عاصم الزعبي
يوم السبت، وعلى الرغم من مفاوضات كانت تتم بشكل غير مباشر بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران للتوصل إلى حل يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني وبرنامج الصواريخ الباليستية والعديد من المسائل الأخرى، من بينها ميليشيات إيران في المنطقة، إلا أن الحرب بدأت بشن هجمات أميركية إسرائيلية مكثفة على إيران، تسببت خلال اليوم الأول بمقتل عدد كبير من القيادات الإيرانية، وعلى رأسها المرشد الإيراني علي الخامنئي.
إيران، ومنذ بداية الهجمات، لم تتوان عن الرد عليها في عدة اتجاهات، أولها “إسرائيل”، واستهدفت بالصواريخ والمسيرات عدة دول عربية، كالمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي والأردن، تحت ذريعة وجود قواعد أميركية، على الرغم من الإعلان السابق للضربات الأميركية الإسرائيلية من الدول العربية أنها لن تكون طرفا في أي حرب ضد إيران.
وفي سياق الحرب التي اندلعت، تأتي سوريا من خلال موقعها الجغرافي لتكون، بشكل أو بآخر، تحت نار الصواريخ والمسيرات الإيرانية من جهة، والدفاعات الجوية الإسرائيلية من جهة أخرى، وهو ما يشكل خطرا مستمرا على المواطنين السوريين، على الرغم من الموقف السوري المعروف تجاه ما يجري في المنطقة.
الحياد السوري
منذ سقوط نظام الأسد نهاية العام 2024، أعلنت الدولة السورية اتباعها سياسة تصفير المشاكل مع الجميع، سواء الدول المجاورة أو الدول الإقليمية أو المجتمع الدولي ككل. وأكد الرئيس أحمد الشرع في أكثر من لقاء هذه السياسة، وبين أن الدولة السورية تضع أمامها هدفا رئيسيا وهو إعادة بناء ما خلفته الحرب وما خلفه نظام الأسد على مدى 54 عاما، إضافة إلى بناء وترميم العلاقات السورية مع الدول الأخرى، خاصة تلك التي تضررت من النظام المخلوع.
هذه السياسة التي أعلنها الرئيس أحمد الشرع في العديد من اللقاءات والمناسبات باتت سياسة واضحة للجمهورية العربية السورية اليوم في التعامل مع الأحداث الإقليمية والدولية. ومع اندلاع الحرب ضد إيران من قبل الولايات المتحدة و”إسرائيل”، رسخت سوريا هذه السياسة بشكل واقعي، سواء من خلال التصريحات الرسمية بعدم التدخل والوقوف على الحياد، أو من خلال عدم التدخل بأي شكل آخر.
كما بدت السياسة السورية واضحة بشكل كامل خلال الحرب بين إيران و”إسرائيل” التي استمرت 12 يوما في حزيران من العام 2025، حيث لم تكن سوريا، وللمرة “الأولى”، ساحة يمكن لإيران استخدامها في الحرب ضد “إسرائيل” كما كان عليه الحال خلال العقود السابقة. وهذا الأمر بدت سوريا حريصة عليه للعودة إلى مكانتها الطبيعية بين المجتمعين العربي والدولي.
سوريا نحو العمق العربي
سوريا، ومنذ سقوط نظام الأسد وخروج ميليشيات إيران من أراضيها، اتخذت موقفا واضحا من العلاقات مع إيران، من خلال التخلص من الميليشيات التابعة لها على الأراضي السورية، وبالتالي الابتعاد السوري الكامل والعلني والقاطع عما يسمى “محور المقاومة” الذي انخرطت سوريا فيه خلال العقود الماضية، ورفض إقامة أي علاقات دبلوماسية مع إيران، والدخول معها في مسار واضح يقوم على السيادة واحترامها وعدم التدخل، ورفض أي محاولات لإثارة الفوضى أو دعم أي ميليشيات في سوريا.
ومن هنا جاء التحول بالكامل إلى العمق العربي الذي اعتبرته الدولة السورية هو التوجه الطبيعي والصحي لسوريا وللشعب السوري، وتجلى ذلك بشكل عملي في أول زيارة خارجية للرئيس أحمد الشرع، والتي كانت إلى المملكة العربية السعودية ولقائه بالأمير محمد بن سلمان ولي العهد.
ومع بدء الحرب يوم السبت وقيام إيران باستهداف الدول العربية فقط، على الرغم من وجود قواعد أميركية في مناطق أخرى، كان الموقف السوري الرسمي والشعبي واضحا بالوقوف والتضامن مع الدول العربية ضد الاعتداءات الإيرانية غير المبررة، حيث عمدت إيران إلى استهداف مرافق مدنية حيوية كالمطارات في الإمارات العربية المتحدة والكويت، وأحياء سكنية في البحرين، ومناطق تجارية في دبي.
