محج قلعة (داغستان) – د. إبراهيم استنبولي
كنت أمارس رياضة المشي، وتوقفت للحظة لألتقط صورة لمكان كثيرًا ما أمرّ به خلال جولاتي اليومية. وبينما كنت أجهز الكاميرا، توقفت خلفي فتاة شابة تنتظر انتهائي من التقاط الصورة.
قلت لها بالروسية مبتسمًا: “ما كان سيضر لو ظهرتِ في الصورة!” فبادلتني ابتسامة خجولة. وحين هممت بمتابعة طريقي، تذكرت قصة “الدروب الظليلة”للكاتب الروسي الكبير إيفان بونين، فالتفتُّ إليها وسألتها:
– هل سبق لك أن سمعتِ أو قرأتِ قصة بعنوان الدروب الظليلة؟
هزّت رأسها بالنفي.
فقلت لها: يجدر بفتاة في مثل عمرك أن تقرأها؛ فهي قصة عن الحب… وعن أمثالك ثم مضيت في طريقي.
هكذا وُلدت فكرة هذا المقال.
*إيفان بونين و”الدروب الظليلة”
تُعد الدروب الظليلة من أشهر قصص الكاتب الروسي الفذ إيفان بونين، آخر كبار الكتّاب الروس الكلاسيكيين، وأول أديب روسي يحصل على جائزة نوبل في الأدب.
وقد ترجم بعض المترجمين عنوانها إلى الدروب المعتمة،وهي ترجمة صحيحة أيضًا، غير أن الدروب الظليلة تبدو أكثر شاعرية، وتنسجم بصورة أفضل مع لغة بونين الساحرة وأسلوبه الرقيق.
تحكي القصة عن لقاء عابر يجمع شخصين بعد فراق دام ثلاثين عامًا، كانا في شبابهما متيمين أحدهما بالآخر. وتدور أحداثها في روسيا خلال النصف الثاني من القرن التاسع عشر.
*الشخصيات الرئيسية
نيكولاي أليكسييفيتش
رجل طويل القامة ونحيل، يبلغ من العمر نحو ستين عامًا، وضابط سابق. أحب ناديجدا في شبابه، لكنه تخلى عنها. تزوج لاحقًا، إلا أن زوجته خانته، بينما نشأ ابنه شخصًا سيئ الطباع.
ناديجدا
امرأة في الثامنة والأربعين من عمرها، تدير نُزلًا صغيرًا. أحبت نيكولاي أليكسييفيتش بصدق، وظلت وفية لذلك الحب طوال حياتها، ولذلك لم تتزوج قط.
*حبكة القصة
في يوم خريفي بارد، تصل عربة فاخرة إلى النزل. كان بداخلها نيكولاي أليكسييفيتش، الذي تقدم به العمر، لكنه ما زال يحتفظ بهيبته العسكرية ووقاره، حتى إنه كان يشبه الإمبراطور ألكسندر الثاني.
يدخل الرجل إلى النزل فتستقبله صاحبته، ناديجدا، ذات الشعر الداكن والحاجبين الأسودين، والتي بدت كعجوز غجرية تحتفظ بملامح جمالها القديم.
وفجأة تناديه باسمه:”نيكولاي أليكسييفيتش!”
ينتفض الرجل من دهشته، وتتسع عيناه، ويحمر وجهه خجلًا وهو يتعرف إلى حبيبته القديمة.
وخلال حديثهما يتضح أن ناديجدا لم تتزوج أبدًا، وأنها ظلت تحمل له حبًا عميقًا طوال تلك السنوات. كما تستعيد ذكريات الأيام التي كان يقرأ لها فيها قصائد تتحدث عن “الدروب الظليلة”
يسألها نيكولاي عن حياتها بعد الفراق، فتجيبه بأنها لم تستطع نسيانه يومًا، بل إنها فكرت في الانتحار أكثر من مرة بسبب ألم الفقد.
وفي أثناء الحوار يقول لها:
كل شيء يزول، وكل شيء يطويه النسيان
فترد عليه بجملة تختزل روح القصة كلها:
“كل شيء يزول، لكن ليس كل شيء يُنسى”
ومع تصاعد المشاعر، يطلب الرجل تجهيز عربته للرحيل، والدموع تملأ عينيه، قائلًا:
“ليت الله يغفر لي… ويبدو أنكِ قد غفرتِ لي بالفعل”
لكن ناديجدا تجيبه بأنها لم تغفر له، ولم تستطع أن تفعل، قائلة:
“كما لم يكن هناك شيء أعز عليّ منك آنذاك، لم يحلّ شيء مكانك منذ ذلك الحين”
يحاول نيكولاي تبرير ما حدث، ويعترف بأنه عاش حياة تعيسة؛ فقد خانته زوجته، وخيّب ابنه آماله.
وعند الوداع، قبّلت ناديجدا يده، وقبّل هو يدها. ثم غادر النزل مثقلًا بالندم، مستغرقًا في التفكير بما كان يمكن أن تكون عليه حياته لو أنه لم يفرّط في ذلك الحب القديم.
*خاتمة
يغادر نيكولاي أليكسييفيتش النزل تاركًا خلفه حبًا لم يمت رغم مرور العقود، بينما تبقى ناديجدا واقفة تراقبه وهو يبتعد، حاملة في قلبها المشاعر ذاتها التي سكنت روحها منذ شبابها.
وتتمحور الفكرة الرئيسية للقصة حول طبيعة الحب الحقيقي وقدرته على الصمود في وجه الزمن. فإيفان بونين يطرح سؤالًا إنسانيًا عميقًا: هل يمكن للمشاعر الصادقة أن تعيش عمرًا كاملًا رغم الفراق؟
وتأتي إجابته عبر شخصيتي القصة لتؤكد أن بعض أنواع الحب لا تنتهي، بل تتحول إلى جزء من ذاكرة الإنسان ووجدانه، وتبقى حية مهما تعاقبت السنوات.



(موقع:أخبار سوريا الوطن)
syriahomenews أخبار سورية الوطن

