حسين روماني
عودة جمال سليمان، يارا صبري، فارس الحلو، عبد الحكيم قطيفان وغيرهم من النجوم إلى الدراما السورية في موسم رمضان 2026 بالإضافة إلى كونها حدث فني، هي في جوهرها لحظة اختبار ثقيل لذاكرة بلد، ولسؤال مؤجل منذ سنوات هل يمكن للفن أن يتجاوز القطيعة، أم أنه يكتفي بتجميلها؟
غابت تلك الأسماء بحجمها الكبير وتاريخها الفني الواسع لأكثر من عقد، بسبب موقفهم من النظام المخلوع، فظل حضورهم عالقاً في وجدان الجمهور، بوصفهم جزءاً من “العصر الذهبي” للدراما، يعودون اليوم دفعة واحدة تقريباً، في موسم يوصف بأنه “موسم الوجوه العائدة”، داخل مشهد مليء بالرمزية.
لا نوستالجيا خالصة
شدد الفنان جمال سليمان الذي يلعب شخصية “سلطان الغالب” بمسلسل “الخروج إلى البئر” في تصريحات سابقة على أن أي عمل جديد يجب أن “يعكس قصص العائلات السورية الحقيقية”، وألا يتجاهل التحولات العميقة التي عاشها المجتمع، هذه العبارة وإن قيلت في سياق مختلف، تبدو بياناً غير معلن لعودة هؤلاء النجوم، لا عودة مجانية بل عودة مشروطة بالمعنى، أما الفنانة يارا صبري التي تواجدت في عدة أعمال منها “المقعد الأخير”، ربطت مشاركتها الفنية بضرورة أن يكون العمل مستنداً إلى “الواقع المعاش بعد الحرب”، وهو ما يعكس تحوّلاً في وعي النجوم أنفسهم بدورهم من ممثلين إلى شهود.
حتى العودة من باب الكوميديا لا يمكن قراءتها بمعزل عن الآراء، فالفنان محمد أوسو الذي يطل عبر مسلسل “بنت النعمان”، روى كيف فاجأه استمرار جمهور الدراما السورية في تذكر أعماله القديمة، فالعودة من وجهة نظره ليست بحثاً عن حضور أو شهرة، بل عن استعادة الحماس الفني والممارسة الحقيقية للتمثيل بعد سنوات من الغياب القسري، بالمقابل فإن الفنانة سلافة عويشق والمشهورة بشخصية “الست جاكلين”، التي تشارك أوسو البطولة بنفس العمل أشارت بحديث سابق لها أن الدراما السورية اليوم بحاجة إلى إنتاج شجاع يعكس تجارب المجتمع السوري بصدق وجرأة، وهذه التصريحات تضع المشهد الرمضاني أمام اختبار حقيقي.
حضور كثيف وأدوار حساسة
يشهد الموسم الحالي كثافة غير مسبوقة في مشاركة النجوم العائدين، ضمن أعمال ذات طابع سياسي واجتماعي واضح، بعضها يتناول قضايا السجون والسلطة والفساد، في “الخروج إلى البئر” يؤدي جمال سليمان دور شخصية “سلطان الغالب” وهو سجين يتولى التفاوض مع القوات الأمنية داخل سجن صيدنايا، ويبرز الجانب الإنساني والاجتماعي لمعاناة السجناء، في سردية تتقاطع مع ملفات حساسة في الذاكرة السوري.
كما يشارك عبد الحكيم قطيفان بنفس العمل عبر شخصية “اللواء ناصيف” لواء أمني صارم يمثل قبضة السلطة وصراعها الداخلي المعقد والخفي، أيضاً فارس الحلو اختار العودة عبر شخصية أمنية عبر مسلسل “مولانا”، العقيد كفاح الضابط الصارم والقوي الذي تظهر سلطته ونفوذه وحتى فساده في بيئة مؤسسية مشحونة، ويتقاطع دوره مع معظم الشخصيات في الحكاية.
