آخر الأخبار
الرئيسية » ثقافة وفن » الفنان التشكيلي السوري المعاصر علي نفنوف: تجريد تعبيري مشبع بالذاكرة والأسطورة والبعد الإنساني وخروج عن المألوف في مقاربة الحياة 

الفنان التشكيلي السوري المعاصر علي نفنوف: تجريد تعبيري مشبع بالذاكرة والأسطورة والبعد الإنساني وخروج عن المألوف في مقاربة الحياة 

 

هويدا مصطفى

 

 

يحتلّ الفنان التشكيلي علي نفنوف موقعاً لافتاً في المشهد التشكيلي العربي المعاصر، بوصفه أحد الفنانين، الذين ينظرون إلى العمل الفني كحقلٍ مفتوح للتفكير، لا كمنتج بصري مغلق على معنى واحد. فهو يسعى، من خلال تجربته، إلى الخروج من المألوف في مقاربة الحياة، وبناء سردية بصرية غير تقليدية، تمنح المتلقي مزيداً من الأسئلة بدلاً من تقديم إجابات جاهزة.

 

ينطلق نفنوف من قناعة فكرية واضحة مفادها بأن الفن الحقيقي لا يكرّس الاعتياد، بل يعمل على خلخلته. لذلك، تتجنّب أعماله المباشرة والوضوح السردي، وتعتمد على الغموض المقصود بوصفه أداة جمالية ومعرفية في آنٍ معاً. هذا الغموض لا يُفهم بوصفه نقصاً في المعنى، بل كدعوة صريحة للمتلقي إلى المشاركة في إنتاج الدلالة، وإلى التحوّل من مشاهد سلبي إلى شريك فعلي في التفكير والتأويل. يحظى اللون في تجربة نفنوف بمكانة مركزية، ولا سيما اللون الأزرق الذي يراه فضاءً مفتوحاً على احتمالات لا نهائية. فالأزرق، في تصور نفنوف، ليس لوناً توصيفياً، بل أفقاً ممتداً خلف السطح المرئي، تتوالد فيه المسافات، وتتعدد طبقاته الدلالية والبصرية. إنه لون قادر على حمل الذاكرة، واستدعاء التخيل، وفتح اللوحة على فضاءات تتجاوز حدودها الفيزيائية.

 

ويشبّه نفنوف الأزرق بـ «غيمة معطّرة» تحمل الحياة إلى داخل اللوحة، فتمنحها قدرة على التنفّس والحركة. من خلال هذا اللون، تتحوّل المساحة التشكيلية إلى كيان حيّ، تتبدّل دلالاته مع تغيّر الضوء والملمس، وتبقى قابلة لإعادة الاكتشاف في كل مشاهدة جديدة.

 

ينتمي أسلوب علي نفنوف إلى التجريد التعبيري، غير أنه تجريد مشبع بالذاكرة والأسطورة والبعد الإنساني. تتفكك الأشكال، وتتلاشى الحدود الصارمة، لتحلّ محلها حركات لونية وخطوط حرّة تترك أثرها الانفعالي قبل أن تقدّم شكلها النهائي. في هذا السياق، لا يسعى الفنان إلى بناء صورة مكتملة، بل إلى خلق حالة بصرية قابلة للتأويل المستمر.

 

ترتكز رؤيته على فكرة أن اللوحة ليست نهاية للمعنى، بل بدايته. فكل عمل يظل مفتوحاً على قراءات متعددة، تتغيّر بتغيّر خلفيات المتلقين وتجاربهم الذاتية، وهو ما يمنح العمل الفني بعداً زمنياً يتجاوز لحظة إنتاجه.

 

شكّلت إقامة نفنوف في دولة الإمارات العربية المتحدة، ومشاركاته المتعددة في دبي، محطة أساسية في تطوّر تجربته الفنية. إذ يرى أن دبي تمثّل فضاءً ثقافياً عالمياً، تتقاطع فيه التجارب البصرية القادمة من مختلف دول العالم وثقافاته، ما أتاح له فرصة نادرة للتفاعل المباشر مع رؤى فنية

متنوّعة.

 

وقد أسهم هذا التفاعل في أن يؤثّر الفنان ويتأثّر في آنٍ معاً؛ فاكتسب ألواناً جديدة، وحكايات مختلفة، وأفكاراً أعادت تشكيل علاقته باللوحة. هذا الانفتاح الثقافي أضفى على أعماله قيمة إنسانية أعمق، ومنحها هوية أكثر نضجاً، قادرة على التعبير عن المشترك الإنساني دون أن تتخلّى عن خصوصيتها الفنية.

 

تقدّم تجربة علي نفنوف أنموذجاً للفن بوصفه حواراً مفتوحاً، لا خطاباً أحادياً. فلوحاته لا تُشاهد فقط، بل تُقرأ وتُفكَّر، وتبقى في حالة تشكّل دائم. إنها تجربة تؤكّد أن الفن المعاصر، حين يتكئ على السؤال والاختلاف والتبادل الثقافي، يصبح قادراً على إنتاج معنى يتجاوز الجغرافيا.

(أخبار سوريا الوطن1-جريدة الصباح العراقية)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

معرض دمشق الدولي للكتاب يستقطب 650 فعالية ثقافية في ثلاث صالونات متخصصة

يستعد معرض دمشق الدولي للكتاب في دورته الاستثنائية لاحتضان برنامج ثقافي حافل يشمل أكثر من 650 فعالية موزعة، على ثلاثة صالونات ثقافية متخصصة، بهدف استقطاب ...