آخر الأخبار
الرئيسية » مجتمع » وصية ميشيل كيلو للسوريين.. في ذكرى رحيله الخامسة

وصية ميشيل كيلو للسوريين.. في ذكرى رحيله الخامسة

فراس سعد

 

في شهر أيلول من العام الفائت عدت الى سوريا بعد سنوات من الغربة، وقصدت دمشق وفي ذهني زيارة منزل أبو أيهم الأستاذ ميشيل كيلو رحمه الله، دخلت الشارع الفرعي الذي يوصل إلى منزله فصادفت شخصان فسألتهما عن ميشيل كيلو وفي نيتي اجراء اختبار صغير لأبناء حارته ومنطقته القصاع هل يعرفون من هو ميشيل كيلو، نجح الاثنان في الاختبار على الرغم من أن كلا منهما من جيل.

أوائل هذا الشهر نيسان رأيت ميشيل في منامي مرتين وكان غاب عن ذهني انه توفي في شهر نيسان، رحت أفتش عن بعض أخباره التي مازالت مواقع الانترنت تحتفظ بها فوجدت وصيته التي نشرها وهو على فراش المرض في المشفى، قبل وفاته بأسبوعين، وكان آخر ما كتبه مختتماً تاريخاً طويلاً حافلاً، مناضلاً سياسياً وكاتباً مفكراً. آلى الأستاذ ميشيل على نفسه وقد شعر بدنو الأجل المضي دون كلمة بمثابة خريطة عمل ووثيقة لأبنائه وأحبابه السوريين الذين طالما أحبهم وأحبوه.

ركزعلى عشرة مسائل في وصيته للسوريين أهمها ألا يبقوا فرادى متفرقين ألا يفرطوا بوطنهم ووحدتهم وثورتهم وألا يسمحوا لأحد أن يسرق الثورة منهم وأن يبقوا أحراراً، منها قوله “لا تنظروا إلى وطنكم من خلال أهدافكم وأيديولوجياتكم، بل انظروا إليهما من خلال وطنكم” فالوطن هو المعيار والمقياس بل هو الغاية. ودعا السوريين للقاء بعضهم حتى لو كانوا مختلفين سياسياً أو فكرياً: “والتقوا بمن هو مختلف معكم بعد أن كانت انحيازاتكم تجعل منه عدواً لكم”.

وللأسف فمسألة إدارة الاختلاف معدومة في تاريخنا وأدبياتنا الاجتماعية إذ بدل من أن يكون الاختلاف الفكري والسياسي غنى للمجتمع السوري فإن الاختلافات الفكرية والفلسفية والسياسية غالباً ما أشعلت صراعات على المستويين الفردي والمجتمعي وقد يصل بالمختلفين أن يبيحوا دم ومال بعضهم البعض رغم أنهم قد يعيشون متجاورين لعقود بل لقرون في حيز مكاني واحد.

يؤكد الراحل ميشيل كيلو في وصيته أن السوريين لن يصبحوا شعباً واحداً إذا ما وضعوا الانتقام والثأر بين أعينهم: “لن تصبحوا شعباً واحداً، يا بنات شعبنا وأبناءه، اعتمدوا معايير وطنية، وانبذوا العقليات الضدّية، والثأرية، في النظر إلى بعضكم وإلى أنفسكم” كأنما حدسه كان يخبره أن السوريين بعد سقوط النظام سينتقمون من بعضهم بجريرة التبعية السياسية والأيديولوجية والمذهبية إذ كيف يمكن أن نكون مواطنين سوريين ونحن ننظر إلى بعضنا من ثقب المذهب والايديولوجيا والموقف السياسي والمنطقة والعرق؟!

ويتابع قائلاً: “فالمجتمعات لا تصبح مجتمعات وفقاً لذلك، وإنما هي تغدو مجتمعاتٍ حقا بواسطة عقد اجتماعي، واضح، ومحدّد، وشفاف يساوي بين كل المواطنين إزاء الدولة وأمام القانون، ويكفل حقوقهم وحرّياتهم وكراماتهم.” فالعلاقة بين المواطنين والدولة وبين المواطنين أنفسهم تتم فقط بواسطة عقد يساوي بين جميع السوريين ويمنح كل مواطن حقوقا وحريات ينظمها القانون وتحميها مؤسسات الدولة..

