آخر الأخبار
الرئيسية » يومياً ... 100% » الشرق الأوسط: حلمٌ تاه في ليل طويل

الشرق الأوسط: حلمٌ تاه في ليل طويل

 

 

د. سلمان ريا

 

الشرق الأوسط اليوم ليس مجرد مسرح لفوضى الحروب والصراعات. بل هو رحلة داخل الزمن الضائع، حيث تتجسد الأسئلة الكبرى في ضباب من التمزقات والتناقضات. نحن في مرحلة التحوّل، في أرضٍ كانت مهدًا للمعرفة والتجارب الإنسانية العميقة، واليوم تتحول إلى صمتٍ يرفض أن يُسمَع. لا تكاد تجد في أنقاضها سوى خيالات لماضٍ ضاع في مرآة الزمن، لا أفق له.

 

في هذا الواقع الذي يتناثر، لا يقتصر الحديث على الحرب أو الدم. الأرض تتحدث بصمتٍ ثقيل عن فقدانٍ أعمق من الموت. عن هويات محطمة، كانت يوما أساسًا لهذا الكون الواسع، لكنها تلاشت في الهواء كالضباب. الفكر الذي كان يُعلّق عليه آمال البشرية في هذه المنطقة، بدأ يغرق في بحر من التساؤلات التي لا جواب لها. كل خطوة نحو المستقبل، تعود بنا خطوة إلى الوراء، وكل إشراقة أمل تغمرها غيمة من اليأس.

 

الإنسان في هذه الأرض اليوم لا يمشي على خطى الزمن كما عرفناه. هو يتنقل بين فصوله الضائعة، يقف بين ماضٍ خسر معاركه، وحاضرٍ مشوش لا يُطْعَم بالحقيقة. الزمن في الشرق الأوسط ليس امتدادًا منتظمًا، بل هو حلقة متكسرة، تقطعها أيام مليئة بالأسئلة الكبرى التي تعجز اللغة عن شرحها. كل لحظة هنا، تسحبنا إلى عمق الجرح. الماضي، الذي كان في يومٍ ما أساسًا للهوية والذاكرة، أصبح الآن مجرد ظل يتلألأ في خيالاتنا، لا نستطيع الإمساك به، ولا نعلم هل هو حقيقة أم سراب.

 

والقوة، التي طالما كانت رمزًا للسيطرة والقدرة على التحكم، تغيرت في هذه الأرض. القوة اليوم ليست في السيطرة على الآخر، بل في القدرة على الوقوف وسط الزمان المتقلب دون أن يَجرفك تياره. أن تكون قويًا اليوم في الشرق الأوسط يعني أن تعرف كيف تتنفس وسط الخراب، وكيف تُعيد تشكيل ذاتك في لحظةٍ تفرغ من كل شيء. القوة الحقيقية في هذا الزمن تكمن في القدرة على البقاء، على الصمود أمام الزمان الذي لا يرحم. إنها القدرة على العيش في أسوأ الظروف دون أن تنكسر.

 

أما الزمن، فقد أصبح خارج نطاق القياس. إنه ليس خطًا مستقيماً، بل جروحٌ تتكرر على مرّ العصور، تتلاطم مع بعضها البعض، وتذيب المعالم. الزمن في هذه المنطقة ليس كما يُخبرنا به التاريخ، بل هو رحلة في دوامة من الألم التي لا تنتهي. إننا نعيش في زمنٍ لا يمكننا فيه الوثوق في شيء. حتى لحظات الأمل التي تشرق من بعيد، تتحطم على صخور الواقع الأليم. من يخشى القطع مع الماضي، يخشى الحقيقة التي لا تقبل التجميل.

 

المعنى في هذه الأرض ليس سرًا يُبحث عنه، بل هو حلم يتشكل في غياهب الليل. لا شيء هنا ثابت، لا شيء يُساق لنا على طبق من ذهب. كل فكرة، كل رؤية، وكل كلمة تُعاد صياغتها في كل لحظة من لحظات الأزمة. في الشرق الأوسط، المعنى لا يُمنح، بل يُنتزع من الفوضى التي تحيط بنا، من الحطام الذي يغطي كل شيء. لا شيء هنا يسير بالطريقة التي نريدها، كل شيء يتناثر كالأوراق المبعثرة في الرياح. المعنى أصبح حقيقة مؤجلة، يتوجب علينا اكتشافها بين فوضى الأحداث.

 

والفوضى، التي طالما اعتقدنا أنها العدو، هي في حقيقة الأمر الحقيقة التي لا مفر منها. هي اللحظة التي يُكشف فيها الوجه الآخر للوجود. الفوضى هي الأساس، فهي التي تزرع الحياة في تربة الموت. إننا في الشرق الأوسط نعيش في الفوضى، لكننا لا نراها على حقيقتها. نراها عدوًا، لكنها في النهاية أداة جديدة للتغيير، أداة تُجبرنا على النظر إلى ما وراء الأفق. من يخشى الفوضى هنا، يخشى الحياة نفسها.

 

الشرق الأوسط، الذي لطالما كان مسرحًا لحروب وأزمات لا تنتهي، لم يعد مجرد مساحة جغرافية. لقد أصبح أرضًا جديدة للوجود، وأرضًا جديدة لإعادة بناء المعنى. التدمير الذي نراه في كل زاوية ليس سوى مرحلة عابرة. فكلما زادت الأنقاض، كلما اقتربنا من بداية جديدة، بداية لا تُشبه تلك التي عرفناها. الحلم الذي ظل ضائعًا في ليل طويل بدأ يأخذ شكله مرة أخرى.

 

ما نحتاجه اليوم ليس فقط إعادة بناء الأنظمة، بل إعادة بناء الإنسان في هذه الأرض. إعادة بناء الوعي الجمعي على أسس جديدة. علينا أن نتخلى عن الهويات القديمة التي كانت تحدّنا وتحبسنا. علينا أن نواجه الحقيقة التي لا مفر منها، ونعيد خلق أنفسنا من الخراب الذي يعصف بنا. فالمستقبل لا يأتي إلا من الفوضى التي نواجهها، من العدم الذي نخلق منه حياتنا الجديدة. ومن يخشى الفوضى، يخشى الوجود نفسه.

 

**الشرق الأوسط اليوم هو أرض النشوء والارتقاء الجديدة، التي يمكن أن تلد منها حضارة أخرى، أكثر قدرة على مواجهة الصراع الوجودي. إننا بحاجة إلى أن نعيد تعريف أنفسنا، وأن نتصالح مع الظلام ليُشرق النور من بيننا.

(موقع:أخبار سوريا الوطن)

x

‎قد يُعجبك أيضاً

مهرجان الدريكيش بين الماضي والحاضر

بقلم: جندب دخيل     يشكل مهرجان الدريكيش أحد أبرز المحطات الثقافية والسياحية التي ارتبطت بذاكرة المدينة على مدى ما يقارب ثلاثة عقود، بعدما أصبح ...