لم يكن العدوان الأمريكيّ ضدّ إيران تُقاس فقط بعدد الغارات والطلعات الجوية والصواريخ التي أُطلقت، بل بدأت تكشف أيضًا كلفتها الأقل ظهورًا: الضغط النفسيّ الذي تعرض له آلاف العسكريين الأمريكيين الذين أمضوا أشهرًا طويلة في البحر.
فقد كشفت البحرية الأمريكيّة النقاب، وفق تقريرٍ لصحيفة (نيويورك) أنّ ثمانية من أفراد مجموعة حاملة الطائرات (يو إس إس أبراهام لينكولن) حاولوا الانتحار خلال فترة انتشارها الأخيرة، في كشفٍ جاء بعد أسابيع من تقارير عن تراجع المعنويات وتدهور الظروف المعيشية على متن الحاملة والسفن المرافقة لها.
وبحسب التقرير، جاء الكشف في رسالةٍ بعث بها القائم بأعمال وزير البحرية، هونغ كاو، إلى السيناتور كيرستن غيليبراند، ردًا على أسئلةٍ وجهتها الأخيرة حول الحالة النفسية وظروف الخدمة على متن الحاملة.
وغادرت (أبراهام لينكولن) سان دييغو في نوفمبر 2025، وكان من المفترض أنْ ينتهي انتشارها في مايو 2026. لكن استمرار الحرب مع إيران أدى إلى تمديد المهمة، لتبقى الحاملة في البحر 286 يومًا، في أطول انتشارٍ متواصلٍ من نوعه في العصر الحديث، بحسب التقرير.
وخلال الانتشار أمضت المجموعة نحو 200 يوم في منطقة عمليات القيادة المركزية الأمريكيّة، حيث شاركت في العمليات القتاليّة ضدّ إيران وفي فرض حصارٍ بحريٍّ على الموانئ الإيرانيّة. كما أمضت الحاملة نفسها 208 أيام متواصلة في البحر خلال أطول فترة من انتشارها.
وللمقارنة، قالت المصادر الأمريكيّة إنّ حاملات الطائرات عادة ما تتوقف في الموانئ كلّ 30 حتى 45 يومًا لإجراء أعمال الصيانة، وإعادة التموين، ومنح أفراد الطاقم فرصة للراحة، أمّا (أبراهام لينكولن) فلم تحصل على أول زيارة ميناء كاملة لها إلّا بعد مرور نحو تسعة أشهر.
ولم يكن طول الانتشار هو مصدر القلق الوحيد، فقد تحدث التقرير عن شكاوى من نقص بعض المواد الغذائية، ومشكلات في المياه والسباكة، ونقص بعض مستلزمات النظافة، إضافةً إلى تراجع المعنويات وقلق عائلات البحارة بشأن أبنائها.
وأقرت البحرية بوجود بعض المشكلات، لكنها رفضت الصورة الأكثر قتامةً التي رسمتها بعض وسائل الإعلام. وكان ترامب قد رفض الشهر الماضي المخاوف بشأن الصحة النفسية للطاقم، وقال ردًا على سؤالٍ عمّا إذا كان الانتشار قد طال أكثر من اللازم إنّه “ليس طويلاً بما يكفي على الإطلاق”، فيما رفض وزير الحرب الأمريكيّ بيت هيغسيث في آب (أغسطس) ما وصفه بتصويرٍ إعلاميٍّ “مشوه” للأوضاع على متن الحاملة، في وقت كانت فيه التقارير الصحافيّة تتحدث عن تدهور المعنويات ومشكلات في ظروف الحياة اليومية. كما أكّد قائد القيادة المركزية الأمريكيّة الأدميرال براد كوبر، الشهر الفائت، أنّ (لينكولن) تُسجّل من أدنى أعداد الحالات المرتبطة بالصحة النفسيّة بين حاملات الطائرات الـ 11 العاملة في البحرية، وإنْ أقرّ بأنّ الانتشار الطويل في البحر “صعب وقاسٍ”.
علاوةً على ذلك، نقلت الصحيفة عن مسؤولٍ عسكريٍّ قوله إنّ عمليات انتشار حديثة سابقة لمجموعات حاملات شهدت عادة محاولة أوْ محاولتيْن سنويًا، وأنّ ظروف العمليات القتالية والإنذارات المستمرة وغياب زيارات الموانئ جعلت الوضع أكثر ضغطًا.
وزعمت البحريّة أنّها لم تترك أفراد المجموعة من دون دعم. فقد كان على متنها خمسة قساوسة عسكريين، وطبيب نفسي، وأخصائي اجتماعي إكلينيكي، وثلاثة فنيين للصحة السلوكية، إضافة إلى مستشار للوقاية والتدخل وكلب مخصص للدعم النفسي. لكن القضية التي بدأت تتبلور في واشنطن تتجاوز سؤال توفر الأطباء والمتخصصين: هل تستطيع خدمات الدعم النفسي داخل قوةٍ عسكريّةٍ التعامل مع آثار انتشارٍ قتاليٍّ بهذه الفترة الزمنيّة الطويلة؟
فعندما وصلت (أبراهام لينكولن) إلى ميناء لام تشابانغ في تايلاند في الثاني من سبتمبر، كان على متنها نحو خمسة آلاف فرد، وكانت تلك أول زيارة ميناء كاملة بعد 286 يومًا في البحر. وقد وصفت القيادة الأمريكيّة التوقف بأنّه فرصة “للراحة واستعادة النشاط”.
وهكذا أصبحت (أبراهام لينكولن) قصة تتجاوز نجاحاتها العسكرية. فخلف آلاف الطلعات الجوية والعمليات القتالية توجد قصة أخرى عن بشر عاشوا شهورًا في بيئةٍ مغلقةٍ، بعيدًا عن عائلاتهم، وتحت ضغط العمليات العسكريّة المتواصلة.
والسؤال الذي سيبقى مطروحًا داخل البحرية الأمريكيّة بعد انتهاء هذه المهمة ليس فقط ما حققته الحاملة في الحرب، وإنّما ما الذي دفع ثمانية من أفراد مجموعتها إلى محاولة إنهاء حياتهم، وما إذا كانت المؤسسة العسكريّة قادرة على استخلاص الدروس من هذه الحالات قبل أنْ تبدأ المهمة الطويلة القادمة؟
اخبار سورية الوطن 2_وكالات _راي اليوم
syriahomenews أخبار سورية الوطن
