَثرٍ فاعل ساطع ثمين في اختراع الأَبجدية، إِحدى أَبرز وأَهمِّ المآثر العبقرية في تاريخ البشرية. فالأَبجدية ساهمت بشكل رئيس في استنباط أَشكال منها للكتابة، قديمة جدًّا، كما ظهرَت في كتاباتٍ كنعانية اكتُشفت في عدد من المواقع، منها أَبجدية “عُزبة سَرْطة” في فلسطين، و”سَرابيط الخادم” في مصر، كما في مسماريات أُوغاريت.

 

 

حضارة عريقة مميزة

العبادات الفينيقية انبثَقَت من الديانة الكنعانية. فالفينيقيون استمرُّوا في عبادة آلهة الكنعانيين: البعل، إِيل، عَنات، عشتروت، بَعلَة جبيل (سيدة بيبلوس)، رِشِفْ، كوثر،… ولاحقًا اعتنقوا عبادة آلهة الأَشوريين والبابليين والآراميين والعبرانيين والفلسطينيين والأَغارقة، وآلهة أُخرى مثل ملقارت وتانيت، والآخيران لم يكونا من عبادات الكنعانيين في الأَلفية الثانية ق.م.. من من هنا أَن الفينيقيين شكَّلوا دينهم الخاص إِنما حافظوا على مواصلتهم الاعتناقية مع التقاليد الدينية الكنعانية القديمة.

 

آلهة كنعان

إِذًا كان في عبادات المدن الفينيقية آلهة من زمن الكنعانيين. أَبرزهم إِيل إِله الخَلْق، وبعل إِله الخصوبة، وعشتروت إِلهة التجدُّد والطبيعة، ورِشِفْ إِله الحرب والطاعون.

 

وبفضْل الاضطرابات والمشاكل والتناحُر بين شُعوب البحر، أَخذت المدن الفينيقية تنمو وتتطوَّر بعد العام 1200 (ق.م.). فشعوب البحر هدَّمت مرافئ الأَعداء، كما مرفأُ أُوغاريت، ولم يُعَدْ بناؤها بعد هدمها، ما أَتاح للفينيقيين أَن يستأْثروا بالتجارة مع قبرص واليونان ومصر. من هنا أَن نهضة المدن الفينيقية تنامَت بعد زوال الأَمبراطوريتين المصرية والحثية.

 

 

وإِبان القرن العاشر (ق.م.) كانت صُوْر أَهم قوة تجارية في المشرق. ولاحقًا، قام توسُّعٌ استعماري أَخذ الحضارة الفينيقية غربًا إِلى الجهة الغربية من المتوسط، وأَبرزها في شبه الجزيرة الإِيبيرية والشواطئ المتوسطية من القارة الأَفريقية.

 

هذا هو الفضاء الفينيقي الذي انطلق من شاطئنا إِلى شواطئ العالم، وترك لنا إِرثًا يجدرُ بنا أَن نحافظ عليه كي نستحقَّه.

 

أخبار سوريا الوطن١-النهار

x

‎قد يُعجبك أيضاً

الشاعر منذر يحيى عيسى يمهّد “الرّحيل إلى النّدم” على حماقات لم يقترفها

  نجوى صليبة     قيل في النّدم الكثير، ولعلّ أشدّ ما قيل رسوخاً في البال هو ما اختصرته “هيلين رولاند”: “الحماقات التي يندم عليها ...