علي إسماعيل
في 27 من شباط الفائت قال وزير الإعلام السوري حمزة المصطفى في حديث لوكالة “الأناضول” التركية إن الجانبين السوري والتركي يسعيان لرفع مستوى الوعي ضد حملات التضليل الإعلامي، موضحا أن العلاقات بين سوريا وتركيا شهدت تطورا سريعا في جميع المجالات، لا سيما بعد الإطاحة بنظام الأسد المخلوع.
وأكد الوزير المصطفى خلال الحديث أن آلية التنسيق المزمع إنشاؤها في مجال الاتصال بين تركيا وسوريا هي عبارة عن “إجراء عملي لتحويل النوايا إلى واقع”، لافتا إلى نقص المؤسسات الإعلامية المهنية في بلاده.
وأوضح أن لجوء شريحة واسعة من السوريين إلى وسائل التواصل الاجتماعي للحصول على الأخبار يخلق بيئة خصبة لانتشار المعلومات المضللة والمغلوطة، مبينا دور وزارة الإعلام في السعي لرفع مستوى الوعي بمخاطر هذه الحملات.
وبسبب خطورة التضليل الإعلامي والأخبار الزائفة على أمن واستقرار المجتمع والدولة، وما يسخر له من تكنولوجيا متطورة وتقنيات معقدة، كان لا بد من مواجهة هذه الأساليب والتصدي لها بمختلف الوسائل المتنوعة من التقنية إلى التوعوية.
ومن الوعي بخطورة التضليل حذر مدير مكتب العلاقات العامة في وزارة الإعلام علي الرفاعي أمس المواطنين من انتشار الأخبار المغلوطة والشائعات على منصات التواصل الاجتماعي، مؤكدا خطورة التضليل الإعلامي وتأثيره على استقرار المجتمع ووحدة الدولة.
وقال الرفاعي في منشور عبر صفحته الرسمية على فيسبوك: “إن الصفحات والمصادر المضللة التي تبث أخبارا مغلوطة بطريقة ممنهجة تهدف بشكل واضح إلى خلق انقسام وشرخ بين المجتمع والدولة”.
وأضاف الرفاعي أن التعامل مع الأخبار يجب أن يكون بحذر شديد، مع ضرورة التأكد من مصدر أي خبر قبل مشاركته أو تصديقه، مؤكدا أن الوعي المجتمعي يمثل “خط الدفاع الأول” ضد محاولات التضليل، مشددا على أن إرادة ووعي المجتمع ستمنع نجاح مثل هذه الحملات.
ما هو التضليل الإعلامي وما هي أهدافه واستخداماته؟
من حيث المفهوم لا يزال التضليل الإعلامي بحاجة إلى تطوير، ولا يوجد تعريف متفق عليه لهذا المصطلح، حيث إن عالم الاجتماع المجري إرنست مانهايم استخدم مصطلح التضليل الإعلامي من أجل وصف التحولات الاجتماعية التي تسيطر عليها وسائل الإعلام، بينما نظر الباحث الإعلامي السويدي كينت آسب إلى التضليل الإعلامي على أنه العلاقة بين السياسة ووسائل الإعلام.
والتعريف الأقرب والمتوافق لدى كثيرين هو الذي يعرف التضليل الإعلامي على أنه “تأثير إعلامي” باعتباره أسلوبا يؤثر من خلاله الإعلام الجماهيري على قطاعات أخرى من المجتمع، بما في ذلك السياسة والأعمال والثقافة والترفيه والرياضة والدين والتعليم، حيث يعتبر هذا التعريف أن التضليل الإعلامي هو عملية تغيير أو اتجاه شبيه بالعولمة والتحديث، حيث تندمج وسائل الإعلام الجماهيري في قطاعات أخرى من المجتمع.
وبالتالي يتعين على الجهات السياسية وصانعي الرأي ومنظمات الأعمال ومنظمات المجتمع المدني وغيرها تكييف أساليب تواصلها مع شكل يناسب احتياجات وتفضيلات وسائل الإعلام الجماهيري، ويتعين على أي فرد أو منظمة ترغب في نشر رسائلها إلى جمهور أوسع أن تكيف رسائلها وأسلوب تواصلها لجعلها جذابة لوسائل الإعلام الجماهيري “الشعبوي”.
