آخر الأخبار
الرئيسية » إقتصاد و صناعة » اغلاق مضيق هرمز وتداعياته على الاقتصاد الأوروبي

اغلاق مضيق هرمز وتداعياته على الاقتصاد الأوروبي

د. ماد عكوش

 

 

 

من المؤكد بأن التداعيات على الاقتصاد الأوروبي ستكون قاسية ، لكنها لا تعني بالضرورة انهياراً عاماً. الخطر الأكبر ليس فقط في الحصار الأميركي للسفن المتجهة إلى الموانئ الإيرانية، بل في أن هذا التطور يأتي فوق تعطّل الملاحة في هرمز وصدمة الطاقة الناتجة عنهما. ووفق التوضيح الأميركي، فإن الحصار الذي بدأ في 13 نيسان 2026 يستهدف السفن الداخلة إلى الموانئ الإيرانية والخارجة منها ، بينما يبقى الأثر الأوروبي الأوسع ناتجاً من اضطراب هرمز نفسه وارتفاع أسعار النفط والغاز والشحن والتأمين.

 

أول ضربة ستكون عبر أسعار الطاقة. أوروبا أقل تعرضاً من آسيا في الغاز المار عبر هرمز، لأن الغاز الطبيعي المسال الذي يصل أوروبا عبر المضيق شكّل نحو 7 % فقط من إجمالي تدفقات الغاز الطبيعي المسال إلى أوروبا في 2025، لكن هذا لا يعني أنها بمنأى عن الضرر، لأن أسعار الطاقة تتحدد عالمياً، وأي نقص أو خوف من النقص يرفع الأسعار على الجميع. كما أن المفوضية الأوروبية حذرت بالفعل من أن صعود أسعار النفط والغاز والأسمدة يرفع خطر الركود التضخمي في أوروبا.

 

الضربة الثانية ستكون عبر التضخم. البنك المركزي الأوروبي أشار اليوم إلى أن صدمة الطاقة الحالية رفعت التعويضات التضخمية قصيرة الأجل في منطقة اليورو إلى مستويات لا تُقارن إلا بما حدث بعد الغزو الروسي لأوكرانيا في 2022، مع تراجع توقعات النمو في الوقت نفسه. هذا يعني عملياً أسعار أعلى، ونمو أضعف، وهوامش أقل لخفض الفائدة.

 

الضربة الثالثة ستكون عبر الصناعة والنقل والخدمات. أوروبا تعتمد على الطاقة المستوردة، وبالتالي الصناعات كثيفة الاستهلاك للطاقة مثل الكيماويات والمعادن والأسمدة والزجاج والسيراميك ستكون من أكثر القطاعات تضرراً. كذلك بدأت تظهر ضغوط في سوق وقود الطائرات ، إذ أشارت رويترز إلى أن أوروبا كانت تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 75 % من واردات وقود الطائرات، ما اضطرها إلى رفع الاستيراد من الولايات المتحدة إلى مستويات قياسية.

 

بالنسبة للسيناريوهات فهناك ثلاث سيناريوهات بالحد الادنى :

 

السيناريو الأول هو سيناريو الصدمة القصيرة أي أن يتم احتواء الأزمة خلال أسابيع قليلة وإعادة فتح الملاحة تدريجياً. في هذا السيناريو، سترتفع الأسعار والتضخم لفترة، وتتراجع الثقة والاستثمار، لكن من دون دخول أوروبا في أزمة عميقة. ستبقى الأضرار مركزة في الطاقة، النقل، والصناعة، مع تباطؤ واضح لكن يمكن احتواؤه. هذا السيناريو يصبح أكثر احتمالاً إذا نجحت المساعي الدبلوماسية لإعادة حرية الملاحة، وهو ما تصفه المفوضية الأوروبية بأنه أمر “ذي أهمية قصوى”.

 

السيناريو الثاني هو سيناريو الصدمة المتوسطة أي استمرار التعطّل شهوراً، مع بقاء النفط والغاز عند مستويات مرتفعة، وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتزايد الضغط على الأسر والشركات. هنا تدخل أوروبا في تباطؤ حاد، مع تضخم أعلى من المستهدف، وتراجعات صناعية أوسع، وقد تضطر الحكومات إلى دعم موجه للأسر والقطاعات الحساسة. المفوضية بدأت فعلاً تتحدث عن تنسيق أوروبي في أسعار الطاقة، وتخزين الغاز، واحتمال السحب المنسق من المخزونات النفطية الطارئة.اضافة الى دعم الصناعيين الى حدود الخمسين بالمئة من الزيادة .