الموقف الرسمي جاء علنيا من خلال اتصالات هاتفية أجراها الرئيس الشرع مع قادة الدول العربية، كولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، ورئيس دولة الإمارات العربية المتحدة الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، وأمير دولة قطر تميم بن حمد آل ثاني، وأمير دولة الكويت الشيخ مشعل الأحمد الجابر الصباح، وملك مملكة البحرين حمد بن عيسى آل خليفة.
كما أجرى وزير الخارجية أسعد الشيباني اتصالات مع نظرائه من الدول العربية وأكد تأييد سوريا لها في الظروف التي تمر بها المنطقة، وأهمية العمل المشترك، ومن بينهم وزير خارجية سلطنة عمان بدر بن حمد البوسعيدي، إضافة إلى الاتصال برئيس الوزراء اللبناني نواف سلام لبحث ما تمر به المنطقة والتأكيد على التنسيق المشترك بين سوريا ولبنان.
وكان الموقف السوري واحدا مع مواقف الدول الأعضاء في جامعة الدول العربية، التي أدانت استهداف سيادة أراضي الدول العربية التي تعرضت لاعتداءات إيرانية، في بيان صدر عن الجامعة.
الانتشار السوري على الحدود لمنع تسلل الإرهابيين
خلال الأيام القليلة القادمة انتشرت وحدات من الجيش السوري على الحدود السورية-العراقية في خطوة تهدف سوريا من خلالها إلى الحفاظ على أمن البلاد، خاصة أن الحدود الطويلة بين البلدين كانت مستباحة خلال فترة النظام المخلوع.
الانتشار السوري جاء بعد رصد عمليات تسلل لعناصر إرهابية، إضافة إلى خرق الحدود في أكثر من مرة من مجموعات ترتبط بالميليشيات الإيرانية التي تنتشر على الحدود العراقية السورية، وجاءت عمليات الانتشار بالتنسيق مع الجانب العراقي الرسمي.
ولا يهدف هذا الانتشار بأي حال من الأحوال إلى التدخل في الشؤون العراقية، فالدولة السورية تبني علاقاتها مع العراق على مبادئ الأخوة واحترام السيادة، ولطالما نفت سوريا وجود أي نية للتدخل على عكس ما تحاول بعض الجهات الإعلامية المرتبطة بالميليشيات ترويجه، سواء بتدخل في العراق أو في لبنان. فالدولة السورية أكدت على لسان مسؤوليها أنها تسعى لبناء البلاد بعد أن دمرتها حرب استمرت 14 عاما شنها نظام الأسد المخلوع على الشعب السوري بعد اندلاع الثورة السورية في العام 2011.
هل ستتأثر سوريا بالحرب على إيران؟
لا يبدو أن الحرب بين الولايات المتحدة و”إسرائيل” من جهة وإيران من جهة ثانية قد تكون قصيرة، خاصة مع قيام حزب الله اللبناني بالدخول فيها من خلال إطلاق الصواريخ على منطقة حيفا، ما دفع “إسرائيل” فجر الثاني من آذار إلى استهداف الضاحية الجنوبية في بيروت ومناطق من الجنوب اللبناني بغارات جوية، أعلن الجانب الإسرائيلي أنها ستستمر لأيام.
كما لم يتبين بعد ما إذا كان الحوثيون في اليمن سيدخلون الحرب في جبهة إسناد أخرى لإيران، وهو أمر متوقع. وكل هذا يدفع للاعتقاد أن الحرب ستتحول إلى حرب استنزاف قد تمتد لفترة أطول مما يعتقد، وهذا سينجم عنه آثار ستطال المنطقة برمتها بما فيها سوريا.
إلا أن أخطر الآثار على سوريا هو أجزاء الصواريخ والمسيرات الإيرانية التي تسقط جراء استهدافها من قبل الدفاعات الجوية الإسرائيلية فوق الأراضي السورية. وقد تم تسجيل سقوط العديد منها في الجنوب السوري بشكل خاص في محافظات درعا والسويداء والقنيطرة.
ومساء الأحد الأول من آذار امتدت هذه الشظايا وأجزاء الصواريخ والمسيرات إلى محيط دمشق، حيث تم تسجيل إصابة شخصين جراء سقوط بقايا صاروخ بالقرب من عين ترما بريف دمشق. فيما أكدت الهيئة العامة للطيران المدني السوري تمديد إغلاق الأجواء السورية وإغلاق المطارات لمدة 24 ساعة اعتبارا من صباح يوم الاثنين الثاني من آذار.
وسيتم خلال فترة الإغلاق متابعة التطورات بشكل متواصل وعلى مدار الساعة، على أن يعلن عن أي مستجدات أو قرارات لاحقة فور صدورها، بما يضمن سلامة الحركة الجوية في أجواء الجمهورية العربية السورية.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