والتعريف السابق واستخدام مصطلح التأثير الإعلامي ارتبط بالفيلسوف الكندي مارشال ماكلوهان، وقد اقترح أن تكون وسيلة الاتصال، وليس الرسائل التي تحملها، هي المحور الرئيسي للدراسة.
أما مانهايم فكان أول من استخدم الكلمة الألمانية “التضليل الإعلامي” لوصف التأثير الاجتماعي لوسائل الإعلام في كتاب نشر عام 1933، في حين استخدم عالم الاجتماع الألماني يورغن هابرماس هذه الكلمة عام 1981 في كتابه “نظرية الفعل التواصلي”.
وأستاذ علوم الإعلام الدنماركي ستيج هجارفارد طور مفهوم التأثير الإعلامي وطبقه ليس فقط على السياسة، بل أيضا على قطاعات أخرى من المجتمع، بما في ذلك الدين، وعرف هجارفارد هذا المفهوم بأنه عملية اجتماعية تغرق المجتمع بوسائل الإعلام، لدرجة أنه لم يعد من الممكن اعتبار وسائل الإعلام منفصلة عن المؤسسات داخل المجتمع.
وتوصلت مجلة البحوث والدراسات الإعلامية والعديد من مراكز الدراسات إلى أن استخدام التضليل الإعلامي بنوعيه الصريح والضمني يعتمد على تقديم معلومات خاطئة على أنها ثوابت صحيحة، مع استخدام أحداث وسياقات صحيحة في غير موضعها، رغم تكذيبها من المصادر الرسمية.
وشاع استخدام أساليب وآليات التضليل الإعلامي في عرض القضايا المختلفة ذات الاهتمام العالي لدى المجتمع عبر فيديوهات القنوات التلفزيونية على اليوتيوب، وتعتمد على الاختلاق والفبركة، باستخدام مصطلحات صحيحة في سياق خاطئ، أو التشكيك أو التشهير والكذب والخداع.
وجاء في دراسة بعنوان “الأمل الزائف” نشرها مركز “إنسان” للدراسات الإعلامية إن نشر الأخبار والفيديوهات المزيفة بالذكاء الاصطناعي بمثابة “فخ نفسي مدروس يؤدي إلى نتائج عكسية مدمرة”، إذ إن “الأمل الزائف” يتعلق بجعل الجمهور يشعر بحال أفضل، لكنه في حقيقته شكل من أشكال الهروب وأحلام اليقظة، لجعل الجمهور يشعر بالرضا الذاتي لوقت وجيز ويغرق في خيالات التغيير، وهو ما يؤدي إلى آثار ضارة منها “الارتداد النفسي”، فمع رفع سقف التوقعات ثم ظهور عدم صحتها يحدث إحباط جماعي وانكسار في الروح المعنوية.
الخصوصية السورية فيما يرتبط بالأخبار المضللة
ما عاشه السوريون من تلفيق للأخبار وتضخيم للأحداث وتكثيف للنشر بشكل متواتر ومدروس بهدف خلق صورة ذهنية معينة لدى جمهور المتلقين كان السمة السائدة لأكثر من عقد، ووصل الأمر بموجهي حملات الكذب والتضليل إلى درجة اختلاق صور ومقاطع فيديو مولدة بالذكاء الاصطناعي بهدف إشعال نار الفتنة وتغذية النعرات ونشر الفوضى وتقويض عمل الدولة الجديدة خدمة لأجنداتهم.
مواقع أجنبية عديدة أشارت إلى حجم التضليل في الأخبار الموجهة للداخل السوري، ومنها موقع “Les Jours” الفرنسي الذي سلط الضوء على دور المنصات المضادة في التصدي للأخبار الكاذبة والمعلومات المضللة التي رافقت مجريات الثورة في سوريا منذ اندلاعها وحتى اليوم.
وفي تقرير للموقع نفسه أعدته الصحفية “هيلين سالون” ركزت فيه على كيفية استغلال النظام السوري للإعلام من أجل إعادة صياغة الرواية الرسمية، وتبرير القمع وتزوير الوقائع لطمس الجرائم المرتكبة.
