د. سلمان ريا
الأزمة السورية عميقةٌ إلى درجة لا يمكن اختزالها في خلافاتٍ محلية أو نزاعاتٍ اجتماعيةٍ آنية. هي ليست مجرّد صدامٍ بين فئات، بل صدامٌ بين رؤيتين للوجود السياسي: رؤية تستند إلى إرث ما قبل الدولة، تُقدّس الجماعة الضيقة والزعيم الأقوى، ورؤية أخرى تطمح إلى بناء عقدٍ وطني حديث، عنوانه الدولة التي تحمي الجميع بالقانون لا بالولاءات.
على امتداد التاريخ، كانت المجتمعات التي لم تُنجز انتقالها من الرابطة الأولية إلى الرابطة المدنية، مجتمعاتٍ معلّقة عند بوابات الحداثة. وفي سوريا تجسّد هذا الانقسام في ذروته، إذ تقاطع فيه الاجتماعي بالسياسي والطائفي بالعسكري، ليصبح السؤال الأكبر: هل نعيش في إطار جماعاتٍ متجاورة أم في فضاء أمةٍ واحدة؟
النمط الأول، الذي رأيناه يطفو على السطح حين تضعف سلطة المؤسسات، هو نمطٌ اجتماعي قديم: يقرأ البلاد بوصفها مجموعات حماية، لا مساحة مواطنة. فيه يصبح الانشغال الأساسي للفرد هو الاحتماء بالعشيرة أو الطائفة أو المنطقة، فيما يتحوّل القانون إلى توصيةٍ أخلاقية قابلة للتجاوز، ويتحوّل النفوذ إلى الغنيمة، والزعامة إلى هوية. هذا النمط يمارس الاستقواء على حساب الكفاءة، والهيمنة على حساب العدالة، ويحمل بذرة الانقسام في داخله، لأنه لا يعترف بالسقف الوطني المشترك، بل بسقوفٍ تتراكم فيها العصبيات.
في المقابل، يقف نمط الدولة الحديثة الذي نجحت في إنجازه أممٌ كثيرة خرجت من الحروب أكثر قسوةً مما شهدناه. الدولة التي لا تُقصي مكوّنًا ولا تمنح امتيازًا، بل تجعل الانتماء الأول للوطن، وتحتكم إلى المؤسسات، وتستمد شرعيتها من القانون. دولة يُصبح فيها المواطن شريكًا لا محكومًا، وفاعلًا لا تابعًا، وغايةً لا وسيلةً. وفيها لا تلغي الهويات الفرعية، لكنها تعيدها إلى حجمها الطبيعي داخل هويةٍ جامعة، تُوحِّد ما تفرِّقه السياسة، وتُدير الاختلاف بدل استثماره في معارك الإلغاء.
إن التجاذب بين هذين النمطين ليس نظريًا في سوريا، بل دمويًا ومكلفًا، لأن الفراغ المؤسسي كان دائمًا أكثر خطورةً من الحرب ذاتها. وحين يغيب القانون لا تعود البلاد ساحة صراع أفكار، بل ساحة صراع زعامات، وحين تضعف الدولة تولَد الدول الصغيرة داخل النفوس قبل الجغرافيا.
المطلوب اليوم، وهو ما يلتقي عليه عقلاء البلاد وقوى المجتمع المدنية، ليس دولةَ انتقامٍ من أحد، ولا دولةَ هيمنةِ أحد، ولا دولةَ محاصصةٍ مُجَمَّلةٍ بشرعيةٍ لفظية، بل دولة المواطنة الكاملة التي تُعيد الفرد إلى مكانه الطبيعي بوصفه أساس الشرعية وأساس التنمية وأساس المصالحة. دولة تنقل العلاقة بين السلطة والمجتمع من الطاعة القسرية إلى الاحترام التعاقدي، ومن ثقافة الزعيم الملهم إلى ثقافة الدستور الحاكم.
ولكي يتحقّق ذلك لا بدّ من الاعتراف بأن الديمقراطية لا تُخلق في ظل العسكرة، وأن الدولة لا تُبنى في ظل الاستقواء العابِر للحدود. وأن السيادة ليست مجرّد جملة نردّدها في البيانات، بل قدرة الدولة على احتكار القرار الوطني، وحصر السلاح بيدها، ومنع تحويل المجتمع إلى مخازن نفوذ تُغذّي الانقسام الأهلي.
لقد تحوّل السوريون في سنوات الحرب إلى مشاريع بقاء فردي، لأنهم تُركوا أمام منطق الأقوى. أما الآن، فالتحدي الأساسي هو تحويلهم إلى مشاريع مواطنة وبناء مشترك. الانتقال من إنسانٍ يحمل بطاقةَ هويةٍ بلا حقوقٍ إلى إنسانٍ يحمل وطنًا كاملاً بلا خوف. الانتقال من “أنا ومن بعدي الطوفان” إلى “أنا ووطني، ونحن الدولة”.
إن نهوض سوريا لا يبدأ بإعادة ترميم الحجر فقط، بل بإعادة ترميم الفكرة المؤسسة: أن يكون القانون مظلّة لا عصا، وأن يكون الوطن بيتًا لا ساحة، وأن تكون المواطنة قيمةً لا شعارًا، وأن تكون الدولة أقوى من زعاماتها وأبقى من حكوماتها وأعدل من صراعاتها.
لقد جرّبت أممٌ كثيرة نقيض الدولة فهلكت، وجرّبت أخرى رهان الحق فنجت. وتجربة دول ما بعد الحروب تُخبرنا أن الدول العادلة لا تقوم على إنكار الذاكرة، بل على منع الذاكرة من التحوّل إلى دستورٍ للغلبة.
المستقبل السوري الذي يستحقه الناس، هو مستقبل دولة لا تُعرّف مواطنيها بانقساماتهم، بل بحقوقهم. دولة تستعيد ثقة المجتمع بدل استرضائه، وتستعيد شرعية المواطن بدل إخضاعه، وتُعيد معنى السياسة إلى جذره الحقيقي: إدارة الاختلاف لا انفجاره.
إن بناء العقد الوطني السوري الجديد يحتاج إلى شجاعةٍ أخلاقية وسياسية، شجاعة يتحلّى بها كل من يرفض تحويل البلاد إلى نسخ متكررة من الهويات المنغلقة. شجاعة تُدرك أن سوريا لا تُنقذ بانتصار جماعةٍ فيها، بل بانتصار الفكرة التي تجمعها.
وختامًا، ليست الدولةُ حلمًا مستحيلاً، بل قرارٌ سياسي طويل النفس. وحين يصبح القانون فوق الجميع، ويصبح الوطن بيت الجميع، وتصبح المواطنة رابطةً تحرّر لا رابطةً تُقيّد، عندها فقط نكون قد بدأنا الخروج الحقيقي من الأزمة، لا نحو هدنةٍ اجتماعيةٍ مؤقتة، بل نحو ولادةٍ وطنيةٍ مستدامة.
(أخبار سوريا الوطن-2)
syriahomenews أخبار سورية الوطن
