آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » حين يعجز الاقتصاد عن حمل الحرب

حين يعجز الاقتصاد عن حمل الحرب

 

د. سلمان ريا

 

للحرب جناحان متلازمان: جناح عسكري يُرى في الميدان، وجناح اقتصادي يعمل في العمق بصمتٍ لكنه لا يقل تأثيرًا. فإذا كان الأول يقاس بحجم القوة النارية والقدرة على الردع، فإن الثاني يقاس بقدرة الدول على تحمّل الكلفة والاستمرار في دفع ثمن الصراع. وفي الحروب الحديثة لم تعد الجيوش وحدها هي التي تقاتل، بل تقاتل معها الموازنات العامة، وأسواق الطاقة، وشبكات التجارة، وسلاسل الإمداد التي تربط اقتصاد العالم بعضه ببعض.

 

المواجهة الدائرة اليوم بين إسرائيل والولايات المتحدة من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما يرافقها من اصطفافات إقليمية ودولية، لا يمكن فهمها فقط من زاوية الميدان العسكري. فهذه الحرب، مهما بدت محصورة جغرافيًا، تمس في الحقيقة قلب الاقتصاد العالمي. فكل تصعيد عسكري ينعكس فورًا في الأسواق، وكل توتر في المنطقة يتحول إلى قلق عالمي بشأن الطاقة والتجارة والاستقرار المالي.

 

يكفي أن نلاحظ أن منطقة الصراع تقع قرب أهم شرايين الطاقة في العالم. فمضيق هرمز، الذي يمر عبره جزء كبير من تجارة النفط العالمية، يشكل نقطة حساسة في حركة الطاقة الدولية، بينما يشكل مضيق باب المندب بوابة حيوية للتجارة بين آسيا وأوروبا عبر البحر الأحمر. وأي اضطراب في هذين الممرين لا يبقى حدثًا إقليميًا محدودًا، بل يمتد أثره إلى الصناعات في شرق آسيا، وإلى أسواق الطاقة في أوروبا، وإلى تكاليف النقل والغذاء في مناطق بعيدة عن جغرافيا الحرب.

 

في عالم شديد الترابط اقتصاديًا، لم تعد الحروب الكبرى قادرة على البقاء محلية. فارتفاع أسعار النفط والغاز يضغط على الاقتصادات الصناعية، وتعطل الملاحة البحرية يرفع كلفة التجارة الدولية، وسلاسل الإمداد التي تشكل العمود الفقري للاقتصاد العالمي تصبح أكثر هشاشة. ومع كل يوم إضافي من التوتر، يتسع نطاق القلق في الأسواق، وتتزايد احتمالات التضخم والركود في آن واحد.

 

ولا تقتصر الكلفة على الدول البعيدة. فالدول المشاركة في الحرب أو الواقعة ضمن نطاقها الجغرافي تتحمل العبء الأكبر. الموازنات العسكرية تتضخم، والاستثمارات تتراجع، والموارد التي كان يمكن توجيهها إلى التنمية تُستهلك في إدارة الصراع. وحتى الدول التي قد تستفيد مؤقتًا من ارتفاع أسعار الطاقة تجد نفسها أمام معادلة معقدة، لأن أي اضطراب طويل في الاقتصاد العالمي سينعكس في النهاية على الجميع بلا استثناء.

 

من هنا تتضح الحقيقة التي تحكم الحروب في عصر الاقتصاد المعولم: القدرة العسكرية وحدها لا تكفي للاستمرار طويلًا. فحين تتجاوز كلفة الحرب حدود الاحتمال الاقتصادي، تبدأ الضغوط بالظهور من كل اتجاه؛ من الأسواق المالية، ومن الشركات الكبرى، ومن الحلفاء الذين يدركون أن استمرار الصراع يهدد استقرارهم هم أيضًا.

 

التاريخ الحديث يبين أن كثيرًا من الحروب لم تنتهِ بانتصار حاسم، بل انتهت عندما أدركت الأطراف المتصارعة أن الاستمرار سيقود إلى خسارة جماعية. وفي عالم يقوم على شبكة معقدة من المصالح الاقتصادية، يصبح الاستنزاف الطويل خطرًا لا يمكن لأي طرف أن يتحكم بنتائجه.

 

لهذا تبدو نهاية هذه الحرب ضرورة أكثر منها خيارًا. فكل يوم إضافي من التصعيد لا يضيف فقط إلى الخسائر البشرية والمادية، بل يضيف طبقة جديدة من الاضطراب إلى الاقتصاد العالمي. وعندما تبدأ الاقتصادات بالتآكل، يصبح استمرار الحرب عبئًا يفوق قدرة الجميع على تحمله.

 

في النهاية، قد تستطيع الجيوش أن تطيل أمد القتال، لكن الاقتصادات نادرًا ما تستطيع أن تطيل أمد الحرب إلى ما لا نهاية. وحين يعجز الجناح الاقتصادي عن حمل عبء الصراع، يصبح وقف الحرب الطريق الوحيد لتجنب انهيارات لا يستطيع أحد بعد ذلك التحكم في مسارها.

 

(موقع: أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

لماذا أرفض الحرب؟؟

    د.محمد حبش     أتابع بمرارة الأخبار في السودان حرب طاحنة لم تتوقف منذ ثلاث سنوات، تم فيها تدمير شامل للدولة والناس، وهناك ...