وكذلك الأمر، بعد التحرير وسقوط النظام المخلوع، تضاعفت حملات التضليل الممنهجة والأخبار الكاذبة في سوريا التي استهدفت السلم الأهلي والتماسك المجتمعي، وعملت على تغذية الانقسام الطائفي والمذهبي والعرقي، وازدادت شراسة وكثافة بالتزامن مع أحداث الساحل والسويداء.
البيانات الحكومية تشير إلى نشاط مئات آلاف الحسابات الإلكترونية التي تدار من الخارج وتروج لمحتوى مضلل يعتمد على التلفيق والفبركة والاقتطاع والتركيب والتحليل المغلوط، وقالت وزارة الإعلام السورية إن أكثر من 300 ألف حساب إلكتروني تنشط ضمن هذه الحملة، وتعمل عبر أربع دول رئيسية لم تسمها الوزارة، وبعضها يتخفى وراء خطاب مؤيد ظاهريا لكنه يحمل مضامين تحريضية وتقسيمية.
أما التحقيقات الإعلامية المتخصصة ومنصات التحقيق الرقمية فأظهرت أن هذه الحملات ارتبطت بنشاط شبكات إلكترونية مرتبطة بجهات دولية، من بينها “إسرائيل” وإيران.
العديد من الدراسات والمقالات والتحليلات أشارت إلى خصوصية الشأن السوري، خاصة بعد انتصار الثورة السورية ومحاولات تشويه النصر والدولة الجديدة، والدخول من باب التنوع الكبير وبث الأخبار المفبركة واختلاق الأكاذيب.
مجلة الصحافة في معهد الجزيرة للإعلام نشرت دراسة بعنوان “التضليل في سوريا.. فوضى طبيعية أم حملة منظمة؟” لفرحات خضر تحدث فيها عن الخصوصية الفريدة للشأن السوري، ولا سيما فيما يرتبط بالأخبار المضللة، حيث يشير إلى أن نشر أي خبر أو صورة أو تسجيل مصور بشكل مضلل قد يتسبب في إراقة كثير من الدماء لخصوصية البلاد العرقية والطائفية، إلى جانب ما سببته سنوات الحرب من شرخ كبير بين هذه المكونات. ويقول: “لقد جعلت هذه الأسباب تدقيق الحقائق لدى الصحفيين عملا إنسانيا لا يقل أهمية عن نقل المعاناة وتسليط الضوء على مكامن الفساد”.
الكاتب سامر سيف الدين أشار في مقالته التي حملت عنوان “التضليل الإعلامي: الإثارة أهم من الحقيقة” ونشرها موقع “الترا سوريا” إلى أن ما يسمى اليوم بـ”المحتوى المزيف” ليس نوعا واحدا، بل عائلة كاملة من الخداع. هناك التضليل المتعمد: أخبار مفبركة، وثائق مزورة، وصور معدلة بعناية، وفي الحالة السورية تزدهر هذه الصناعة لأن تزوير وثيقة أو ختم بات أمرا سهلا. وهناك المعلومات الخاطئة وهي أكاذيب بلا نية إجرامية، تنتشر لأن أحدهم نسخ ولصق، أو لأن الخبر يلامس أمنية دفينة أو خوفا قديما لدى السوريين.
وفي هذا السياق يشير الباحث والمحلل السياسي، ميلاد الأطرش، في حديثه لصحيفة “الثورة السورية”، إلى أن خصوصية الحالة السورية ترتبط بالتداخل الإقليمي والدولي في الملف السوري، ما يجعل الرواية الإعلامية جزءا من الصراع السياسي بين القوى المختلفة، وكذلك الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي بين السوريين في الداخل والخارج، الأمر الذي يسرع تداول الأخبار قبل التحقق من صحتها. يضاف إلى كل ذلك حساسية البيئة الاجتماعية التي عاشت سنوات طويلة من التوتر والصراع، ما يجعل المجتمع أكثر تأثرا بالأخبار المرتبطة بالأمن أو الاقتصاد أو السياسة.
ويقول الباحث الأطرش: “شهدت المنطقة خلال السنوات الماضية العديد من حالات التضليل الإعلامي التي أثرت في الرأي العام، ففي بعض الأحيان جرى تداول صور أو مقاطع فيديو قديمة على أنها أحداث جديدة، كما شهدت في فترات مختلفة انتشار شائعات تتعلق بالوضع الاقتصادي أو سعر العملة أو قرارات حكومية غير صحيحة، الأمر الذي قد يؤدي إلى حالة من القلق لدى المواطنين ويؤثر في الاستقرار الاقتصادي. وفي حالات أخرى جرى تداول أخبار غير دقيقة حول تحركات عسكرية أو أمنية قبل التأكد من صحتها، وهو ما قد يخلق حالة من البلبلة والقلق العام”.
