أحمد العبد
لم يكن وداع الشاب علي ماجد حمادنة (23 عاماً) في بلدة دير جرير، شمال شرق رام الله، موكب تشييع روتيني في يوميات الضفة الغربية المُثقلة بالدم. فصرخة والدته وهي تودّعه بمرارة: «ليش تحرق قلبي عليك يا حبيبي يمّا؟»، والتي ظلّت تتردّد في أذهان المشيّعين، اختزلت مشهد الإرهاب الصامت الذي يمارسه المستوطنون تحت حماية جيش الاحتلال. وكان حمادنة أُصيب خلال هجوم على القرية في 11 نيسان الماضي، حين اقتحم مستوطنون مسلّحون المدخل الغربي للقرية، وأطلقوا الرصاص الحيّ تجاه الأهالي، لتخترق رصاصة جسده من ظهره إلى صدره، ويُنقل في حالة حرجة جداً إلى «مجمع فلسطين الطبي»، قبل أن يُعلن عن استشهاده.
وتندرج واقعة دير جرير في سياق الاعتداءات نفسها التي تشهدها مناطق واسعة من الضفة على نحو متكرّر. ووفقاً لبيانات «هيئة مقاومة الجدار والاستيطان»، سجّل شهر آذار وحده 497 اعتداءً من قبل المستوطنين ضدّ الفلسطينيين وممتلكاتهم، في تصعيد دراماتيكي أدّى إلى استشهاد 9 فلسطينيين منذ مطلع العام، إلى جانب أضرار واسعة طاولت الممتلكات والأراضي. وتوزّعت هذه الاعتداءات على محافظات عدّة، تصدّرتها نابلس بـ113 اعتداءً، تلتها الخليل بـ110، ثمّ رام الله والبيرة بـ90، في مؤشّر إلى اتساع رقعة الاستهداف، ولا سيما في القرى والتجمعات البدوية.
ولم تقتصر تداعيات الاعتداءات على الخسائر البشرية والمادية؛ إذ امتدّت إلى تهجير قسري طاول 6 تجمعات بدوية، متسبّباً بتضرر 58 عائلة تضمّ 256 فرداً، بينهم 79 امرأة و166 طفلاً. وبالتوازي، ارتكب المستوطنون مئات الانتهاكات بحق الممتلكات، شملت 256 عملية تخريب و51 عملية استيلاء وسرقة، فضلاً عن استهداف واسع للأراضي الزراعية، حيث جرى اقتلاع وتخريب وتسميم 2286 شجرة، بينها 2121 شجرة زيتون. وتصدّرت رام الله والبيرة قائمة المحافظات المتضرّرة على هذا المستوى بـ881 شجرة، تلتها نابلس وبيت لحم والخليل.
ولا يمكن فصل ما تقدّم عن سياق أوسع من سياسة تهجير قسري مُمنهجة، تُنفّذ عبر عنف المستوطنين وبغطاء مباشر من جيش الاحتلال، وتستهدف تفريغ الأرض من سكانها – خصوصاً في التجمعات البدوية -، وإضعاف الوجود الفلسطيني على امتداد الجغرافيا المُستهدفة. وفي السياق نفسه، تتصاعد محاولات إقامة البؤر الاستيطانية كأداة مركزية لفرض وقائع جديدة على الأرض. فمنذ مطلع آذار، حاول المستوطنون إقامة 20 بؤرة إضافية، غلب عليها الطابع الزراعي والرعوي، وتركّزت في نابلس ورام الله والبيرة. ويعكس ذلك نمطاً متكرراً يبدأ بخلق البؤرة، قبل أن تتدخّل الجهات الرسمية لاحقاً لتشريعها وتحويلها إلى مستوطنة «شرعية».
صادق «كابينت» الاحتلال على إقامة 34 مستوطنة جديدة
ويتكامل هذا المسار مع تخطيط رسمي موازٍ؛ إذ درست سلطات الاحتلال، في آذار، 12 مخططاً هيكلياً لمستوطنات في الضفة الغربية والقدس، صودق على بعضها وأُجّل بعضها الآخر، بما يتيح بناء مئات الوحدات الاستيطانية. ويبرز مشروع توسيع مستوطنة «حلميش» كأحد أكبر هذه المخطّطات، علماً أنه يستهدف إقامة 456 وحدة على نحو ألف دونم من أراضي الفلسطينيين. كذلك، صادق «كابينت» الاحتلال على إقامة 34 مستوطنة جديدة، في خطوة تؤكد أن ما يجري يندرج ضمن مشروع سياسي متكامل بلغ مرحلة متقدّمة من «الضمّ الفعلي»، من دون إعلان رسمي، عبر خلق كتل استيطانية مترابطة تعزل المدن الفلسطينية بعضها عن بعض وتحاصرها.
هكذا، يُعمل من خلال منظومة متكاملة على إعادة تشكيل الجغرافيا الفلسطينية، بما لا يستثني البعد الديمغرافي. فإلى جانب محاولات السيطرة على المزيد من أراضي الفلسطينيين وممتلكاتهم، تعمل سلطات الاحتلال وجماعات المستوطنين على تقليص الوجود الفلسطيني نفسه، وذلك من خلال القتل وتهجير التجمعات وتدمير مصادر الرزق. وتولّد هذه السياسات ضغطاً متراكماً يدفع الفلسطينيين نحو النزوح القسري، ويعيد توزيع السكان داخل مساحات أكثر ضيقاً وتفكّكاً.
وفي حين بدأ هذا الواقع يثير انتقادات دولية متزايدة، تتنامى في الداخل الإسرائيلي أصوات ناقدة تربط بين عنف المستوطنين وبنية المشروع السياسي الأوسع. ومن بين هؤلاء، يصف الكاتب حجاي إلعاد، في صحيفة «هآرتس»، ما يجري بأنه تعبير عن منطق يسعى إلى حسم «المسألة الديموغرافية» عبر الإقصاء والضغط، ومن خلال ما يصفه بـ«المذابح الصغيرة» التي تتكرّر يومياً في الضفة.
أخبار سوريا الوطن١-الأخبار
syriahomenews أخبار سورية الوطن