فيما تقف يارا صبري في صف المدرسة وتنظر إلى “المقعد الأخير” وهي مديرة قوية تواجه تحديات اجتماعية وتربوية مع طلاب ومعلمين في بيئة معاصرة، أما مكسيم خليل فهو “شجاع” في “مطبخ المدينة” الذي يرى العالم كغابة يجب أن يكون فيها قوياً ليصمد، ويؤمن أن الغاية تبرر الوسيلة.
ملعب الكوميديا عاد إليه لاعبه الأشهر محمد أوسو عبر شخصية “محظوظ” الذي يريد الزواج بابنة النعمان “أفروديت”، و”محظوظ” يمثّل الرجل البسيط القادم من المجتمع الشعبي الدمشقي، ينخرط في مواقف مضحكة وعفوية تتعلق بعلاقاته الاجتماعية وعلاقته مع شخصيات أخرى في الحارة، وهي عودة لأوسو تجمع بين الأداء التمثيلي والكتابة الساخرة في آن واحد، وكانت المفاجآة في “بنت النعمان” حضور الفنانة سلافة عويشق عبر شخصية “أم سعيد” امرأة طريفة ومحبّة للمشهد الكوميدي ضمن حلقات المسلسل الشعبية، أم سعيد تمثّل المرأة الدمشقية ذات الطابع الصادق والعفوي، التي تضيف إلى الحكاية بعداً إنسانياً كوميدياً من خلال تفاعلها مع مواقف الحياة اليومية في الحارة ومع الشخصيات الأخرى.
استعادة الوزن الثقيل
يرى الصحفي والناقد محمد مجدي خلال حديثه لـ “الثورة السورية” أن عودة هؤلاء النجوم تمثّل استعادة لهيبة التمثيل التي افتقدتها الدراما السورية في السنوات الأخيرة، مع غياب أسماء قادرة على حمل نصوص ثقيلة، أيضاً رفع سقف التوقعات الفنية بوجود هؤلاء النجوم الذي يفرض مستوى أعلى من الكتابة والإخراج والانتقاء، وإعادة جذب الجمهور العربي الذي ارتبط تاريخياً بهذه الأسماء وأعمالهم الأيقونية، ما خلق منافسة في محاولة إعادة الزخم إلى الإنتاج السوري، هذه العودة يجب ألا تبقى واقفة في مكان “الاستثمار الرمزي” بل تكمل وبقوة لتدخل في صلب المجتمع السوري ويومياته، لتسير الدراما السورية نحو عصر ذهبي جديد.
نسير بين الناس نسألهم عن ظهور نجومهم المفضلين في دراما سورية خالصة، تقول أم فراس (62 عاماً): “هؤلاء كانوا أبطال الدراما، وعودتهم ستعيد الألق لهذه الحرفة”، أحمد (37 عاماً) يحمل حنيناً لهم لكنه مشروط بالجودة: “ننتظر قوة الأداء وعمق الحوار في أعمالهم”، أما سارة (24 عاماً) والتي تمثّل الجيل الشاب الميّال نحو القصص الجديدة والحبكة المخضرمة قالت: “نريد أن نراهم في حكايا متجددة قريبة من الدراما العالمية”.
الدراما السورية اليوم تقف على مفترق طرق، عودة النجوم تعيد إليها جزءاً من بريقها، لكنها في الوقت نفسه تضعها تحت مجهر قاسٍ، فالجمهور الذي أحب هذه الأسماء، هو نفسه الذي سيحاسبها، والنجوم الذين كانوا جزءاً من ذاكرة جميلة، أصبحوا اليوم جزءاً من واقع معقد، وعودة تلك الأسماء ليست نهاية القصة بل بدايتها، هي فرصة لإعادة بناء دراما سورية أكثر صدقاً وجرأة، لكنها أيضاً اختبار لقدرة الفن على التجدد دون أن يفقد روحه.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة
syriahomenews أخبار سورية الوطن