دور الوعي المجتمعي
تقول الدراسات والأبحاث والاستبيانات العديدة إن تحصين المجتمع من التضليل الإعلامي يبدأ من الفرد نفسه، من خلال تعزيز الوعي النقدي والحيطة عند التعامل مع المحتوى الرقمي، حيث يعتبر التحصين مسؤولية مشتركة تتطلب وعيا فرديا وجهودا جماعية من قبل المؤسسات الإعلامية والتعليمية والحكومية، من خلال تعزيز ثقافة الشك النقدي والتحقق.
وتكمن خطورة اقتطاع سياق أي معلومة، أيا كان نوعها، في النتائج اللاحقة من عدم اليقين التي ستؤدي إلى خلق فوضى حول المادة الإعلامية ومحتواها، كما أن التضليل ليس في كل الأحوال أسلوبا موجها ومقصودا، ففي بعض الأحيان يكون مرتبطا بسبق النشر أو بالتفاعل حول المعلومة.
لذلك تؤكد كل التوجهات أهمية الوعي المجتمعي، لأن المجتمع هو المستهدف بالمعلومة في جميع اتجاهاتها ويعطيها سلطة الانتشار، فالقانون أو التقنيات قد تكون في مقدمة الحلول مع أهميتها كأدوات مساعدة.
ويقول متخصصون إن الوعي المجتمعي يتعزز بامتلاك مهارات التفكير الناقد والتحليل بمستوياته، واستقصاء المصادر الموثوقة، وعدم التسرع.
وعلى الرغم من صعوبة تطبيق ذلك عمليا لكل فرد، لارتباط جذوره بالتنشئة الاجتماعية والتعليم والعولمة والعديد من العوامل، فمن الضروري نشر وسائل الوعي لتكون خطوط المواجهة للتضليل الإعلامي، من تفكيك المفاهيم إلى تفنيد الأفكار.
دراسات أخرى نشرت حول مهارات تجنب تضليل وسائل الإعلام، وأولها الشك بالأخبار وعدم التصديق الأولي بشكل مطلق، ولا سيما إذا كان خبرا خطيرا، وأن يلاحظ مدى منطقيته وانسجامه مع ملامح العصر ومقتضياته.
وكذلك الأمر، يجدر بالفرد المتلقي التأكد من مصدر المعلومة، وملاحظة محاولات التعتيم أو التعميم على المصدر، والحذر من التوجيهات والأجندات الخفية، والعناوين الجذابة المبهرة، وضرورة التحقق من العناصر، وتكوين شبكة مصداقية تعري التزييف.
وفي هذا السياق يقول الباحث الأطرش: “يعتبر الوعي المجتمعي أحد أهم أدوات الحماية من التضليل، فالمجتمع الذي يمتلك ثقافة إعلامية وقدرة على التحقق من المعلومات يصبح أقل عرضة للتأثر بالشائعات، ويتمثل هذا الوعي في مجموعة من الممارسات البسيطة لكنها مؤثرة، كالقدرة على التمييز بين الخبر والرأي أو التحليل، وتجنب إعادة نشر المعلومات غير المؤكدة، ومتابعة وسائل الإعلام المهنية ذات المصداقية”.
ويضيف بالقول: “في عالم تنتشر فيه المعلومات بسرعة غير مسبوقة، لم يعد التحدي الأساسي هو الوصول إلى الأخبار، بل القدرة على التمييز بين الحقيقة والتضليل. فكلما ارتفع مستوى الوعي لدى المواطنين تراجعت قدرة حملات التضليل على التأثير، وتحولت الحقيقة إلى قوة قادرة على حماية المجتمع من الانقسام والارتباك. وفي نهاية المطاف، يبقى المجتمع الواعي هو الضمانة الحقيقية لصون الاستقرار وحماية وحدة الدولة في مواجهة حروب المعلومات الحديثة”.
اخبار سورية الوطن 2_الثورة السورية
syriahomenews أخبار سورية الوطن