“هذا ما حاول النظام الحؤول دونه طوال العقود الماضية، وهذا ما يجب أن نسعى إليه، أي التحوّل إلى دولة مواطنين، والتحوّل إلى مجتمع، أي إلى شعب حقا، وبكل معنى الكلمة”.  ودون حدوث تحول داخل نفس وعقل كل واحد منا لا يمكن أن يتحول الفرد منا إلى مواطن، ودون مواطنين لن يكون هناك مجتمع بالمعنى السليم والحديث ودون مجتمع حديث لا وطن.

أما الحرية فكتب عنها الراحل أجمل الكلمات في وصيته، يقول: “لن يحرّركم أي هدف غير الحرية فتمسّكوا بها، في كل كبيرة وصغيرة، ولا تتخلّوا عنها أبدا، لأن فيها وحدها مصرع الاستبداد، فالحياة هي معنى للحرية، ولا معنى لحياةٍ من دون حرية” صحيح لا معنى للحياة دون حرية والسوريون يفترض بهم أن يكونوا من أكثر شعوب الشرق وعياً لهذه الكلمات فمن مثلهم ذاق ويلات الاضطهاد والاستبداد والقمع وتكميم الأفواه وتجريم الرأي سياسي أم غير سياسي؟.

ومن مثل السوريين دفع الثمن الباهظ للانعتاق من نظام قهري متجبر كنظام الأسد الأب والابن؟ ومن مثل السوريين شعب آثر ملايين منه الرحيل عن الديار فداءً للكرامة والحرية؟ وإذ بنا والنظام سقط أن يعمد بعضنا في موقع السلطة أو خارج السلطة فيسلك نهجاً بعيدا عن نهج الحرية والكرامة لكأن ثورة لم تقم في سوريا وحرب لم تقع ومليون ضحية لم تقدم على مذبح الحرية والكرامة والعدالة؟.

ختاماً يوصينا الأستاذ ميشيل نحن أبناء الثورة ألا ننسى فلسطين والجولان فلا فرق ما بين النضال من اجل الحرية والكرامة والعدالة وبين تحرير الأرض فقضية فلسطين هي بامتياز قضية حرية وعدالة وكرامة. يقول في وصيته: “لا تنسوا يوما أن قضية فلسطين هي جزء من قضايانا الأساسية، ففلسطين قضية حرية وكرامة وعدالة، وقضية شعبنا، أيضاً، كذلك، وتلك القيم السامية لا تتجزأ. كفاحنا مع شعب فلسطين جزءٌ من كفاحنا ضد الاستبداد، وبالعكس. ولتبق قضية استعادة الجولان في مقدّمة أجندتنا الوطنية.”

إن الكفاح ضد الاستبداد لا ينفصل عن الكفاح ضد الاحتلال بل إن الاحتلال هو من كان داعما للاستبداد الأسدي إذ لا يتخيل النظام الصهيوني الحاكم للكيان الإسرائيلي أي نوع من النظام الديمقراطي في سورية، ولقد تقبّل خيار سقوط الأسد مكرهاً ومع ذلك فهو يسعى بكل قواه لإبقاء سورية ضعيفة ويبذل مساعي محمومة لإفشال النظام الجديد ما بعد الأسد كمخل لإفشال ما بعد الأسد أياً كان النظام السوري الذي سيحكم سوريا وبغض النظر عن هويته الأيديولوجية.

رحم الله الأستاذ ميشيل كيلو الابن البار للشعب السوري والمعلم الثوري الذي أحب السوريين وبذل الغالي والرخيص في سبيلهم وفي سبيل نجاح ثورتهم وكلنا أمل أن تبقى وصيته حاضرة لا يطويها النسيان وأن نعمل جميعا مهما اختلفنا سياسياً وايديولوجياً لخير سورية وحريتها وازدهارها.

 

 

 

 

اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية

x

‎قد يُعجبك أيضاً

جلسة حوارية موسعة لمناقشة الاستراتيجية الوطنية لكبار السن في طرطوس

  انطلاقاً من رؤية وزارة الشؤون الاجتماعية والعمل القائمة على الشراكة مع المنظمات غير الحكومية، أطلقت مديرية الشؤون الاجتماعية والعمل بطرطوس، جلسة حوارية موسعة مع ...