 

السيناريو الثالث هو سيناريو الصدمة الطويلة أو المركبة أي استمرار الإغلاق أو التعطّل لفترة طويلة مع تضرر البنية التحتية الإقليمية، أو توسع المواجهة، أو فشل البدائل اللوجستية في تعويض النقص. هنا يرتفع احتمال الركود التضخمي بوضوح، وهو السيناريو الذي وصفه رئيس مجموعة اليورو بأنه الأسوأ، وإن قال إن أوروبا ليست هناك بعد . في هذا السيناريو، يتقلص النمو، ويرتفع التضخم، وتتراجع الأرباح والاستثمارات، وتزداد الضغوط على الموازنات العامة.

 

اما بخصوص الانهيار الشامل فهو غير مرجح ، لكن الاختناق الاقتصادي في بعض الدول والقطاعات وارد جداً. أوروبا اليوم ليست أوروبا 1973؛ فهي أكثر كفاءة في استخدام الطاقة، وأكثر تنوعاً في الإمدادات، وتملك أدوات تخزين وتدخل أفضل مما كان متاحاً في السابق. الاتحاد الأوروبي دخل شتاء 2025 بمستوى تخزين غاز بلغ 83 % ، أي نحو 85 مليار متر مكعب، بما يعادل قرابة 25% من الاستهلاك السنوي، كما أن اعادة تعزيز الطاقة خفّضت الاعتماد على روسيا ووسعت مصادر التوريد البديلة.

 

لكن بعض الاقتصادات ستكون أكثر هشاشة من غيرها. فالدول الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، والدول ذات النمو الضعيف أصلاً، والدول المثقلة بالعجز أو الدين، ستكون أكثر عرضة للانكماش الصناعي وتراجع الاستهلاك. لذلك لا أتوقع انهيار دول بالمعنى الحرفي في الأجل القصير، لكن أتوقع ركوداً أو شبه ركود في بعض الاقتصادات، وأزمة قطاعية حادة في النقل الجوي، الصناعات الكيماوية، الأسمدة، والمعادن إذا طال أمد الأزمة.

 

طرق التعامل ستكون متعددة أولاً ستتحرك أوروبا باتجاه إدارة الأزمة لا حلّها عسكرياً. بريطانيا وفرنسا ودول أوروبية أخرى رفضت الانضمام إلى الحصار الأميركي، وطرحت بدلاً من ذلك فكرة مهمة دفاعية متعددة الأطراف لإعادة الملاحة بعد توقف الأعمال القتالية، ما يدل على أن أوروبا تفضّل خفض التصعيد وحماية خطوط التجارة بدل الانخراط في الحرب نفسها.

 

ثانياً، ستلجأ إلى الأدوات الطاقوية اي السحب المنسق من المخزونات النفطية عند الحاجة، تنسيق شراء الغاز وتوقيت ملء المخازن، زيادة الاستيراد من الولايات المتحدة وأفريقيا والنرويج، وتسريع التحول إلى الكهرباء والطاقة المتجددة. المفوضية أعلنت بالفعل أنها تعمل على إجراءات منسقة لأسعار الطاقة، وعلى منع أن يؤدي تزاحم الدول على الشراء إلى مزيد من الارتفاع في الأسعار.

 

ثالثاً، ستستخدم السياسة المالية بشكل انتقائي ، لا عبر دعم شامل ومفتوح. التوجه الأقرب أوروبياً ودولياً هو دعم الأسر الفقيرة والقطاعات الأكثر تضرراً بشكل موجه، لأن الدعم العام الواسع قد يغذي التضخم ويثقل الموازنات.

 

رابعاً، سيبقى البنك المركزي الأوروبي حذراً. الرسالة الحالية من صناع السياسة النقدية هي عدم التسرع، لأنهم يواجهون صدمة طاقة ترفع التضخم وتضعف النمو في الوقت نفسه. لذلك قد يتأخر أي تيسير نقدي إضافي، أو يصبح مشروطاً أكثر بتطورات الأسعار والأجور والتوقعات التضخمية.

 

في النهاية أوروبا لن تسقط دفعة واحدة، لكنها ستدفع ثمناً اقتصادياً كبيراً إذا استمر الحصار وتعطل هرمز أما الرد الأوروبي المرجح فسيكون عبر دبلوماسية مكثفة، حماية الملاحة، استخدام المخزونات، تنسيق الطاقة، ودعم مالي موجه، مع تسريع أكبر لفك الارتباط عن الوقود الأحفوري المستورد.

 

 

 

أخبار سوريا الوطن١-الحوار نيوز

x

‎قد يُعجبك أيضاً

انخفاض أسعار الذهب 500 ليرة في السوق السورية

    انخفض سعر غرام الذهب عيار 21 قيراطاً في السوق السورية، اليوم الخميس، بمقدار 500 ليرة بالعملة الجديدة عن السعر الذي سجله أمس الأربعاء. ...